رقطاء الرمال المتحركة: السعودية وعولمة الإرهاب

عزّز صراع الأجنحة في المملكة العربية السعودية منذ وفاة المؤسس عبد العزيز آل سعود من قبضة الوهّابيين داخل أروقة المجتمع السعودي، إذ عمل طرفا الصراع داخل العائلة المالكة على استمالة المؤسسة الدينية الوهّابية الّتي ظلّت تشكّل طوال حكم أمراء آل سعود في مراحل دولهم الثلاث قاعدة سلطة الملك السعودي وشرعيته الدينية، وعندما بلغ الصراع المحتوم بين الملك سعود وولي عهده الأمير فيصل عتبة الإنفجار، إنحازت المؤسسة الوهّابية إلى جانب الملك فيصل « إذ كانت والدته طرفة آل الشيخ تنحدر مباشرة من سلالة محمّد إبن عبد الوهّاب »٧٧، وتداعى كبار علماء المذهب الوهّابي إلى منزل المفتي الأكبر محمّد إبن إبراهيم آل الشيخ حيث انتهوا إلى إقرار وجوب تنازل الملك سعود عن العرش وتنصيب فيصل خليفة له، وفي 9 تشرين الثاني عام 1964 « صادق مجلس الوزراء السعودي على قرارين: فتوى العلماء بمبايعة فيصل ملكاً ورسالة وقّعها جميع أفراد الأسرة السعودية المالكة تبايع فيصل ملكاً وتدين له بالولاء »٧٨.

وتحت وطأة التهديد بحرمان سعود من أملاكه ووضعه تحت الإقامة الجبرية وقّع تنازله عن العرش، وانتهت بذلك مرحلة الصراع على السلطة بين ملوك وأمراء آل سعود لمصلحة فيصل، ومن رحم هذا الصراع ومفاعيله أصبح الملك الجديد فيصل بن عبد العزيز آل سعود مديناً بسلطانه للسلطة الدينية. توّج فيصل ملكاً وتوّجت معه الوهّابية شريكة في الملك، حيث شرع الملك الجديد بفتح أبواب المملكة على مصراعيها أمام المؤسسة الوهّابية والّتي حصلت بحكم التعاقد الجديد على صيغة جديدة في الحكم تمنحها سلطة أكبر ودوراً أبرز وأشمل في شؤون المجتمع السعودي وهكذا إستحدث الملك فيصل وزارة الحج والأوقاف لاسترضائهم ثمّ أنشا سنة 1970م وزارة العدل وعيّن أحد رموز المؤسسة الوهّابية وزيراً وهو الشيخ محمّد علي الحركان، وخاض الملك فيصل تحديات متعاقبة لجهة زيادة نطاق تأثير التعاليم الوهّابية داخل المجتمع السعودي حتّى بلغت وهبنة المجتمع السعودي أوجها عندما منح فيصل مفاتيح العلم لأبواق الجهل وأخضع منظومة التربية والثقافة لتوجيه المؤسسة الدينية الوهّابية الّتي أتيحت لها إمكانية التحكّم بمفاصل التربية السعودية، فتحوّلت وزارة التربية الّتي ترأسها عضو من أعضاء الطغمة الوهّابية إلى معقلاً حصيناً لدرائن الإسلام السعودي تتحكّم من خلالها في جميع مستويات التربية وتوجيهها، وأصبحت جميع الجامعات السعودية بموجب خضوعها لوزارة التربية إمّا عبارة عن مؤسسات دينية وإمّا شدّدت على تكوين ديني لها وهكذا أصبحت الدروس الدينية وتلقين عقيدة المذهب الوهّابي منهاجاً إجبارياً حتّى في الجامعات ذات التوجّه العلماني إذ « تخصّص إبتداءً من ستينيات القرن الماضي 30% من الطلبة السعوديين في الدراسات الإسلامية »٧٩.

ولم تقتصر حملة الوهبنة على الأصعدة العلمية والتربوية بل تعدتها لتطال كل منظومة الثقافة والتوجيه في المجتمع السعودي إذ استطاعت إدارة البحوث والإفتاء الّتي تأسست بأوامر من الملك فيصل توسيع نطاق تأثير العلماء الوهابيين واختراق البنية الإجتماعية للمجتمع السعودي، فهذه الإدارة هي الّتي تمد المساجد بخطب خطبائها ومحاضراتهم وهي الّتي أنيط بها مهمّة مراقبة إصدار الكتب ونشرها وكان لها اليد الطولى في طباعة ونشر كتب أهم فلاسفة الإرهاب ومنظروه أمثال محمّد إبن عبد الوهّاب وإبن تيمية وغيرهم، ورفعت كل القيود عن الدعاة والعلماء وأصبح يطلب رأيهم الشرعي في كثير من الأعمال الّتي تقوم بها قطاعات الدولة وأجهزتها مثل الأنظمة والإعلام ونشاطات المرافق السياسية والإقتصادية وسمح لهم بالتأليف والنشر والإفتاء وعقد الندوات والحلقات وفسح المجال أمامهم لإنشاء هيئات وجمعيات مستقلّة وتعهّد فيصل بعرض جميع الأنظمة والمعاهدات قبل إقرارها على هيئة كبار العلماء للتأكد من مطابقتها لقواعد الشريعة الوهّابية.

وإصدار التعليمات لكل قطاعات الدولة ووسائل الإعلام بتمكين العلماء والدعاة من أداء واجبهم الشرعي والأخذ بنصائحهم وإنشاء محطّات إذاعية وتلفزيونية خاصة للدعوة إلى الوهّابية وتعليم أحكامها ….

وهكذا أتاح الملك فيصل للوهّابيين سلطة التحكّم بثقافة المجتمع السعودي وتوجيهاته ومنحهم القدرة على وهبنة الإسلام الأصيل حتّى استحال الإسلام من عقيدة توحيدية تسامحية إلى أجندة أصولية وتكفيرية عكست إنحرافاً صلفاً عن الإسلام الحقيقي ولم تنتج هذه الثقافة الديماغوجية سوى طفيليات فكرية متحجّرة تمخّضت عنها كل العصابات الّتي تصول اليوم وتجول في عالمنا العربي والإسلامي من القاعدة والنصرة إلى داعش وبوكو حرام…

ولكن الملك فيصل لم يستسغ فكرة الإقتصار على وهبنة المجتمع السعودي، فبعد أن جثت السلطة السعودية أمام سلطانه وآلت إليه كل أسباب السيادة والسيطرة على مفاتيح الحكم ومفاصله بات يرنو إلى تبنّي دوراً عربياً رائداً يخرجه من قمقم القبيلة السعودية ويضعه في مصاف الشخصيّات الفاعلة والدول المؤثّرة الّتي تصنع الأحداث وتديرها وبخاصةٍ بعد إمتلاكه أسباب القوّة الإقتصادية بوارداتها النفطية ولأنّ الحكم السعودي وعلوجه الحاكمة يفتقران إلى أيّة إمكانات ومؤهلات بحكم طبعهم البدوي – تمكّنهم من الوثوب إلى سدّة العالم العربي وسؤدده فلجأوا إلى سياسة تصدير العقيدة الوهابية بوصفها المثابة الدائمة الّتي يتظلل في فيئها آل سعود والمطية الّتي يمتطونها بغية بلوغ أي غاية يرمونها وأي هدف ينشدونه، وهذه السياسة الملتوية أوجزها مفتي المملكة ومستشار الملك فيصل الشيخ محمّد إبن إبراهيم آل الشيخ بأنّه « يجب أن تقود العربية السعودية العالم العربي وأن تصدّر أيديولوجية الوهّابية »٨٠.

إذن وبإقرار من السلطة السياسية والدينية في المملكة السعودية فإنّ تصدير الفكر الوهّابي بإرهاصاته التكفيرية وتجلّياته الإرهابية هو جسر عبور المملكة السعودية من قمقم قبيلتها البدوية إلى رحاب العالمين العربي والإسلامي، لأنّ إستجابة آل سعود لمصالح المؤسسة الدينية الرامية إلى نشر نسخة إسلامها الوهّابي في أرجاء العالمين العربي والإسلامي تمنحهم مشروعية التمدّد خارج حدود مملكتهم كزعماء للإسلام وقادة للمسلمين.

وبالتالي أضحت سياسة الوهبنة الشاملة هي المقدمة الضرورية لتعبيد الطريق أمام الجموح السعودي في ريادة الإسلام وقيادته، وبالفعل عندما أطاحت ثورة الضبّاط الأحرار في مصر سنة 1952م بالملكية توهّجت القومية العربية بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر، فتوجّست المملكة السعودية من ارتدادات المد الثوري الناصري باتجاه الجزيرة العربية وتقويض عروش الطغاة فيها، إزاء هذا الوضع الجديد بدت المملكة في حاجة ملحّة إلى دعم أوراق اعتمادها الدينية وبدأت عملية الإنبعاث الوهّابي في محاولة سعودية ماكرة تحرث في الحقل الديني من أجل حصاد أغراض سياسية، فكان الإسلام ببعده الوهّابي عصا آل سعود الدائمة من الجد الأوّل محمّد إبن سعود إلى آخر طغاة هذه العائلة الطاغية، وهكذا إختمرت لدى القيادة السعودية فكرة تأسيس حلف إسلامي – على غرار الحلف الجديد الّذي شكّله الملك سلمان في منتصف شهر كانون الأوّل من عام 2015 – يشكّل بأهدافه وأبعاده ومشروعه نقيضاً للعروبة بأهدافها وأبعادها ومشروعها وفي سنة 1962م موّلت السعودية إنعقاد مؤتمر إسلامي عالمي في مكّة بغية إستنباط حلفاً إسلامياً جديداً يرفد لائحة العداء لحركات التحرّر العربية بعضو جديد، فخرجت من رحم المؤتمر المشؤوم بائعة هوى سعودية أجمع المؤتمرون على تسميتها برابطة العالم الإسلامي الّتي شكّلت الذراع المالية والسياسية للوهّابية العالمية والنواة الحقيقية الّتي انبجست منها كل المومياءات الإرهابية في العالم.

هذه المنظمة الجديدة الّتي أنيطت بها مهمّة رعاية التضامن الإسلامي أتاحت للمملكة السعودية نشر أجندتها الدينية والسياسية في العالم إذ باتت هذه الرابطة وسيلة المملكة وأداتها في تحقيق أغراضها السياسية والّتي تمثّلت في الستينيات بمواجهة القومية العربية وفي السبعينيات بمواجهة الثورة الإسلامية الإيرانية وفي الثمانينيات بمواجهة الإتحاد السوفياتي وشيوعيته.

وسمحت أيضاً للمملكة ومؤسستها الدينية بإحياء الوهّابية ونشرها على الصعيد العالمي إذ أوفدت البعثات الدينية وجمعت الأموال لبناء المساجد ووزّعت أعمال إبن تيمية وإبن عبد الوهّاب وأضحت رابطة العالم الإسلامي بمثابة جهد لوهبنة الإسلام في العالم كلّه.

وبعد مقتل الملك فيصل أسدل الستار على نافذة التزاوج الفعلي بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية في السعودية وما تمخّضت عنه من أجنّة مشوّهة اتّسمت بسمات إسلامية عكست حاجة الملك فيصل إلى الإستثمار في الحقل الديني بغية إرضاء المؤسسة الدينية تارةً والفوز بغطاء إسلامي يجلبب طموحاته السياسية طوراً.

ولم تخرج تركة الملك فيصل في العرش السعودي عن سكّة الإسلام المؤدلج بالوهّابية البغيضة وإرهاصاتها التكفيرية بل استأنفت حيويتها الدينية مع حكم الملك خالد وبلغت الذروة مع حكم الملك فهد الّذي إنساق بحكم سمعته السيئة كمقامر وراء قاطرة الإعتبارات الدينية من أجل تمويه إنغماسه في الفساد الأخلاقي وعدم إثارة المؤسسة الدينية ضدّه حتّى لا يلق نفسه مصير الملك سعود الّذي أطاحت به المؤسسة الوهّابية، فعلى الصعيد الداخلي إستجاب الملك فهد لإملاءات النخبة الوهّابية الّتي رمت إلى وهبنة ما تبقّى من مجتمع سعودي خارج القيد الوهّابي، وعلى الصعيد الخارجي إهتزّت المملكة من تداعيات الثورة الإيرانية عام 1979م بحيث مثّلت هذه الثورة بإسلامها الحركي خطراً محدقاً على السعودية بإسلامها الراديكالي، وانطلق القطار السعودي لمواجهة الثورة الإيرانية من محطّة المؤسسة الدينية أكثر منه من القيادة السياسية لأنّ الملك فهد أدرك أهمية إيلاء الصراع مع إيران بعداً دينياً فاكتسبت الوهّابية زخماً إضافياً، وأطلقت لها يد العنان في نشر إسلامها الوهّابي بحيثياته الدموية وعكست المؤسسات الخيرية السعودية والمنظمات والجمعيات الإسلامية حاجة المملكة إلى استنهاض مشاعر الحقد والكراهية اتجاه إيران خشية من تدحرج دومينو الثورة الإيرانية إلى أراضيها وإطاحة عروش طغاتها لذلك قادت المملكة حملة مواجهة شاملة ضد إيران تجلّت أولى إرهاصاتها بأسوأ أدبيات الكراهية الوهّابية الّتي نزعت الشرعية عن إسلام الثورة الإيرانية بغية تعزيز أوراق آل سعود في ميزان الصراع مع إيران فعلى سبيل المثال لا الحصر وزّعت إحدى أبواق الوهّابية السعودية المسماة الندوة العالمية للشباب الإسلامي كتاباً مدموغاً ببصمات الحقد الوهّابي وجاء فيه ما نصّه: « إنّ حجر الزاوية في العقيدة الشيعية وكذا بعدها وبرهانها زائف لا أساس له ». وتمّت ترجمة هذه الترُّهات عملياً في حادثة الإعتداء على الحجّاج الإيرانيين عام 1987م وذهب ضحيتها أربعمائة حاج إيراني وهكذا بدأت ملامح الصراع المذهبي تظهر تباعاً بين جناحي الإسلام حتّى بلغت ذروة المواجهة بعد الإحتلال الأميركي للعراق عام 2003.

وقد نقلت مجلة التايمز الأميركية بتاريخ 12.10.1987 تصريحاً للملك فهد قال فيه « لقد أخطأ أتاتورك لأنّه سعى لهدم الإسلام من الرأس أمّا أنا فسأهدمه من الجذور ».

وقد ساهمت رابطة العالم الإسلامي بتعزيز الصراع المذهبي من أجل تدمير الإسلام ففي الفترة الممتدة بين عامي 1980 و 2000 أنشات هذه الرابطة في جوار إيران من باكستان إلى أفغانستان ما يزيد عن 1500 مسجد و210 مراكز إسلامية وهّابية وألفي مدرسة من أجل احتواء ارتدادات الثورة الإيرانية وامتصاصها .

وهكذا اتخذت المهلكة السعودية من الثورة الإيرانية ذريعة لتعزيز علاقاتها مع المؤسسة الدينية وقدّمت لها جرعات من الدعم المالي والسياسي والإعلامي حتّى شهدنا ما يمكن اعتباره أعمالاً تبشيرية وهّابية مهّدت لما يمكن أن يسمّى بالعولمة الوهّابية من خلال إنشائها بنى تحتية للفكر الوهّابي بأبعاده الجهادية وتوظيفها في لعبة الإصطفافات السياسية والمذهبية.

ولكن هذا المشروع السعودي الرامي إلى وهبنة العالم الإسلامي لم يتحوّل بشكل كامل إلى واقع موضوعي إلاّ في أعقاب الإحتلال السوفياتي لأفغانستان والّذي تزامن مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م ومن بؤرة هذه الأحداث إنبجست منظومة حقد وكراهية إتّسمت بسمات إسلامية الظاهر ولكنّها جاهلية الباطن لأنّ هؤلاء الوهّابيين ألفوا الوهبنة أباً عن جد وظلّ إلفهم لها متصلاً أجيالاً متعاقبة وانتقل المفهوم الوهّابي للإسلام في نفوسهم من حكم العادة إلى حكم العقيدة وارتقى عندهم إلى ما يطالبهم دينهم الإيمان به لهذا كان من السهل على آل سعود الإستثمار في هذا الحقل أمام ( الإستحقاقات الكبرى )، وتشكّلت شبكة إرهابية عالمية تصدّرت المملكة السعودية لائحة رعايتها وقيادتها بعد أن استطاعت الجمع بين رواسب العصور المنطفئة في جاهليتها من بقايا الإخوان وتراثهم الدموي إلى كومة أفكار حنبلية تقيّأت بها قرائح إبن تيمية وإبن عبد الوهّاب.

وأضحى المولود الجديد الّذي تمخّض عن تزاوج هذه الطفيليات الإخوانية – الحنبلية هو ربيب السياسة السعودية ومفتاح أجندتها الإرهابية في العالم، وتمظهرت جلياً حقيقة العلاقة بين المملكة السعودية والحركات الأصولية التكفيرية لحظة تبنّي المملكة مشروع محاربة السوفيات في أفغانستان وتجلّت أولى إرهاصات هذه العلاقة عندما إنتدبت رابطة العالم الإسلامي أحد أعتى الأصوليين تأثيراً في حركات الإسلام السياسي المدعو عبدالله عزّام وأوكلت إليه مهمّة إدارة مكاتبها في مدينة بيشاور الباكستانية بعد أن غادر منصبه كأستاذ في جامعات السعودية، وشرع عزّام منذ توليه قيادة رابطة العالم الإسلامي في باكستان بإنشاء شبكة من المدارس الدينية من أجل استقطاب الشباب الإسلامي وضمّهم إلى حظيرة آل سعود الوهّابية. وهكذا وضعت السعودية من خلال عبدالله عزّام حجر الأساس في مشروع صناعة الإرهاب الأفغاني وأضحى الإحتلال السوفياتي لأفغانستان في الأيديولوجية الوهّابية يشكّل القضية المركزية الّتي استقطبت كل المسارات الجهادية لحركات الإسلام الراديكالي ووفق هذا المنطق السعودي الجديد إرتأت القضية الأفغانية إلى مستوى من القداسة جعلها تطغى بأهميتها على القضية الفلسطينية ممّا يؤكّد أنّ هذه المقاومة الوهّابية للسوفيات لم تكن سوى حبكة مخابراتية صهيو – أميركية رمت إلى إختلاق إسلام جديد ينحرف بمساره الجهادي في اتجاهات لا تخدم سوى الأجندة الأميركية وجموحها إلى التوسّع على حساب المصالح العربية.

ورغم فعالية هذه المدارس الدينية في انبعاث الفكر التكفيري وأهميّتها في تجذر القيم الوهّابية إلاّ أنّها لم تضمن الإنخراط السعودي المباشر في الحرب على السوفيات، إذا أدركت الولايات المتّحدة الأميركية أنّ استثمار الأيديولوجية الوهّابية ببعدها العسكري يشكّل عاملاً أساسياً في تقويض النفوذ السوفياتي في أفغانستان ويضاعف قدراتها على مقاومة المد الشيوعي، وهكذا أومأت الإستخبارات الأميركية إلى بيادقها في السعودية ضرورة المشاركة الميدانية في الحرب الأفغانية وعدم التعويل على فعالية المدارس الدينية وحدها في ميدان المواجهة مع السوفيات، وبالطبع إستجابت السعودية للإملاءات الأميركية، وأعلن مبعوثها إلى باكستان عبدالله عزّام سنة 1984م عن إنشاء مكتب خدمات المجاهدين من أجل جهود تنظيم واستقطاب المقاتلين الوافدين من الدول العربية لنصرة القضية الأفغانية والقيام بأعباء الجهاد على طريق تحرير أفغانستان، وهنا يمكن القول أنّ استجابة آل سعود للإملاءات الأميركية كانت استجابة طوعية لأنّ حافز السعودية القوي مبعثه اعتباراتها الدينية والسياسية لأنّها رأت في هذا المطلب الأميركي ما يثلج قلب المؤسسة الدينية الوهّابية والّتي سيصبح لها بموجب الدور السعودي الجديد ذراعاً عسكرية يرفد مشروعها الرامي إلى عولمة الإرهاب بقيمة إضافية ويمنح مشروعها السياسي بعداً حيوياً إذا ما استطاعت هزيمة المشروع السوفياتي الّذي يضمر – بالفقه السعودي – دعماً سياسياً وعسكرياً لكل الأنظمة العربية والإسلامية المناوئة لراديكالية النظام السعودي ورجعيته.

وقد عزّز مكتب خدمات المجاهدين فرص المملكة السعودية في تنفيس بواطن حقدها الوهّابي لأنّه ضمن لها التماهي بين كراهية العقائد والقدرة على ترجمتها الميدانية وسمح للمدارس الدينية بتزويد روّادها بحاجاتهم المادية والعسكرية للإنتقال من الدروس النظرية إلى الإعدادات التطبيقية فضلاً عن إرشادهم إلى ميادين قتالية يتقيّأون في ساحاتها ما تلقوه من دروس ونظريات عقائدية.

وعندما تبلورت الحاجة إلى تحسين التدفق المالي لمكتب خدمات المجاهدين من أجل زيادة فعاليته وإنتاجيته إنتدب رئيس الإستخبارات السعودية الأمير تركي الفيصل رجل الأعمال السعودي الوهّابي ” أسامة بن لادن ” لإدارة الملف المالي في مكتب الخدمات، وقد ساعدت ثروة أسامة بن لادن وتبرعات الخيريات السعودية على تشجيع الشباب السعودي خصوصاً والعربي عموماً للإلتحاق بقضية الجهاد الأفغاني، بحيث أصبح هذا الشباب المغرّر به واللاهث وراء طمأنينة وجدانية مجرّد بنادق للإيجار وانتحاريين غب الطلب على مذبح المصالح السعودية والأميركية والصهيونية.

وفي تلك الحقبة بدأ يبزغ نجم أسامة بن لادن في الأوساط الجهادية الأفغانية سيما عندما كلّف سعودياً بنقل المتطوعين العرب الّذين يرغبون بمحاربة السوفيات إلى باكستان وأطلق عليه لقب ” قائد المجاهدين العرب ” ووصفته المملكة العربية السعودية بأنّه ” البطل ” ووفق تقديرات مستقاة من مصادر باكستانية بلغ عدد السعوديين الّذين انتقلوا إلى باكستان للجهاد في أفغانستان ثلاثين ألف مقاتل جلُّهم من الوهّابيين الّذين حصلوا على دعم مالي من الخيريات السعودية وتسهيلات قدّمتها خطوط الطيران السعودية للإنتقال إلى باكستان بلغت تخفيضاً بنسبة 75% على تذاكر السفر.

ومن موقعه الجديد في ريادة الجهاد الأفغاني أخذ بن لادن يبلور نشاطه وعمله في إطار تنظيمي يتكامل مع نشاط الشيخ عبدالله عزّام واستطاع توطيد علاقاته مع الإستخبارات المركزية الأميركية بواسطة صديقه الأمير تركي الفيصل – شقيق سعود الفيصل – الّذي رفده بكل حاجاته من إمكانات مادية وعسكرية وبشرية وأوحى إليه ضرورة تسجيلها في سجلاّت خاصة تشكّل قاعدة معلومات تشمل كل تفاصيل الحياة الجهادية، وفي تشرين الأوّل من عام 1989م قُتل عبدالله عزّام بسيارة مفخّخة في باكستان وتسلّم بن لادن زمام القيادة وتحوّلت القاعدة من إدارة مستقلّة في مكتب خدمات المجاهدين إلى تنظيم دولي إستقطب كل طفيليات المجتمعات الظلامية الّتي رأت في هذا المولود الجديد ملاذاً لها وموئلاً لأفكارها ومرتعاً لوحشيتها فاقتربت منه جماعة الجهاد المصرية بقيادة أيمن الظواهري والتحم المومس المصري بالقاعدة وأصبح نائباً لأسامة بن لادن، فوجد كل منهم ضالته في الآخر، أيمن الظواهري يبحث عن مموّل لأفكاره وأسامة بن لادن يبحث عن الشخص الّذي يصوغ له الأفكار وبدآ معاً في تكوين الجناح العسكري لتنظيم القاعدة الّذي أصبح فيما بعد من أعتى التنظيمات الإسلامية إرهاباً وتكفيراً، ومن هنا بدأت رواية إرهابية جديدة لازلنا نقرأ كل يوم فصلاً جديداً من فصولها ولا زالت المملكة العربية السعودية مستمرة في نشر فكرها الوهّابي وتدريس كتاب التوحيد لمحمّد إبن عبد الوهّاب وهو الفكر الّذي أنتج القاعدة ” الأم ” وكل القاعديين الجدد بدءاً من داعش والنصرة وبوكو حرام وأخوتهم الّذين يدرّسون أتباعهم كتاب التوحيد. وباختصار … إنّ حاجة المملكة العربية السعودية للأيديولوجية الوهّابية تجاوزت رغبتها في موازنة حساسيات رعاياها الدينية في الداخل السعودي من أجل الإستمرار في المحافظة على شرعية الحكم وديمومته إلى الإستثمار الديني في الإعتبارات الجيوسياسية دون الإلتفات إلى مخاطر هذا الإستثمار على مستوى تصدير الإرهاب وعولمته، وبات واضحاً أنّ جدلية العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية في السعودية هي الّتي أمدّت هذا الإرهاب بالقوّة الروحية والمادية حتّى بلغ ذروته.

فلولا المال السعودي ونفطه لكانت الوهّابية مجرّد فكراً دينياً طائشاً تنجذب إليه بعض الطفيليات البدوية في صحراء نجد، ولولا السلطة الدينية وفكرها الوهّابي كانت السعودية مجرّد قبيلة لا تتجاوز حدودها الثلاث كيلومترات في الدرعية.


٧٧ – دور غولد، مملكة الكراهية، ص 113.
٧٨ – اليكسي فاسيليف، تاريخ العربية السعودية، ص 499.
٧٩ – دور غولد، كتاب مملكة الكراهية، ص 115.
٨٠ – دور غولد، كتاب مملكة الكراهية، ص 119.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى