رقطاء الرمال المتحركة: التمهيد لإحتلال العراق

كان هاجس مشروع إحتلال العراق لم يغب عن بال أحد من مهندسي استراتيجيات الإستخبارات البريطانيّة بعدما أقرّت بهذا المشروع الدوائر الإستعماريّة وحكومة الملك في لندن والّتي ركزّت على سياسة السيطرة المباشرة على العراق من أجل حماية المصالح البريطانيّة في الهند والخليج العربي.

وكانت الرغبة البريطانيّة ملحّة في ضم العراق بعد إنتزاعه من قبضة العثمانيين إلى إمبراطوريتها لما يمثله العراق من أهمية جيوسياسية وإقتصادية منها ما يتعلّق بالعثمانيين الّذين يهدّد وجودهم في العراق قطع خطوط المواصلات الإستراتيجيّة لبريطانيا مع مستعمراتها في الهند على عتبة الحرب العالميّة الأولى ومنها ما يتعلّق بالعراق نفسه لأنّه يُعد إستعمارياً أحد أهم ولايات الإمبراطورية العثمانية آنذاك بفضل موقعه الإستراتيجي وثروته النفطيّة وأسباب أخرى مهمّة تتعلّق بالمشروع البريطاني الّذي يعتبر العراق جزء لا يتجزأ من مجال الخليج الحيوي.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وانفراط عقد التفاهمات الدوليّة القاضية بعدم المساس بالسلطنة العثمانية بدأت بريطانيا بممارسة سياسة الضغط على تركيا من داخل ولايتها لإحتواء أي ردّة فعل شعبية تناصر السلطنة لأنّ بريطانيا فطنت إلى أهمية العامل الديني في الحرب والدور الّذي سيلعبه السلطان العثماني في نفوس المسلمين على مستوى العراق وجواره، لذا رأت بريطانيا ضرورة إستثمار شخصية إسلامية موالية لها تكن بمثابة حصن لدرء الأخطار عنها عند بدء هجومها على العراق ويتسنى لها من خلال هذه الشخصية توجيه الرأي العام الإسلامي وانتزاع العراق من قبضة العثمانيين دون إثارة شعور المسلمين .

وتأهب السير برسي كوكس المعتمد البريطاني في الخليج إلى الإتصال بأحد الشخصيات الإسلاميّة الحاكمة في الخليج لإستمالتها في معركة إسقاط العراق فتبرّع لهذه المهمّة عبد العزيز إبن سعود بعد أن تلقّى رسالة إملاء من الوكيل السياسي في الكويت نقلها له مبارك الصباح جاء فيها:

« إنّ الدولة البهيّة بريطانيا تبغي منّا ومنكم المساعدة الكاملة للتأثير في أصدقائنا وعشائرنا والقبائل التابعة لنا وسترسل الدولة لكم الكابتن شكسبير المعروف عند العرب جميعاً حتّى يعرّفكم بمقاصد الدولة البهيّة ونيّاتها وهي تبغي منكم أنت والشيوخ المقيمين على شط البحر وساحل الخليج ألاّ تفعلوا شيئاً من الحركات حتّى بعد نشوب الحرب »٣١.

وقد أجاب إبن سعود على رسالة مبارك « بالوقوف مع بريطانيا وأنّ موقفه معها معروف وأنّه لا يتخذ أمراً إلاّ بعد إعلام وكيلها السياسي في الكويت » ٣٢.

وقد جاء في الوثائق البريطانية المجلّد 2140 ما نصّه:

« في 5 أكتوبر 1914م وجهت وزارة الهند رسالة إلى النقيب شكسبير بأنّ عليه أن يسافر بأسرع فرصة ممكنة ويتصل بإبن سعود في الحال حتّى يستخدم نفوذه للوصول إلى هدفين أوّلهما منع وقوع اضطرابات بين الأوساط العربيّة نتيجة للإجراءات الّتي ستقوم بريطانيا باتخاذها في الخليج والأراضي العربيّة الّتي تقع تحت النفوذ التركي وثانيهما بأن لا يقوم العرب بمساعدة الأتراك إذا ما قامت الحرب بينهم وبين بريطانيا»٣٣.

وجاء في وثيقة أخرى في المجلّد رقم 2139 ما نصّه:

« وصلت إلى لندن برقية نائب الملك في الهند جاء فيها أنّ الخطّة الّتي عرضها شيخ الكويت هي أنّه وعبد العزيز آل سعود بالتعاون مع بعض وجهاء البصرة يعملان على تسهيل إحتلالها من قبل الإنكليز »٣٤.

وفي الوقت الّذي كان فيه القتال دائراً بين البريطانيين من جهة والشعب العراقي من جهة ثانية بدأ عبد العزيز الوفاء بالتزاماته الّتي قطعها للبريطانيين مقابل تعّهد الحكومة البريطانية بحمايته من الدولة العثمانية مع الإعتراف بمركزه الواقعي في نجد والإحساء وأخذ كل الترتيبات اللازمة للحيلولة دون وصول الإمدادات العسكرية إلى البصرة وقمع أي نشاط مؤيّد للمقاومة العراقيّة داخل حدود الجزيرة العربية وخوض حروب عبثية مع كل القوى الوطنيّة الّتي حاولت مؤازرة الشعب العراقي في مقاومته وقد قامت بريطانيا مباشرة بتقديم كافة أشكال الدعم المالي والعسكري لإنجاح مهمّته وعندما لم تبدي السلطنة العثمانية سوى مقاومة طفيفة تمكنت بريطانيا من السيطرة على البصرة الّتي اتخذت منها قاعدة عسكرية رفدتها بكافة الإمكانات والمعدات اللازمة للسيطرة على كامل الجغرافية العراقية.

وبعد هذا الإنجاز البريطاني قامت السلطات العسكرية الّتي تسيطر على البصرة بتكريم عبد العزيز إبن سعود ودعوته لزيارة مراكز قيادة الجيش البريطاني فيها ولم يفت عبد العزيز إحترام بروتوكول عمالته للبريطانيين إذ عبّر بكلمة ألقاها أمام القيادة العسكريّة بحضور السير برسي كوكس عن غبطته المفرط بهذا النصر المقدّس قائلاً :

« سيدي السير برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى دام عزّها… دخول جيوشكم الإنكليزية العظيمة للعراق نصرٌ مبين للمسلمين وعز مكين لنا… عبوديتنا وخدماتنا لبريطانيا العظمى وولائنا لكم إلى الأبد »٣٥.

وبعد أن استتب أمر العراق إلى البريطانيين بدأت صفحة جديدة من العلاقة بين الإستعمار والرجعية توّجت بتوقيع معاهدة بين آل سعود والبريطانيين .


٣١ – حسين خزعل، تاريخ الكويت، ص 153.
٣٢ – خالد السعدون، العلاقات بين الكويت ونجد، ص 158.
٣٣ – ناصر فرج، قيام العرش السعودي، ص 21 .
٣٤ – ذات المرجع .
٣٥ – محسن الأمين، كشف الإرتياب في أتباع محمّد إبن عبد الوهاب، ص355.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى