رقطاء الرمال المتحركة: الإحتلال السعودي للحجاز

عندما إندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى أسدل الستار بشكل نهائي على نافذة التهدئة التركية – البريطانية ورصدت الإستخبارات البريطانية تململاً عربياً من السياسات العثمانية اتجاه الولايات العربية نجم عن إساءة حكم جمعية الإتحاد والترقي الّتي أحيت جملة من المفاهيم الطورانية وسعت إلى فرضها على الشعوب العربية داخل ولايات السلطنة العثمانية ومنها إقدام هذه الجمعية على سلة من الخيارات القومية البغيضة كفرض اللغة التركية لغةً رسميةً في الولايات العربية وترجمة القرآن الكريم وفرض نظام التجنيد الإجباري وقيام جمال باشا بشنق زعماء الحركة العربية ومفكريها بحجة الخيانة العظمى فاستغلت بريطانيا رغبة الشريف حسين بالثورة على الأتراك كونه من السلالة الهاشمية وأميراً لمكّة إضافةً إلى نفوذه وقدرته على ضرب القوات التركية في الجزيرة العربية وأرسلت على الفور رسالة إلى الشريف تحثّه فيها على إذكاء شرارة الثورة على العثمانيين مقابل تأمين كل قنوات الدعم المادي له، لكنّه ردّ على الرسالة بتعليق إعلان الثورة مقابل إعتراف بريطانيا بإستقلال الدول العربية ومنحه لقب الخليفة وقد استجابت بريطانيا مكراً لهذه الشروط بموجب إتفاقية عرفت بإسم إتفاقية دمشق.

وقد غرّرت هذه الإتفاقية بالشريف حسين وأغرقته بأوهام كاذبة فسارع عام 1916 إلى إعلان ثورته على العثمانيين وحقق بذلك هدف بريطانيا في إشغال القوّات التركية داخل حدود ولاياتها وشل قدراتها العسكرية، وعندما وضعت الحرب أوزارها بهزيمة تركيا وحلفائها إستعدّ الشريف حسين إلى قطاف ثمار ثورته ضد العثمانيين والحصول على مكاسبه الموعودة من إتفاقية دمشق، لكنّه إلتمس تسويفاً بريطانياً إنتهى إلى استبيانه ملامح مخطط إستعماري يهدف إلى السيطرة على تركة الدولة العثمانية بما عرف لاحقاً بإتفاق سايكس بيكو ووعوداً قدّمت لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين بما عرف بوعد بلفور ومع إنكشاف ملابسات هذا المخطط الخطير وتنكُّر بريطانيا لوعودها بتحقيق حلم الدولة العربية الموحدّة والمستقلة دخلت علاقاتها مع الشريف حسين منعطفاً جديداً إنزلق إلى مهاوي العداء عندما طلبت منه الموافقة على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، الأمر الّذي أصبح معه وجوده في الحكم والسلطة على عرش الحجاز رهن هذه الموافقة بما يشبه ( معادلة فلسطين مقابل عرش الحجاز ).

لكن الشريف حسين لم يكن باستطاعته الموافقة على شروط بريطانيا أمام الضغوط الّتي تعرّض لها من الشعوب العربية الّتي استجابت لثورته ولأنّ الشريف حسين رغم كثرة علاّته ما برح يملك نفساً عروبياً وقومياً وحينما رفض مطالب الإنكليز بالتوقيع على وعد بلفور شرعت بريطانيا في سياسة الوعيد وتهديده في عرشه، فكان تهديده بواسطة شخصية عربية هو خشبة خلاصها لأنّ التعرّض المباشر له بما يمثّل من رمزية إسلامية وثقل عربي كان سيثير حماسة الشعوب ضدّهم فكان لا بد للصراع حتّى يؤتي أكله من أن يكون صراعاً عربياً خالصاً، حينها بدأ الإنكليز البحث في أروقة إستخباراتهم عن الشخصية الكفيلة بلعب هذا الدور حتّى إستقرّ رأيهم على إنتداب أمير نجد والإحساء عبد العزيز إبن سعود رجل المهمّات الصعبة الّذي يصلح إستخدامه عصاً من أجل تأديب الشريف حسين وثنيه عن مواقفه وتكوّنت لدى بريطانيا فكرة عامّة عبّر عنها جون فيلبي خلاصتها أنّ « إبن سعود خيرٌ لبريطانيا في تنفيذ سياساتها وحماية مصالحها في الوطن العربي لأنّه رجل المستقبل القادر على التنفيذ»٣٨.

وعندما سأل عبد العزيز ما هي مطالب الإنكليز الّتي رفضها الشريف حسين وقبلتها أنت حتّى وعدك الإنكليز بعرش الحجاز؟

قال عبد العزيز: « قبل كل شيء إنّ الشريف حسين مجنون فهو يريد وحدة البلاد العربية كلّها من مشرقها إلى مغربها بينما الإنكليز لا يريدون هذه الوحدة والإنكليز يريدون إعطاء فلسطين لليهود وهو لا يريد ذلك … أمّا نحن فلا علينا من وحدة البلاد العربية ولا علينا من فلسطين لأنّ أهل فلسطين والبلدان العربية جميعهم من الكفّار ولا يصلحون لنا » ٣٩.

فهذا الإعتراف نطق به لسان العهر والفجور عبد العزيز إبن سعود وأقرّ بشكل صلف ووقح بأنّه لم يكن سوى بيدقاً أخرجه الإنكليز من غمد البداوة الجاهلية يتقاذفونه على مسرح الخيانة ضد وحدة البلاد العربية وقضاياها.

ولهذه الغاية بدأ مشروع الضغط على الشريف حسين يسير على سكة المراحل الّتي وضعها الإستعمار البريطاني لعبد العزيز إبن سعود وقد بدأت الحملة الأولى بنشرة إعلامية دأبت على تلقين الحجازيين بكل براعة وإحكام دروساً في فضائل عبد العزيز ومناقبه وتضمنت الحملة الثانية توجيه حملة عسكرية تهدف إلى القضاء على قوة الشريف حسين العسكرية لإرغامه على الإذعان للإملاءات البريطانية ولأنّ السعوديين الوهابيين لا تنبض أقواسهم بغير المكر والخداع تحرّكت جيوشهم تحت جنح الظلام باتجاه معسكرات قوّات الحسين وانقضوا عليهم تفور في صدورهم مراجل الحقد وتفحّ في أعراقهم أفاعي الفتك والإبادة وقاموا بقطع رؤوس الجيش الحجازي بأسلحة بريطانية رسمت بفوهاتها مستقبل المنطقة العربية حتّى أسفر هذا الهجوم « عن مقتل عشرة آلاف من جنود الشريف البواسل الّذين كانت تخشاهم بريطانيا»٤٠.

وبعد جلاء هذه المذبحة السعودية – الوهابية أوقف الإنكليز الهجوم على الحجاز لإتاحة الفرصة أمام الشريف حسين وإعلان موافقته على الشروط البريطانية إلاّ أنّ الشريف حسين أكّد رفضه مجدداً لهذه الشروط قائلاً: « لا يمكن أن يذهب شبر من أرض فلسطين وإنّنا نحافظ على فلسطين محافظتنا على بيت الله الحرام ونريق في سبيل ذلك آخر نقطة من دمائنا»٤١.

وأمام هذا التعنّت الهاشمي دعا المعتمد البريطاني في الخليج برسي كوكس رجال المخابرات البريطانية إلى عقد مؤتمر عام في القاهرة للبحث في مستقبل الشريف حسين ومآل إمارة الحجاز وافتتح رئيس الحكومة البريطانية آنذاك ونستون تشرشل المؤتمر قائلاً: « مستحيل أن تجد بريطانيا من تستطيع أن تقوده أو تسوقه أو توقفه متى شاءت أو تحركه طوع إرادتها خلاف عبد العزيز إبن سعود، مهما كثر عملاء بريطانيا إنّه أخلص المخلصين لنا ولهذا يجب أن نقضي على الشريف حسين».

فردّ السيد برسي كوكس مؤكداً كلام تشرشل قائلاً: « إنّني أؤكد لكم أنّ إبن سعود أصلح لنا من الشريف حسين الّذي رفض الموافقة على وعد بلفور ولهذا نريد أن نرسل إبن سعود لتأديبه واستئصاله من الحجاز» وأخذ الإنكليز يعدّون العدّة ويجهزون الجيوش وبدأوا بالإغارة على تخوم الحجاز توجههم أوامر إلههم فيلبي أو أوامر عبد العزيز الّذي ينطق بإسم هذا الإله والّتي قضت بالذبح والقتل والنهب وأباح فيلبي للوحوش الوهابية أموال وأعراض الحجازيين وفي ليلة 25 شعبان من عام 1337ھ كانت نتيجة هذه الغزوة الوحشية مجزرة التربة الّتي قتل فيها ثلاثة آلاف من الأبرياء والآمنين.

وتابع جيش الوهابيين الزحف صوب الطائف حتّى أطبقوا عليها الحصار وراحوا يبطشون بأهلها ويعملون السيف في رقابهم وسيطروا على مراكز الشريف حسين حتّى انتهى كل شيء لهم لكنّهم لم يكتفوا بهذا بل هاجموا المنازل واعتدوا على أعراض النساء أمام أزواجهن وقطعوا رؤوس الرجال أمام نساءهم وأسروا من تبقى منهم وسجنوهم عراة تحت وهج الشمس بلا ماء ولا طعام، بهذه الروحية غزا الوهابيين الطائف وأشبعوا نهمهم إلى سفك الدماء وكانت القسوة والوحشية هي طابع هذه الوحوش الّذين اعتقدوا أبشع ما عرفت البشرية من عقائد يساعدهم في ذلك ربهم يهوه الإنكليزي إله الحقد والرعب والدّم فشريعتهم تقضي بالذبح والسحل والقتل والتدمير لأنّهم يعتبرون جميع شعوب الأرض دونهم وأعداء لهم وهم خلعوا على نبي الإسلام أبشع الصور وأقذرها حتّى يبيحوا لأنفسهم ولأتباعهم إرتكاب الفواحش بإسم الدّين والإستخفاف بالقيم والأخلاق في سبيل الوصول إلى غاياتهم، ولما لا وقدوتهم عبد العزيز إبن سعود فلا لوم على المغرر بهم أن يكونوا كذلك وكأنّهم أرادوا من هذه الجرائم المنكرة وتدوينها في أسفارهم ممهورة بتواقيع مقدّسة أن يحددوا للوهابي شخصيته ويرسموا له معالم الطريق المعبّدة بعبودية الجهل والضلال.

وأمام هول المجازر ووحشيتها أحسّ الشريف حسين بضرورة التنازل عن العرش حقناً للمزيد من سفك الدماء مقرّراً بشيء من الحكمة إيلاء العرش إلى إبنه علي وبهذا التنازل أتيحت للوهابيين فرصة الدخول إلى مكّة وانكفأ جيش الأشراف إلى جدّة الّتي تحوّلت إلى ساحة لآخر صولات المعارك وجولاتها وعبّروا بهذه المعارك عن ضراوة الحقد المستشري في صدورهم من خلال قطع الرؤوس بالنوارج والنواشير وأمام هذا الهجوم على مكّة وجدّة وعدم مراعاتهم لحرمة المقدسات إضطر الملك علي إلى التسليم لكنّه أراد أن يثبت للعالم كلّه أنّ وراء هذه المؤامرة هي بريطانيا فقام بتاريخ 16 كانون الأوّل 1925 م بتسليم مفتاح مدينة جدّة إلى المعتمد البريطاني في الخليج.

وهنا بدأت مرحلة جديدة من مراحل المصادقة السعودية على وعد بلفور وإيفاء الوعود الّتي قطعها آل سعود إلى الصهاينة والإنكليز مقابل حصولهم على عرش الحجاز.

هذه نماذج يسيرة من حروب الحقد والغدر الّتي حفل بها تاريخ آل سعود والّتي أتقن إخراجها الوهابيون بدقة في مسيرة حروبهم المقدّسة ضد شعوب الجزيرة العربية من نجد والإحساء إلى الحجاز وعسير، ولعلّ أهم دليل على صهيونية عبد العزيز إبن سعود ومثاليته في الصعلكة هو قيامه بالإعتداء على الحرم المكّي وتدمير الأضرحة والقباب المقدّسة والّتي أكّد فيها بأنّه يمثّل النموذج الّذي لا يكترث لما تعارف عليه النّاس في علاقاتهم من أعراف وأخلاق وقيم ولا يقيم شأناً لأصالة الحياة العربية القائمة على الحمية والوفاء والإحسان والشرف فهو ينقض بدون تورّع وينكث بدون خجل، وإذا كان عبد العزيز إبن سعود قد حظي بشرف المصادقة على وعد بلفور فإنّ أبنائه من بعده قد نالوا شرف التجذّر الصهيوني في فلسطين.


٣٨ – ناصر فرج، قيام العرش السعودي، ص 24.
٣٩ – محسن الأمين، كشف الإرتياب في أتباع محمّد إبن عبد الوهّاب، ص 423.
٤٠ – حمادة إمام، دور الأسرة السعودية في إقامة الدولة الإسرائيلية، ص 40.
٤١ – حمادة إمام، دور الأسرة السعودية في إقامة الدولة الإسرائيلية، ص 42.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى