رقطاء الرمال المتحركة: إخضاع حائل

إنّ جدلية العلاقة الإنتهازية بين عبد العزيز آل سعود وأساطين الإستعمار الإنكليزي لم يشوبها يوماً أي لبس أو غموض رغم دأب الأبواق الرسمية السعودية على تجاهل فعالية الدور البريطاني في نشأة وتأسيس الكيان السعودي، فهذه العلاقة إرتكزت دائماً على محورية الفكرة القائلة بأنّ عروش الطغاة في جزيرة العرب لا يعتمد وجودها إلاّ على ريع العمالة والتبعية ولا تستقر إلاّ بمثابة الحماية الإستعمارية الّتي تمنح هذه العروش صكوك الشرعية وتحجب عنها سحب العداء لها، لذا لم يفت عبد العزيز آل سعود ومن قبله أسلافه أنّ ثمن السيادة على جزيرة العرب لا يمكن أن يكون إلاّ وفق حسابات الإستعمار وتكتيكاته.

وفي الحقيقة فإنّ العرض الفضائحي والتآمري الّذي يرى بالمشروع السعودي نتاجاً عن المشروع البريطاني للمنطقة فله ما يبرره عند محاولة بناء رؤية خاصة عن ولادة ونشوء كيان آل سعود في سياق المرحلة التاريخية الّتي تزامنت مع ولادة الإستعمار كوريث للتركة العثمانية.

فالجزيرة العربية كانت داخلة ضمن استراتيجيات الإمبراطورية البريطانية للحفاظ على طريق الهند من جهة والسيطرة على موقعها المتميّز وثرواتها النفطية الهائلة من جهة أخرى رغم أنّ الإستعمار بعد اكتشاف النفط أولى وجوده الأهمية الفائقة باعتباره أحد ركائز الإقتصاد لديه وباعتباره الحقيقة الثابتة الّتي تقتحم حساباته الإستراتيجية وعلى هذا الأساس أولوا بالغ الأهمية لتثبيت حكم عبد العزيز وتدعيم نفوذه من أجل استمرار حكمهم ونفوذهم، ولذا اعتبر هذا الإستعمار أنّ حكم العائلة السعودية أصبح من الحقائق البديهية الّتي سلّمت بها مصالحه واستراتيجياته.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى وتضعضع السلطنة العثمانية أصبح للإمبراطورية البريطانية اليد الطولى في الخليج العربي بعد أن أحكمت سيطرتها على أغلب مشيخاته وكبّلتها باتفاقيات ثنائية أباحت لها تحويل هذه المشيخات إلى قواعد عسكرية من أجل تكريس سيطرتها عليها، ولكن بقيت بعض جيوب الجزيرة العربية خارج حظيرة الإستعمار البريطاني ومنها منطقة حائل الّتي يحكمها آل رشيد الّذين هزموا الجيش السعودي بقيادة الكابتن شكسبير وأردوه قتيلاً في معركة جراب عام 1915م وقد شكّلت هذه المنطقة سداً منيعاً أمام مشروع بريطانيا القاضي بقضم الجزيرة العربية وضمها إلى حظيرتها الإستعمارية، وهنا التقى طموح عبد العزيز ذو العقلية التوسعية والسلطة الإستبدادية مع أطماع الإنكليز بالسيطرة على كامل الجزيرة العربية وضمنها منطقة حائل الّتي كانت تؤرق آل سعود أباً عن جد.

وقامت المخابرات البريطانية بتعيين الضابط جون فيلبي خلفاً للكابتن شكسبير وتسليمه كامل المسؤولية للعمل بكل وسيلة تمكنه من الإشراف على سير الحركة الوهابية في مواجهة آل رشيد الّذين رأت فيهم بريطانيا ولاءً للسلطنة العثمانية فيما هم خصوم كل الحركات الإستعمارية الّتي تستهدف الجزيرة العربية.

وبناءً على تعيين فيلبي حملت بعثته مبالغ طائلة من الجنيهات الذهبية للبدء بتجنيد القبائل واستمالة المحاربين وقد عمد فيلبي بدهاءه الإستعماري إلى تكتيك جديد هو تقديم المغريات كوسيلة لتحريك الحساسيات والعصبيات الدينية والقبلية وهي السياسة الّتي ينتهجها اليوم أصنام فيلبي من ملوك وأمراء الدولة السعودية، وبدأ تجميع جيش فيلبي وأخذ أصحاب اللحى الطويلة المزيفة يزداد كل يوم والأموال الإنكليزية تدفع بلا حساب لرجال الدين الوهابيين الّذين لم يتوانوا عن إصدار الفتاوى الباطلة والوعود الكاذبة « بأنّ الجنّة مضمونة لكل من يقتل واحداً من أهل حائل الكفرة المشركين »٣٦.

فما دام هناك جنّة ولبن ورباب وحور عين وعسل وفي الدنيا ذهب وريالات وخيل ونساء فليقاتلوا في سبيلها….

ويقول أحد شيوخ القبائل ( الشيخ هذلول بن سحمى ) عن هذا الدجل الّذي أخذ يسري بعروق الوهابيين وينفخها بعقائد لفظتها ضواري الوحوش في كهوفها « لم نكن نعلم بادىء الأمر أنّ بريطانيا قد جاءت تعلمنا أمور ديننا مرسلة لنا بجون فيلبي وعبد العزيز آل سعود ولم ندرك هذه الخديعة إلاّ في وقتٍ متأخرٍ بعد فوات الأوان، وبعد أن انقسمت المدينة الواحدة والعشيرة الواحدة والعائلة الواحدة إلى أقسام عديدة وقام الأخ منّا يقتل أخاه وابنه وزوجته ثمّ يبيع كل ما يملكه أو يذبح إبله وأغنامه للتخلص منها وقد يتخلص حتّى من أقرب النّاس إليه ومن كل ما يعوقه في الدنيا عن طريق الآخرة وكنّا نندفع لرجال الدّين ولعبد العزيز آل سعود ونبدأ بقتال الأهل والأقارب بعد أن أوهمنا مشايخنا بأنّهم من الكفّار لمجرّد أنّهم لا يشاركوننا بهذا الجهل الّذي حسبناه علماً وديناً، بل وأخذنا نترك نساءنا وديعة لدى عبد العزيز آل سعود ليرعاهن بينما نذهب نحن للقتال بحثاً عن نساء في الجنّة وملذّات في الآخرة ومن لم يمت منّا ثمّ رجع إلى بلده فإنّه يجد عبد العزيز قد تمتع بنسائه في الدنيا وهو ذاهب يقاتل إخوته بحثاً عن نساء في الآخرة…. إنّ عبد العزيز آل سعود ألصق العار في وجوهنا»٣٧.

وبدأ الجند السعودي الوهابي يتحفّز لدخول حائل والخوف يلف قادتهم بعباءة الجبن الّتي ورثها عبد العزيز عن أبائه وأجداده، ولم يجرؤ فيلبي على المشاركة الفعليّة خوفاً من أن يلقى نفس مصير شكسبير بل إكتفى بالإشراف عن بعد،ثمّ استطاعوا بمعاونة بعض الخونة الحائليين الّذين أغواهم المال الإنكليزي وأضلّتهم الفتاوى المغرضة من الدخول إلى بعض القرى الحائلية عندما كان أهلها يؤمّون صلاة الصبح في مساجدها وليس في يدهم من سلاح سوى القرآن والدعاء وشرعوا بقتل كل رجالها وذبحوا أطفالها واستباحوا أعراض نسائها ولم يضلّوا عن طريق القتل العبثي حتّى انتهوا إلى إخضاع جبل شمر عام 1921 آخر القلاع الشامخة وسط الجزيرة العربية الّذي عصي لسنين طويلة على الغزاة الوهابيين.

وهنا وبكل ثقة يمكننا الجزم بأنّ هذا الإنتصار الأجوف الّذي حققه إبن سعود ما كان ليجد سبيله إلى الواقع لولا الدعم الإنكليزي مادياً وعسكرياً لأنّ الهدف البريطاني كان إخضاع آل رشيد لمشيئتهم وانتزاعهم من عبائتهم العربية فكان جلّ همهم كما عبّر كوكس صراحةً: « إنّ هدف بريطانيا من إبن رشيد إمّا بكسبه لجانبنا أو تدميره» ولمّا عجز البريطانيون عن إستمالة آل رشيد وقبائل شمّر سعوا جاهدين إلى التخلص منهم بشتّى الوسائل وخلق أعداء لهم على رأسهم آل سعود وإمدادهم بالهبات والأسلحة للقضاء على تلك الدولة الّتي أقلقت الإنجليز ومن حالفهم أعواماً عديدة وظهر ذلك جلياً في كتابات القائد البريطاني جون فيلبي الّذي رسم الخطط للإحاطة بآل رشيد وإخضاع حائل .

وهذا بعض ما ذكره في مذكراته وكتبه ومنها كتاب بعثة إلى نجد بحيث يقول في هذا الكتاب في الصفحة 46: « ومهما يكن فإنّ جهود البعثة الأولى كانت موجّهة إلى مهمة تكوين تقدير لقوة زعيمي وسط الجزيرة العربية من حيث الرجال والسلاح. أمّا بالنسبة لإبن سعود فقد علمنا أنّه إستلم منّا قبل إثني عشر شهراً أربعة مدافع جبليّة تركيّة وأربعة من طراز ماكسيم وثلاثة ألآف بندقية مع ما يلزمها من ذخيرة وأنّ أربعة من رجاله قد تدربوا في البصرة لتشغيل المدافع».

ويذكر فيلبي أيضاً في الصفحة 154 من كتابه بعثة إلى نجد « أنّ الهدف الرئيسي للبعثة في نجد أن تدفع إبن سعود إلى حملة ذات طبيعة هجومية نشطة ضد الأتراك وهذا يعني بكل المقاييس أنّها حملة ضد إبن رشيد هدفها الأكبر الإستيلاء على حائل »

ويتابع فيلبي حديثه قائلاً: « وقد يفترض أنّ الحكومة البريطانية ترغب أن يجبر إبن سعود على مجازفة كهذه وليس في حوزته إلاّ مصادر قليلة جداً، ولتفادي إحتمال كهذا ضم إلى البعثة ضابط بريطاني ».

وفي الصفحة 155 يتحدث فيلبي عن الأسلحة الّتي أمدتها بريطانيا لإبن سعود قبل إحتلاله حائل وإسقاط حكم آل رشيد ويقول: « وعلى أية حال فإنّ أوامر الحكومة كانت نهائية، ولعلمي بما عملته بالنسبة لمتاعب إبن سعود المالية أملّت أن أقوم بما أستطيع من خلال معالجة حكيمة في ضوء الحرية المالية المسموح بها لي ». وطبقاً لهذا إنطلقت في طريق عودتي إلى إبن سعود لأنقل أوامر الحكومة الّتي كما يأتي:

  • ١ – أنّ حكومة صاحب الجلالة كانت مسرورة أن توافق على أن تحول إليّ هدية مبلغ عشرة آلاف جنيه إسترليني الّتي قدمت قرضاً إلى إبن سعود عن طريقي قبل مغادرتي الرياض.
  • ٢ – أنّ حكومة صاحب الجلالة بينما هي غير قادرة على إمداد إبن سعود بالمدافع والأسلحة والمدربين عليها في المستوى المقترح فإنّها مسرورة أن تهديه ألف بندقية ومئة ألف طلقة من الذخائر.
  • ٣ – أنّ حكومة صاحب الجلالة مع اعترافها بأنّ عمليات

بالمقدار الّذي فكّر فيه أساساً مستحيلة فإنّها كانت تواقة إلى وجوب إبقاء إبن سعود ضغطه على شمر ومحافظته على حصار إقتصادي صارم، ولذلك فإنّها مستعدة أن تمدّه بمبلغ كبير من المال وتضاعف مساعدته الحالية البالغة خمسة ألآف جنيه إسترليني شهرياً في حال إستيلائه على حائل.

هذه الشهادة من فيلبي لا تزيدنا إلاّ قناعة بأنّ إخضاع حائل كان هدفاً بريطانياً وقوة هذا الإخضاع كانت قوة بريطانية وأنّ عبد العزيز كان لا يملك قبل عمالته للإنكليز سوى ذاك الجمل الّذي خرج به من الكويت وحتّى هذا الجمل كان جملاً مسناً أجرباً مصاباً بعرج في إحدى سيقانه ولكن إلتقاء المصالح البريطانية في شخص له من صفات العمالة أنصعها وأشدّها كانت كفيلة بأن يصير هذا الجمل يختاً.


٣٦ – ناصر آل سعيد، تاريخ آل سعود، ص 50.
٣٧ – ناصر السعيد، تاريخ آل سعود، ص 40.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى