رقطاء الرمال المتحركة: إخضاع القطيف والإحساء

لقد كانت بريطانيا ومنذ إخضاعها ممالك الخليج العربي وتكبيله بمعاهدات التبعية والحماية تتطلع إلى قلب الجزيرة العربية وساحلها وتستهدف السيطرة على الإحساء والقطيف اللّتان كانتا تحت السيطرة الفعلية للأتراك، فخشيت بريطانيا من تزايد مطامع العثمانيين ومن خلفهم الألمان والإتخاذ من هذه المناطق قاعدة إنطلاق للإنقضاض على مصالحها في الخليج العربي، لذلك وجدت في عبد العزيز آل سعود ضالتها المنشودة ووسيلتها لإخضاع الإقليم الإحسائي دون الدخول في صراع مكشوف مع الأتراك وقد استثمرت بريطانيا الظروف التركية وإنشغالها في حرب البلقان عام 1912م حينما زحف الصرب إلى سالونيك والبلغار إلى الأستانة وانتهزت الفرصة المناسبة للإصطياد في حراجة الموقف التركي فدفعت بعبدها عبد العزيز معزّزاً بفتاوى وهابية وأسلحة بريطانية متطورة إلى الزحف نحو القطيف والإحساء وبعد صولات وجولات من المعارك الدامية إستطاع عبد العزيز إخضاعها عام 1913م.

وفرحاً بهذا النصر أرسل عبد العزيز رسالة إلى بريطانيا جاء فيها: « بالنظر إلى مشاعري الوديّة اتجاهكم أودّ أن تكون علاقتي معكم كالعلاقات الّتي بينكم وبين أسلافي » ٢٨.

وعقب هذه الرسالة كتب برسي كوكس المعتمد البريطاني في الخليج العربي تقريراً إلى رئاسته جاء فيه : « إنّ تجاهل محاولات الأمير عبد العزيز المتكررة سوف تحوّل نظرته إلى نظرة عدائيّة تجاه إنكلترا ».

وأمّا اتساع النفوذ التركي في منطقة الجزيرة العربيّة والتقارب الألماني التركي وتقارير المخابرات البريطانيّة كل هذه العوامل مجتمعة دفعت بريطانيا إلى الدفع بعبد العزيز على احتلال القطيف والإحساء تلاها توقيع اتفاقية بين الجانبين في أذار 1914م جاء فيها:

  • أ – تقوم بريطانيا بالمحافظة على الخليج ومنع التعدّي على الأمير عبد العزيز ( وهذا ما تقوم به الآن الإمبريالية الأميركية في دعم بقاء أنظمة الإستبداد العربي ومنها آل سعود).
  • ب – يعاد النظر في فرص أخرى في مسألة إدخال الأسلحة ( اليوم السعودية هي من أكبر مستوردي السلاح الأميركي في المنطقة بعد إسرائيل ) .
  • ج – يحافظ الأمير عبد العزيز على الرعايا الإنكليز وتجارتهم في الخليج . بموجب هذا الإتفاق تعهّد إبن سعود باستكمال السيطرة على كامل الجزيرة العربية حماية للمصالح البريطانية.

وقد أكدّت الوثائق المحفوظة في دار الوثائق البريطانيّة أنّ بريطانيا هي الّتي طلبت من عبد العزيز إبن سعود إحتلال الإحساء حيث ورد في المجلّد رقم 2139 ما نصّه « وردت إلى لندن برقية من نائب الملك في الهند يطلب فيها من إبن سعود تعاونه في طرد الأتراك من البصرة لتسيطر عليها حكومة الهند سلمياً وطرد الأتراك من الإحساء والقطيف وفي مقابل ذلك معاهدة يعترف فيها باستقلاله حاكماً على نجد والإحساء »٢٩.

وقد عبّر جون فيلبي ( صانع العرش السعودي ) صراحةً عن انتداب بريطانيا عبد العزيز إبن سعود وكيلاً لها من أجل إخضاع القطيف والإحساء بقوله:

« إنّ الإحساء هي أهم منطقة يجب الإستيلاء عليها وإخراج الأتراك منها ليسهل إتصال الإنكليز بحراً وبراً وجواً بعبد العزيز في الرياض وإمداده والإحتفاظ بهذه المنطقة الإستراتيجيّة الثمينة الّتي تربط الخليج بالبحر الأحمر وتربط ما كان يسمّى بالمحميات في الجنوب بنجد والحجاز والجوف… إنّها مهمّة جداً… لكن لا بد من تمهيد إنكليزي للإستيلاء عليها»٣٠.


٢٨ – ناصر فرج، قيام العرش السعودي، ص 22.
٢٩ – ناصر فرج، قيام العرش السعودي، ص 20.
٣٠ – ناصر سعيد، تاريخ آل سعود، ص 96.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى