رقطاء الرمال المتحركة: إتفاقية دارين

بعد أن طفقت خابية الإستعمار البريطاني بماء العمالة السعودية إلتمس القادة الإنكليز ضرورة تكبيل أمير الرياض عبد العزيز آل سعود بمعاهدة رسمية تضمن بقائه في الفلك البريطاني وتثبت حقوقاً لهم ونفوذاً في جزيرة العرب بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، فكانت معاهدة دارين الّتي أبرمها عبد العزيز آل سعود مع بريطانيا بتاريخ 26 ايلول 1915م من المعاهدات التأسيسية الّتي أرست مبدأ الحماية مقابل الإرتباط بالمصالح الحيوية لبريطانيا في مرحلة أولى وللولايات المتحدّة الأميركية في مرحلة لاحقة.

وفي هذا الإطار أُعطيت التعليمات البريطانية للسير برسي كوكس بعقد معاهدة مع إبن سعود تحدّد بنودها إلتزامات الطرفين وتبدّد مخاوف إبن سعود في منع أي إنتقام تركي منه لأنّ كراهية الترك له هي عقدته الّتي لا يزيلها إلاّ ضمانة الحماية البريطانية والّتي إن حصل عليها سيعبىء كل قواه ونفوذه الضخم إلى جانب بريطانيا في الحرب والسلم كما وعدها والتزم معها بأن تتكّل عليه في مواجهة آل رشيد في حائل الّذين أعاقوا تحركات الإمدادات البريطانية اتّجاه العراق.

وبناءً على رغبة الطرفين الملحّة وقّعت معاهدة دارين بين عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وبين الحكومة البريطانية ممثلة بالسير برسي كوكس وتضمنت البنود التالية:

  • البند الأوّل: تعترف الحكومة البريطانية وتقر أنّ نجد والإحساء والقطيف والجبيل وتوابعها هي بلاد إبن سعود وآبائه من قبل وبهذا يعترف بإبن سعود حاكماً عليها مستقلاً ورئيساً مطلقاً على قبائلها وأبنائها.
  • البند الثاني: إذا حدث إعتداء من قبل إحدى الدّول الأجنبية على أراضي الأقطار التابعة لإبن سعود وخلفائه بدون مراجعة الحكومة البريطانية وبدون إعطائها الفرصة للمخابرة مع إبن سعود وتسوية المسألة فالحكومة البريطانية تعاون إبن سعود بعد إستشارته إلى ذلك القدر وعلى تلك الصورة الّذين تعتبرهما الحكومة البريطانية فعّالتين لحماية بلدانه ومصالحه.
  • البند الثالث: يتفق إبن سعود وبعد أن يتحاشى الدخول في مراسلة أو وفاق مع أية دولة أجنبية بأن يبلّغ حالاً إلى معتمدي السياسة من قبل الحكومة البريطانية عن كل محاولة من قبل أية دولة أخرى في أن تتدخل في الأقطار المذكورة سابقاً.
  • البند الرابع: يتعهّد إبن سعود بأن لا يسلّم ولا يبيع ولا يرهن ولا يؤجر الأقطار المذكورة ولا قسماً منها ولا يتنازل عنها بطريقة ما ولا يمنح امتيازاً ضمن هذه الأقطار لدولة أجنبية أو لرعايا دولة أجنبية بدون رضى الحكومة البريطانية وبأن يتبع مشورتها دائماً وبدون استثناء على شرط أن لا يكون ذلك مجحفاً بمصالحه الخاصة.

مناقشة الإتفاقية

إعترفت بريطانيا في البند الأوّل بسيطرة إبن سعود على نجد والإحساء والقطيف والجبيل وتوابعها والّتي اعتبرتها بموجب بنود الإتفاقية بلاد إبن سعود وآبائه من قبل.

في حقيقة الأمر إنّ هذه البلاد لم تكن في يوم من الأيام تابعة لآل سعود أو تحت سيطرتهم فهذه العائلة جاءت إلى الجزيرة العربية على طريقة الغزاة واندسّت في الإسلام زوراً وبهتاناً وحتّى لو قبلنا بأنّ أصل هذه العائلة من القطيف كما قال بعض المؤرخين المأجورين فإنّها لم تكن عائلة معروفة أو لها أي وزن في التاريخ القبلي للجزيرة العربيّة كما لبقية القبائل.

ولكن هذا الرياء البريطاني يراد منه حقيقةً أنّ هذه المناطق المذكورة أصبحت تحت سيطرة أحد أذنابها وبالتالي تحت سيطرتها.

وجاء أيضاً في البند الأوّل تعبير حاكماً مستقلاً وفي هذا التعبير مجانبة واضحة للحقيقة والواقع فهذا العبد العزيز لم يكن يوماً مستقلاً هو أو أبناؤه الّذين ورثوا الحكم من بعده لا من حيث الحركة الظاهرية الّتي يعيشها هؤلاء ولا من حيث الوثائق البريطانية الّتي تؤكد أن قبل إكتشاف النفط كان إبن سعود يتقاضى راتباً شهرياً من قبل المكتب الهندي التابع للمخابرات البريطانية فكيف يكون مستقلاً وهوموظف مدفوع الأجر. ولكن بريطانيا أرادته حاكماً مستقلاً على القبائل دون الأرض من أجل ترويضها للقبول بسياسة بريطانيا والتحوّل من الولاء للدولة العثمانية إلى بريطانيا.

أمّا البند الثاني فهو يبرز لنا أمرين:

  • الأمر الأوّل: إنّه تأكيد على أنّ المناطق الّتي يسيطر عليها إبن سعود هي محمية بريطانية لا يجوز الإعتداء عليها من أي طرف خارجي.
  • أمّا الأمر الثاني فهو إفهام إبن سعود بأنّ أي خلل في العلاقة مع بريطانيا فإنّها ستسمح لطرف خارجي بالتعرض له وهو أحد مبادىء السياسة البريطانية مع عملائها.

أمّا البند الثالث من الإتفاقية فيوجز لنا بصورة جليّة إنّ آل سعود ما هم إلاّ موظفون مأجورون لدى السلطات البريطانية فلا يجوز لهم التصرف بأي أمر بإستقلالية إلاّ عن طريق الوكلاء البريطانيين في المنطقة لأنّ المناطق الّتي يسيطر عليها آل سعود هي أراضي خاضعة للنفوذ البريطاني.

أمّا البند الرابع من الإتفاقية فكان صريحاً في تأكيده على البند الثالث بأن لا يجوز لإبن سعود التصرف بمملكته بأي شكل من الأشكال وهذا يشمل طبعاً إمتيازات التنقيب عن النفط في مرحلة لاحقة.

أصبحت هذه الإتفاقية هي الأساس الّذي تحرّكت بموجبه بريطانيا في المنطقة والإدارة الأميركية من بعدها في إستغلال ثرواتها والسيطرة على قرارها ولم تقتصر تداعيات إتفاقية دارين على المستويين السياسي والإقتصادي بل تجاوزتها إلى الصعيد الإجتماعي بحيث تمّ خلق ولاءات إجتماعية جديدة وتمّ تهميش البنى الإجتماعية الّتي رفضت الخضوع للإستعمار والتسليم بمعاهداته وتمّ ربط مكونات المجتمع وبخاصة القبيلة العربية الّتي هي المكون الرئيسي لمجتمعات الجزيرة العربية بالشيوخ الّذين أزعنوا لشروط الإستعمار فلم تعد القبيلة هي الّتي تختار زعمائها وفق تقاليدها العربية الأصيلة الّتي لا يسود فيها إلاّ من توفّرت فيه صفات السيادة والزعامة بل صارت السياسة هي الّتي تصطفي للقبيلة زعمائها وتتعامل معها من خلالهم وهو ما أفرز ولأوّل مرّة في تاريخ المجتمع القبلي واقعاً إجتماعياً جديداً يسود فيه الضعفاء المتملقون للسلطة ويهمش فيه السادة والأشراف حتّى اختلّت بهذه السياسة كل الموازين والأصول الّتي حافظت على مجتمع القبيلة وأصالته، ومن هذا الباب دخلت قبيلة آل سعود المردخائية حظيرة الإرادة الأجنبية وأضحت الجزيرة العربية برمّتها أسيرة تحالف الإستبداد السعودي والإستعمار البريطاني وبعده الأميركي.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى