حين يتكلم “الحرُّ”…

أول ما يتبادر للذهن عند الحديث عن الشهيد أبي علي الحر: من أنا لأتحدث عنه؟! كيف لعبد مازال سجين الدنيا أن يتحدث عن حرٍّ في الجنان؟

هو الشهيد حسام محمد علي -أبو علي الحر- من بلدة يحمر البقاعية. ثائر أمضى أكثر عقود عمره الأربع طائرًا مهاجرًا في ساحات الجهاد. تدرّج في مدرسة حزب الله مقاومًا يطلب رفع الظلم عن أهله والضيم عن تراب وطنه. هو الذي علّم الشباب أنّ “لا إله إلا الله” هي العدل للإنسانية والأمل للمستضعفين. فتراه يقتحم مواقع الإحتلال في الجنوب المحتل ويزرع العبوات لقوافل الصهاينة، حتى إذا أقبلت رايات التحرير كان له الدور البارز في باكورة انتصارت أيار 2000: عملية تحرير موقع عرمتى.

بعد حرب تموز 2006 غدا قائدًا في محاور المقاومة ومعلمًا لجيل يرى إليه أنموذجًا ومثالًا يحتذى. يعدّ الشباب المؤمن للمواجهة القادمة. أبرز ما كان يميز شخصية الشهيد، زهده في الدنيا وعرفانه وعبادتهن إلى جانب عقله العسكري المبدع وخبرته الطويلة. ولذا، لم يكن مستغربًا أن تسند له قيادة المقاومة مهمة الإشراف على جبهة هامة كعيتا الشعب، المحاذية لفلسطين المحتلة.

والطريف في الأمر أن أبا علي لم يكن قائدًا عسكريًا في عيتا الشعب فحسب، بل وجهًا اجتماعيًا ومصلحًا خيرًّا وشخصية محببة لكل أبناء البلدة. يحرص على زيارتهم جميعًا، وما إن يعلم باثنين اختصما في أمر، حتى يسارع للتوفيق بينهما. ومهما تعقدت المشاكل فإنه كان دائمًا ما يجد لها الحلول. والسر – كما يقول العارفون- في رحابة صدره وتواضعه الكبير وحبه للخير.

لم تكن حرب الدفاع المقدس التي فرضت على المقاومة غائبة عن بال الشهيد القائد، رغم إنشغاله بالجبهة الجنوبية. ألحّ أبو علي على قيادة المقاومة مرارًا وتكرارًا أن يشارك في الدفاع عن المقدسات والوطن، لكنّ رد القيادة كان دومًا بأن لا حاجة لمشاركة قائد مثله، لا سيما وأن مواضع الاشتباك محدودة. إلا أن طائر الجهاد لم يحتمل البقاء خارج فضاءات القتال، وهو يرى كثيرين من رفاق الدرب، قد سلكوا إلى عقيلة الهاشميين (ع)، يرومون تلبية التكليف بصد هجمات التكفيريين.

يذكر المقاومون الذين عرفوا الشهيد، وكانوا ضمن مجموعته حين التقوا به بعد عودتهم من معركة القصير البطولية، كيف استقبلهم أبو علي الحر استقبال الفاتحين، وقد خاطبهم، وفيهم من لا يصل إلى نصف عمره:”أنتم القادة وأنتم الأبطال ونحن اليوم لا شيء أمامكم”!. هذا التواضع وهذه الروحية لا يملكها إلا رجل زاهد، مصداق للمجاهد الحقيقي.

ضاقت الدنيا بأبي علي. اختار أن يسجل وصيته المرئية عند خلة وردة في خراج عيتا الشعب، عند الحدود اللبنانية – الفلسطينية، حيث كان مرابطًا طيلة سنين خلت. أوصى المقاومين بالتمسك بفلسطين والقدس، لأنها قلب القضية، كما قال الإمام الخميني (قده). أوصاهم بالإعداد المتواصل ليوم تحريرها، وذكّرهم بضرورة إخلاص العمل لله وحده، فالجهاد عند أبي علي الحر ” هو حبًا بالله لا طمعًا بجنة ولا خوفًا من نار”. ثم مال إلى صاحب العصر والزمان بعيون دامعة، يرثي لحاله لأنه لم يستشهد حتى الساعة.

لم يهدأ أبو علي،  وبعد إلحاح شديد متكرر، أذنت قيادة المقاومة لحسامها بالذود عن المقدسات، فكان أشوق ما يكون لمشاركة إخوانه في المعارك المباركة. جاء أوان المهمة الجهادية الأخيرة: تسلل الحرّ ومعه مقاوم آخر، بجرأة بالغة، مسافة كبيرة في عمق مناطق العدو التكفيري، مستطلعًا لكي يزرع مجموعة من العبوات، إلا أنهما اشتبكا مع عدد كبير من التكفيريين حتى استشهدا، وأسر جثمان أبو علي. كأنه أراد أن يواسي شهداء كربلاء في كل شيء، ويزداد كرامة فوق كرامة.

تمكنت المقاومة من استعادة جثمانه الطاهر، وهي التي ما تركت حذاء مقاوم يومًا بيد الأعداء. نال الحرّ ما قد صبا إليه من كرامة الجهاد وكرامة الشهادة. كأنه على موعد مع سبقه رفيق دربه ومعاونه في العمل الجهادي، الشهيد حسام نسر (ألحاج أمين). ولحسام قصة أخرى… عساه يسعفنا حظ وهمة لنشرها قريبًا.

بواسطة
محمد سرور
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى