حين اشتبك كيري ولافروف بالأيدي…

نبيه البرجي-

الاثنان في منتصف الطريق بين الموت والموت، فلماذا لا يكونان في منتصف الطريق بين الحياة والحياة؟
النظام اعترف علناً بأنه لا يستطيع ان يحسم ميدانياً.

المعارضة لا تزال تراهن على اجتثاث النظام عسكرياً، ليس لانها واثقة من تحقيق ذلك، وانما لسببين آخرين، الاول كونها تدار بالخيوط من قبل العرابين الدوليين والاقليميين لاوديسه الخراب في سوريا، والثاني لانها تدرك ان مجرد موافقتها على الحوار، وبالتالي الدنو ولو من نصف السلطة، يعني انها ستتناثر، فالكل يعرف كيف وضع ذلك الكوكتيل العجيب في قمقم واحد، وكيف تم ضبط العلاقات داخلها والى حد التهديد بقطع الارزاق..

حتى عبد الحليم خدام، وكان احد بارونات الفساد والاستئثار والتنكيل والزبائنية في النظام، ولم ينشق عنه الا بعدما تحوّل الى جثة هامدة (وقد زرناه ورأيناه في اي حال) رفض الحوار إلا على قبر بشار الاسد. قبر بشار الاسد ام قبر سوريا؟

الآن، لا بد من القفاز الحديدي لا القفاز الحريري في وجه هؤلاء، فأين هي الدولة في سوريا واين هو الدور في سوريا التي ستواجه عقوداً من البؤس والشقاء والمعاناة لاعادة اعمار ما تهدم، بما في ذلك الاعمار الانساني بطبيعة الحال، لكي تقول المعارضة بتشكيلها الفولكلوري ما تقوله، فالحوار إن حصل ليس من اجل السلطة التي تسعى اليها المعارضة او يسعى اليها النظام، وانما من اجل سوريا.

اجل، اذا كان هناك من عنوان للحوار، فهو العنوان الوحيد «سوريا» التي هي اكبر بكثير من السلطة، واكبر بكثير من اهل السلطة كما من اهل المعارضة، وترانا ندرك ماذا يعني تفكيك سوريا او تفتيتها، وهو ما يتشكل منهجياً على الارض. لمن يريد ان يعرف اكثر فليعد الى محادثات مارك سايكس وجورج بيكو، والى حديث الثريات في قصر فرساي عام 1919، كما الى الخارطة التي وضعها بطل المارن الجنرال هنري غورو الذي عندما اعلن « دولة لبنان الكبير» كان يعلن ضمناً « دولة سوريا الصغرى».

نسأل: لماذا يريد العرب تقويض سوريا؟ خلفيات السؤال يدركها اولئك الذين تابعوا كيف تعاطت شاشات كبرى وصحف كبرى (كبرى لناحية الملاءة المالية). مع ما تم الاتفاق عليه في موسكو بين جون كيري وسيرغي لافروف. بالفعل كان التعاطي مثيراً للدهشة. احدى هذه الصحف اغفلت كل ما يتعلق بالمؤتمر الدولي، وبالحوار بين النظام والمعارضة الى ما هنالك من اشارات بناءة حول ما جرى في اللقاء، فيما تجاهلت شاشة كبرى في موجز الاخبار المؤتمر الصحافي للوزيرين الاميركي والروسي، ليتضح ان ثمة جهة عربية تريد رأس النظام فيما الذي يترنح هو رأس الدولة.

الصحيفة التي تحدثت عن خلافات بين كيري ولافروف اغفلت شيئاً هاماً وهو انها لم تقل ان الاثنين اشتبكا بالايدي، وان استنفاراً اعلن في الاساطيل الاميركية والروسية. ولقد تأكد ان احمد داود اوغلو الذي يواجه الخيبة تلو الخيبة سارع الى الاتصال بالعديد من العواصم العربية ليبلغها بأنه لا معنى البتة لما حدث في موسكو، وان على هذه العواصم ان تنتظر زيارة رجب طيب اردوغان الذي سيقول للرئيس اوباما، وبصوت عال، ان الحوار يحصل بعد زوال النظام وليس وهو يقاتل ويقتل…

وبغض النظر ما اذا كان هذا النظام على حق ام لا، فإن مجرد صموده لمدة عامين، فيما كل حدوده مشرعة امام شذاذ الآفاق، يعني ان ثمة حيثية شعبية له، فهل يريد المعارضون قطع آلاف وربما ملايين الروؤس لكي يجلسوا، كما عبد الحليم خدام، على القبور ليفاوضوا. يفاوضون من؟ ومن تراه يعرف من هي المعارضة ومن هم قادتها الا اذا كانوا من طراز جورج صبرا وغسان هيتو وعبد الباسط سيدا، ناهيك بهيثم الملاح الذي اذ يتهم اهل النظام بمصاصي الدماء، فإن وجهه، وحين يتكلم، لا يختلف البتة عن وجوه مصاصي الدماء.

اذاً، اردوغان الى البيت الابيض كي يخرج باراك اوباما من اشداق فلاديمير بوتين.. تابعوا ما يكتب على الشبكة العنكبوتية، ولاحظوا كيف ان النير العثماني كان من الياسمين الدمشقي، وان مشانق جمال باشا السفاح انما صنعت من قصائد نزار قباني، حتى ان احد اعضاء الائتلاف الوطني كاد يقول، في دفاعه عن اسطنبول، كما لو ان العرب هم من احتلوا السلطنة العثمانية، وهم من دفعوا بها، وعلى مدى اربعة قرون، الى خارج الزمن. كلام هذا العضو الذي نشر في صحيفة عربية يتقاطع مع غلاة العقل الطوراني في انقرة والذين ينظرون الى العرب على انهم حثالة تاريخية تواطأت مع الانكليز لتقويض السلطنة…

نسمع من سفير اوروبي كلاما لا نسمعه من عرب التوتسي والهوتو، فهو يعتبر ان ما حدث في موسكو ينبغي ان يكون اللحظة التأسيسية لاخراج سوريا من جهنم، فالنظام لم يعد النظام والمعارضة لم تعد المعارضة، بل اننا امام ذلك الوباء الذي يفتك بالجميع والذي اذا ماتواصل القتال فسيدفع بنحو اربعة ملايين سوري الى النزوح. النزوح الى اين اذا كان لبنان مهدداً بالضياع، واذا كان الاردن لا يدري ما يخبئه اليوم التالي، واذا كان العراق على قاب قوسين او ادنى من الانفجار؟

يذهب رجب طيب اردوغان الى واشنطن ليقول للاميركيين اذا ما سقطت سوريا سقطت روسيا، فهل يدري الرجل اي مأزق تواجهه واشنطن التي قالت توني موريسون ان لعنة «الاله الابيض» تلاحقها الى الابد. والطريف ان ثمة نائباً لبنانياً، ومثقفا ايضا(اين الغرابة؟!) وصف بوتين بالقيصر، واعتبر النظام في روسيا نظاماً ديكتاتورياً، باعتبار ان النظام في اميركا يوزع الديمقراطية، في افغانستان والعراق والصومال وفلسطين (اجل فلسطين) بزجاجات الكوكا كولا او بأطباق الهوت دوغ…

كم نبدو في هذه الآونة بالذات اطباقاً بشرية من الهوت دوغ.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى