حيدر شمس: صانع سجون طائر الحجل

منذ أكثر من خمسين عاماً وحيدر شمس ابن مدينة الهرمل يصنع أقفاصاً لطير الحجل. حرفة أتقنها ببراعة منذ نعومة أظفاره، واعتمدها مصدر رزق له ولعائلته، ليبقى حتى اليوم محجّة للحجّالين من سائر قرى البقاع

 

يدرك الحجّالون (مربّو طائر الحجل) في البقاع جيداً أهمية المهنة التي يتقنها حيدر علي شمس. بالنسبة إليهم لن يتمكنوا بدونه من الاحتفاظ بصيدهم الثمين من طيور الحجل، ومن إرضاء شغفهم وعشقهم بتربيتها في منازلهم. فالرجل الذي ناهز السبعين من العمر، ما زال حتى اليوم يتقن، بأنامله التي لم تنل السنون من براعتها ودقتها، كيف «يطوّع» أغصان الرمّان والميس والسنديان، ليصنع منها أقفاصاً لتربية طيور الحجل.

بين حنايا حي البيادر القديم في مدينة الهرمل ودروبه، يسكن أبو عيسى وعائلته في أحد المنازل الترابية. اقتطع للمهنة التي «يسترزق منها» غرفة تحتضنه مع «العدّة القديمة اللي صار إلها عمر»، وإلى جانبه تستريح أربعة حجال، تسترقّ بين الفينة والأخرى نظرة تجاه صانع سجونها. يوغل الرجل بعينيه الصغيرتين في ذاكرة الأيام والمهنة، فيستعيد صورة ذلك اليوم الذي أهداه فيه صديقه حجلاً من دون قفص. لم يكن الفتى حينها قد أتم الخامسة عشرة عاماً، ولم يكن يملك ثمن شراء ذلك القفص، لكنه اتخذ لاحقاً قراره بصناعة القفص بنفسه، وهو ما أثار بعد الانتهاء منه دهشة من كان يتقن تلك الحرفة، «مع إنو بعض العيدان كانت نافرة منه ومتشابكة»، يقول ضاحكاً.

هكذا اكتشف أبو عيسى موهبته في صناعة أقفاص الحجل، ليبدأ من بعدها بتصنيعها وبيعها للحجالين في البقاع، واعتماد تلك المهنة مصدر رزق له منذ أكثر من خمسة عقود. مقومات حرفة الرجل في صناعة أقفاص الحجل كانت تقتصر قديماً على قضبان القصب (الخيزران)، الذي كان يقصد العاصمة بيروت من أجل شرائه وتوفيره، لكنه يشير إلى أن «ندرة القصب وارتفاع ثمنه ومشقة المشوار من الهرمل إلى بيروت»، دفعته إلى الاعتماد على أغصان شجر الرمان والميس والسنديان، الموجودة بوفرة خلف منزله في حي البيادر، وعلى ضفاف مجرى نهر العاصي.

لا ينتقي شمس القضبان بطريقة عشوائية، بل يسعى كل فترة إلى التجوال في أماكن وجود تلك الأشجار لاختيار ما يتناسب وطلبه، إذ يحتاج كل قفص إلى كمية من الأغصان. فالصغير، كما يؤكد، يحتاج إلى ما يقارب أربعين قضيباً، أما الكبير فحوالى ثمانين غصناً. كذلك فإن عملية الاختيار دقيقة، إذ يجب أن تكون متوازية السماكة بحسب رأيه. بعدها، ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي تقشيرها بشفرته الحادة بكثير من الدراية والعناية، ومن ثم نقعها في الماء لفترات مختلفة تتراوح بين يوم أو يومين، وبحسب طراوة كل غصن وليونته، «فاليابسة تحتاج إلى وقت أطول في الماء حتى يصبح بالإمكان تدويرها لصناعة الأجزاء السفلية والمتوسطة في الأقفاص الدائرية على اختلاف أحجامها، وحتى سقفها المنحني. ويحتاج قفص الحجل بعد يوم عمل كامل إلى المقبض الحامل للقفص، وهو عبارة عن قبضة تنك الزيت التالف».

هذا العمل جعل من منزل أبو عيسى محجّة لزبائنه الحجالين من مختلف قرى الهرمل، إضافة إلى القرى القريبة منها، مثل اللبوة وجبولة وزبود وشعث وغيرها. يقصدونه لشراء أقفاصه المتينة والمتنوعة الأشكال. بدوره، لا يزال الرجل يقصد مدينة بعلبك في موعد محدّد كل أسبوع، ليعرض أقفاصه ويبيعها بأسعار تتراوح بين 25 و30 ألف ليرة، «لأن الحياة بدك تسعى فيها حتى توصل للقمتك، ولحد اليوم في زبائن ينتظرونني في بعلبك لشراء أقفاصي».

لكن على الرغم من رضاه عن استمراريته في مزاولته لمهنة تصنيع أقفاص الحجل حتى اليوم، لا ينفك أبو عيسى يبدي أسفه لكون المهنة «رح تموت بموتي، لأن أيّاً من أولادي لم يتعلمها» كما يؤكد، وهو الأمر نفسه بالنسبة إلى المنطقة التي خلت من الأشخاص الذين يتقنون تصنيع الأقفاص الخاصة بالطيور على اختلافها، «بعدين بصير الحجالي بيشتروا أقفاص من الصناعة الصينية»، يقول ساخراً مع استياء واضح.

كفاءة أبو عيسى، ابن مدينة الهرمل، لا تقتصر على تصنيع أقفاص الحجل بأنواعها المختلفة، بل تمتد لتشمل تصليح وحفر خشب أسلحة الصيد على اختلافها، من «بواريد مفردية» (البندقية التي تحتاج إلى التلقيم مع كل طلقة)، والجفت والبنادق الأتوماتيكية، فضلاً عن تصنيع الربابة التراثية من خشب وقطع بلاستيكية وشعر الخيل. ليس هذا وحسب، بل يطلق الرجل السبعيني العنان لها لعزف حزين، ترافقه أبيات من العتابا التراثية التي ترحب بالضيوف، «من وين ما هلّوا».

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى