حوار خاص مع الباحث السياسي و الخبير الاستراتيجي الدكتور أحمد الدرزي

مقدمة .. ضمن إطار الحسابات الضيقة و المخاوف المفتعلة، يحاول محور العدوان على سوريا عرقلة الجهود الرامية لتفعيل خارطة طريق للبدء بالحل السياسي في سوريا ، و إذا ما بقيت السياسية الغربية في سوريا تعتمد مبدأ المناورة و الالتفاف على الاتفاقيات و التفاهمات الدولية، فلا شك بأن الشرق السوري سيشهد جولات عسكرية تكون خواتيمها بيد الجيش السوري و حلفاؤه، فـ التوازنات الميدانية التي حققها الجيش السوري، لم تعد من الصعوبة فهمهما، حتى أن الأطراف الدولية اللاعبة في الميدان السوري، اعترفت و في أكثر من مناسبة بحسم محور المقاومة و عموده الفقري سوريا ، لنتائج الميدان السوري و معادلاته، و للإضاءة على تطورات الشأن السوري بجوانبه السياسية و العسكرية و الاقتصادية، كان لنا حوار مع الباحث السياسي و الخبير الاستراتيجي الدكتور أحمد الدرزي.

أولاً – تعقيدات المشهد السوري تُرخي بظلالها على مسار الحل السياسي المرتقب، هذه التعقيدات مرتبطة إلى حد بعيد بالأجندات الإقليمية و الدولية لـ محور واشنطن، و بالتالي من الممكن أن تحمل الأيام القادمة تصعيد أمريكي في سوريا و الإقليم، و ذلك من أجل إعادة ترتيب المشهد في الشرق الأوسط، برأيكم .. ما هي السيناريوهات المتوقعة من قبل واشنطن و أدواتها الإقليمية بُغية حرف المسار السياسي و العسكري في سوريا ، و هل سنشهد تصعيداً سياسياً تُجاه سوريا انطلاقاً من النتائج الميدانية المُحققة سورياً.

الدرزي : للوصول لحالة تنبؤيه أقرب للواقع، ومن خلالها يُمكن رسم السياسات الممكنة لمحور الحرب على سورية، وما يقابلها من سياسات للمحور المدافع عن سورية، لابد من وضع صورة متكاملة لكلا المحورين، الذين يتصفان بعد التدقيق بسياساتهما، بأنهما ليسا محورين مصمتين، فالمحور الذي تقوده واشنطن يحمل تباينات واضحة بين القوى المُشكلة له، بحكم اختلاف الأطماع والمصالح والهواجس، بين الولايات المتحدة من جهة وبين كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وينتقل هذا التباين على المستوى الإقليمي إلى كل من المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى تركيا التي تتنازعها أحلام السيطرة وهواجس التفكيك و كذلك الأمر بالنسبة لقطر التي انتقلت من أحلام الريادة والقيادة إلى حالة القلق من الحصار والابتلاع السعودي لها .

كذلك الأمر بالنسبة للمحور المدافع عن سورية فإن هناك تباين وافتراق ببعض المسائل، رغم الاشتراك بالحرب على الإرهاب، وأكثر ما يظهر هذا الأمر هو الاختلاف بين دمشق وطهران مع روسيا حول الملف الإسرائيلي، وحول ملف العلاقات العربية التي تسعى إليه روسيا بقوة، ولغايات تتعلق بتصوراتها الأوراسية لملء الفراغ الذي من المتوقع أن يتشكل نتيجة تقلص الدور الأمريكي في هذا الإقليم، وفِي غرب آسيا بالعموم.

من هنا ونتيجةً للفشل العسكري في إسقاط الدولة السورية فإن الولايات المتحدة ستعمل جاهدةً على مجموعة من المحاور:

المحور السياسي: حيث ستعمل على مستويين، داخلي وخارجي

الداخلي ويتضمن مجموعة من الملفات ومنها العمل على تعديل الدستور، وبما يخدم توجهاتها، وذلك من خلال فرض مجموعة من الشخصيات السورية المعارضة والموالية لها ضمن اللجنة الدستورية- وكذلك الأمر بالنسبة للسعودية وتركيا-، والعمل على شرعنة الإدارة الذاتية دستورياً شرق الفرات إذا ما استطاعت احتواء الموقف التركي المعارض لذلك.

أما على المستوى الخارجي فإنها ستعمل بكل قواها على منع الإمارات والسعودية ومصر من التقرب من دمشق، وهي دول تشعر بقلق عميق من التمدد التركي الإخواني في شمال سورية، والشراكة التركية مع روسيا وإيران بإمكانية إيجاد حل سياسي يستبعدها من المشهد السوري، وهي ستضغط على الكثير من الدول الأوروبية التي ترغب بالعودة إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع سورية.

المحور الاقتصادي:

حيث تسعى للمزيد من العقوبات عليها وتشديد الحصار لإحداث حالة من الانفكاك بين السلطة السياسية وبين البيئات الاجتماعية التي تشكل الحاضنة الأساسية للسلطة، ويساعدها في ذلك تغول الفساد المالي والإداري داخل بنى الدولة، وهذا الأمر مرتبط ارتباطاً مباشراً بزيادة العقوبات على إيران.

المحور العسكري:

وهو الأخطر فقد أصبح من الواضح من خلال التعزيزات العسكرية الضخمة التي دخلت عن طريق العراق، وتوجهها جنوباً إلى مناطق شرق دير الزُّور، أنها تسعى إلى إيجاد مبررات للدخول بمعركة عسكرية مع حلفائها على الأرض لقطع الطريق البري بين إيران وسورية عبر العراق، وبالإضافة إلى ذلك فإنها ستلجأ لمجموعة من الضغوط على روسيا لإيقاف معارك إدلب للمحافظة على بؤرة توتر دائمة.

ثانيا – في ريف حماه الشمالي و محيط إدلب بات المشهد واضحاً لجهة إصرار الدولة السورية على إعادة السيطرة على تلك المناطق، الأمر الذي أدركه التركي و كذلك الفصائل الإرهابية المرتبطة به، برأيكم .. هل سنشهد التفافة تركية غايتها إعادة خلط أوراق المشهد في إدلب و ريف حماه الشمالي، و ما هي توقعاتكم لجهة مقررات أستانا و سوتشي و تحديداً الجزئية المتعلقة بملف إدلب و المنطقة منزوعة السلاح.

الدرزي : ما يتعلق بالموقف التركي، فإنه محكوم بمجموعة من العوامل التي زادت من الضغوط على سياسات الرئيس التركي، وهي تتعلق بالتآكل الكبير له ولحزب العدالة والتنمية في أوساط الشعب التركي، الذي أظهرته انتخابات المجالس المحلية لدى أكثر من ستين بالمائة من الشعب التركي، وخاصة في إستنبول وأنقرة وأزمير وأضنة، بالإضافة إلى انخفاض كبير لليرة التركية، وتراكم كبير للديون تجاوز ال ٤٤٠ مليار دولار، مع التهديدات الأمريكية بإيصال تركيا لمرحلة الإفلاس، والعمل على محاصرة تركيا وتفكيكها، وهو بحاجة لكل من روسيا والصين من جهة، وإلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة، ولذلك فإنني أعتقد بأنه لن يقوم بالانقلاب على التفاهمات التي تمت مع روسيا وهي ذاهبة باتجاه تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مسبقاً، وكان من المفترض أن يتم تنفيذه من منتصف الشهر العاشر من عام ٢٠١٨، وهذا الأمر لن يتغير حتى موعد انتخابات إستنبول وإعلان نتائجها، وبعد ذلك فإن معطيات الانتخابات سترسم ملامح السياسات التركية القادمة، والتي ستحدد حجم تركيا ودورها الإقليمي، ومدى قدرتها على استثمار التناقضات الدولية والإقليمية لصالح مشروعها القومي الإسلامي، وبالتالي فإن كل التفاهمات والاتفاقات التي تمت بـ الأستانة و سوتشي ستبقى نافذة ويتم العمل عليها إلى ما بعد الانتخابات وإعلان النتائج.

ثالثاً – لا شك بأن ملف إدلب مرتبط بشكل مباشر و ضمن إطار سياسي بملف شرق الفرات، هذا الارتباط جاء نتيجة الأجندة الأمريكية في تلك المنطقة يُضاف إلى ذلك بأن الأداة الكردية تسعى إلى إنشاء كيان مستقل و تحت حماية أمريكية مباشرة، و لاحظنا في الآونة الأخيرة تصريحات كردية متناقضة تتعلق بالحوار مع دمشق، برأيكم .. ما هي الخطوات التي ستتخذها الدولة السورية بُعيد الانتهاء من ملف إدلب، و ما هي إمكانية الدخول بمفاوضات تكون روسيا و واشنطن طرفاً فيها من أجل إنهاء ملف شرق الفرات، و هل هناك خطوات سورية عسكرية مرتقبة في حال تعنت الأمريكي و أداته الكردية في تلك المنطقة.

الدرزي : لابد من التوضيح بأن القيادات الكردية لا تسعى للانفصال عن سورية، وهي تدرك تمام الإدراك بأن هذا الحلم من الإستحالة بمكان تنفيذه على الأرض، وخاصةً بعد تجربتي أربيل وعفرين، وهم يعملون على استثمار الوجود الأميركي، الذي فرض نفسه بعد اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لمنطقة عين العرب، ووصوله لأطراف المدينة، لأجل شرعنة الإدارة الذاتية في شرق الفرات، وإمكانية تعميمها إلى كامل أراضي الدولة السورية، والمسألة الثانية فإنهم يدركون تمام الإدراك بأم ملف إدلب إذا ما استطاعت دمشق وحلفائها من حله عسكرياً، فإنه سيشكل ضغطاً كبيراً عليهم، وخاصةً بأنهم يدركون بأن ملفي ادلب وشرق الفرات هما تحت الحماية الأمريكية رغم التباين الكبير بينهما، وبالتالي فإن خسارة الولايات المتحدة لملف إدلب سيكون مؤشراً ضاغطاً عليها في شرق الفرات، وسيدفعها لتنفيذ قرارها المؤجل بالانسحاب من سورية، ولذلك فإن القيادات الكردية لم تعدم وسيلة للتواصل مع دمشق، لإمكانية الاتفاق شرط اعتراف دمشق بالإدارة الذاتية دستورياً، وهذا لا يمكن لدمشق أن تقبله، لأنه سيقوض القرار السيادي لها، ويشرعن التدخل الإقليمي والدولي عبر الإدارات الذاتية التي يمكن أن تتشكل على أسس قومية ودينية وطائفية، ولهذا فقد عرضت القيادات الكردية أن تكون شريكة في معركة تحرير إدلب، وبالعموم فإن القيادات الكردية بمأزق حقيقي الآن، بفعل محاولاتها لاستثمار تواجد القوات الأميركية غير الشرعي، والذي يتناقض مع البنية الأيديولوجية المناهضة للغرب عامةً وللولايات المتحدة خاصةً، وبفعل الهواجس المقلقة من إمكانية استعادة الولايات المتحدة الأمريكية لتركيا بشكل كامل، وهذا ثمنه المنطقة الآمنة تحت الإدارة التركية وبعمق ٣٣كم، أو من إمكانية اتفاق سورية وتركيا وإيران والعراق بطبيعة الحال حول جملة من المسائل، وأولها إنهاء الملف الكردي في شمال وشرق سورية، ولذلك فإنني أعتقد وبسبب كل الخيارات السيئة بالنسبة لهم، فإنهم سيختارون عدم الصدام العسكري مع الجيش السوري، وسيذهبون للاتفاق مع دمشق حول حل سياسي يتمحور حول الحقوق القومية الثقافية، وديمقراطية محلية مبنية على قانون الإدارة المحلية مع صلاحيات موسعة، وتطبيق اللا مركزية الإدارية، وسينحصر دور واشنطن هنا بالتوصية لهم كما في السابق للتوجه نحو دمشق، واعتماد موسكو وسيطاً للاتفاق .

بواسطة
أمجد إسماعيل الآغا
المصدر
خاص الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى