حملة سليمان ـ الحريري على حزب الله: مصادفة أم مقدمة لمعركة سياسية؟

هل هي مصادفة أن يعزف ميشال سليمان وسعد الحريري على وتر واحد، ويصوبان على «حزب الله»؟ وما هي الحكمة في أن يبادر رئيس الجمهورية الى خرق لحظة الاستقرار السياسي ويطلق شرارة التوتير مع أكثر من نصف اللبنانيين؟ وما هي الحكمة في إصرار الحريري على معاداة «حزب الله»، والى اين سيصل في ذلك؟

تلك الأسئلة تفرض نفسها في موازاة المشهد المزدوج الذي قدّمه سليمان والحريري ضد «حزب الله». صفق فريق من اللبنانيين للرجلين، لأن الحزب لا يرى غيره من القوى السياسية، بل تجاوز ما يعتبرها الرجلان «محرّمات» لبنانية وسورية ودولية.

وفي المقابل، هناك فريق واسع من غير المصفقين يدرج ما ذهب اليه سليمان والحريري في سياق التكامل والتناغم مع «كورس هجومي»، او بالأحرى «منظومة استهداف» أبعادها داخلية، إقليمية، دولية، حرّكتها يد خفية، كمقدمة لمعركة سياسية قاسية في الأيام المقبلة.

المصفقون لميشال سليمان مقتنعون بالأسباب الرئاسية ويتعاطون مع موقفه حول السيادة وخرق الحدود اللبنانية السورية وإعلان بعبدا ككلام منزل لا لبس فيه، خلفيته لبنانية لا خارجية.

والمصفقون لسعد الحريري يتعاطون معه كعنوان اعتدال ينطق بالحق ولا شيء غير الحق، وكرمز محارب من اجل الدولة واول العابرين اليها، وكقائد لجيش المعتدلين وكنابذ للسلاح غير الشرعي.

وأما في المقابل، فلغير المصفقين قناعات متناقضة جذرياً وأسباب لا تحتمل التصفيق، وفيها:
ـ من الصعب فصل هجوم سليمان ـ الحريري عن سياق الحملة على «حزب الله» التي تدرّجت منذ معركة القصير من مجلس التعاون الخليجي، الى العقوبات على اللبنانيين في الخليج، والى الضغط والتضييق على لبنانيين معينين في افريقيا، الى إشعال الضوء الأحمر حكومياً أمام «حزب الله» و«فيتو» بندر بن سلطان وسعود الفيصل على الحزب ومحاولة عزله، الى بورغاس وقرار الاتحاد الاوروبي بإدراج الجناح العسكري على قائمة الإرهاب.. وأخيراً، وربما ليس آخراً، تحديد موعد بدء المحاكمات للمحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري في كانون الثاني المقبل.

ـ ليس سراً أن اول اهداف تلك الحملة، سحب «حزب الله» من سوريا ووقف اندفاعته التي «خربطت» اوراق الحرب على نظام الرئيس بشار الاسد. والكل يذكر موقف سليمان بعد سقوط القصير عن غرق المقاومة في رمال الفتنة، وكذلك موقفه من سوريا والشكوى الى الامم المتحدة. وصولاً الى موقفه الأخير في عيد الجيش بعد سقوط الخالدية. عن استياء مَن يعبر سليمان؟

ـ قد يبدو لميشال سليمان انه نجح في استمالة فريق «14 آذار» الى جانب مواقفه الاخيرة، وان كان يعتقد في قرارة نفسه انها تستغله وتريده جسراً للانقضاض على «8 آذار» و«حزب الله». ولكن هناك في المقابل فريق واسع من اللبنانيين قد يشعر ان هناك من يستعديه ويستفزه، وأن المواقف الرئاسية قد تدفع الفريق «المستفـَز» الى الظن بأن ثمة همساً إقليمياً، خليجياً، غربياً، حمل الرئاسة الاولى على الرهان على متغيرات، وأقنعها بأن النظام في سوريا اقترب من الهزيمة والسقوط، وسيهزم معه حلفاؤه في لبنان ويسقطون، ما قد يفتح طريق العودة مجدداً الى رئاسة الجمهورية على حصان التمديد.

ـ قد يبدو ميشال سليمان بهجومه على المقاومة، مصراً على استفزازها ومحاولة جرّها الى سجال مباشر معه، لزوم الاستثمار السياسي والشعبي، والمسيحي تحديداً، وإن صح ذلك، فيبدو انه لن ينجح لا بالاستثمار ولا بمساجلة «حزب الله».

ـ وأما سعد الحريري فشكّل الى جانب ميشال سليمان رأس حربة هجوم ثانية على «حزب الله». واما منطلقه، فمن جهة سعودي، ومن جهة ثانية تعبوي ضد «حزب الله»، لعله ينجح في إعادة إنتاج موقع فقد الكثير من بريقه وحضوره وحيويته وقدرته على الفعل، وفي «تحرير» رئيس «المستقبل» من غربة الحضور، وعقدة عدم التواصل المباشر مع الجمهور.

هناك من يقول إن هذا الصخب والدوي والسقف العالي في الهجوم على «حزب الله» يندرج ضمن مسار مرسوم يريده البعض لتحسين السقف التفاوضي عندما تنعقد طاولة المنطقة.

وهناك من يقول في المقابل: لقد ثبت بالملموس أن «حزب الله» و«تيار المستقبل» خطان متوازيان لا يلتقيان، لا في الرؤى ولا في التوجهات ولا في النظرة الى الماضي او الحاضر او المستقبل. ومحكومان باللاثقة منذ «التحالف الرباعي» في العام 2005. وقد وصلا في علاقتهما منذ مدة الى حد القطيعة الكاملة، وليس ما يؤشر الى انهما قد ينحرفان نحو التلاقي.

ومن جهة ثانية، فإن للطرفين حضورهما الداخلي، وامتدادهما الإقليمي، وكلاهما منخرطان حتى العظم في الازمة السورية، «المستقبل» الى جانب السعودية والغرب، و«حزب الله» مع الحلف الإيراني ـ السوري، لا بل يشكل أحد أسس اركانه. وبالتالي يصبح واقعياً الافتراض بأن أمر العمليات الاقليمي المحيط بنتائج تلك الازمة، هو الذي سيفرض على الجميع منطق التلاقي في تسوية ما قد تنضج في هذه المنطقة، لكن تلك التسوية ما زالت سراباً حتى الآن.

يبقى السؤال أخيراً عن الحكومة الحيادية التي لوّح بها سليمان وقدم لها الحريري بمبادرته القائمة على منطق «التضحية المشتركة» بين «تيار المستقبل» و«حزب الله» بعدم مشاركتهما في حكومة تمام سلام؟

تلك الحكومة مرفوضة لدى «حزب الله» وحلفائه، ولا إمكانية لأن تكتب لها الحياة تحت أي عنوان، والخشية أن يعتري ملف الحكومة في المرحلة المقبلة المزيد من التوترات والمفخخات السياسية، تمهيداً للذهاب نحو حكومة امر واقع. الأمر الذي يضع وليد جنبلاط مجدداً في موقع المراهَن عليه ككابح لخطوة تدخل البلد في دائرة الاحتمالات والتداعيات والتبعات الصعبة.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى