«حزب الله» يدافع في القصير.. عن الحريري! . عندما كادت المقاومة تُحاصَر براً وجواً

عماد مرمل –

تعامل «حزب الله» بهدوء وبرودة أعصاب مع الصاروخين اللذين استهدفا اطراف الضاحية الجنوبية، متفاديا أي مظهر من مظاهر الانفعال سواء في الخطاب او السلوك. في الاساس، كان الحزب يتحسب منذ بدء الأزمة السورية لما هو أسوأ، ومع انخراطه المباشر في معركة القصير وريفها أصبحت كل الاحتمالات واردة، بالتالي فهو لم يتفاجأ بالرسالتين المتفجرتين اللتين وصلتا الى بريد الشياح.

لم يشعر الحزب بالهلع، ولم يتصرف على اساس انه المعني بالرد، بل وضع ملف الحادث في عهدة الدولة اللبنانية، مطالبا إياها بكشف ملابسات الاعتداء وتحديد هوية الفاعلين. وبرغم ان المكان الذي انطلق منه الصاروخان يحرض على فتح ابواب التأويل، إلا ان الحزب تجنب توجيه اتهام جنائي او سياسي الى أي طرف داخلي، وقد لاقاه في منتصف الطريق النائب وليد جنبلاط المسكون بالهاجس الامني.

ويعتقد الحزب انه في حال نجاح الاجهزة الرسمية في معرفة الفاعلين وتوقيفهم فان من شأن ذلك ان يقود الى خيوط إضافية ويقلص نسبيا مخاطر تكرار الاعتداءات، وإن يكن من الواجب في كل الحالات اتخاذ جانب الحيطة والحذر، لمواكبة هذه المرحلة الدقيقة وتمريرها بأقل الخسائر الممكنة.

والأكيد ان «حزب الله» وضع في حسابه، مع تدخله العسكري في القصير، ردود الفعل المحتملة، انطلاقا من «دراسة جدوى» لهذا التدخل، لحظت السلبيات والايجابيات، والتهديدات والفرص. أصلا، تسود الحزب قناعة راسخة بانه كان يشكل منذ البداية هدفا قائما بذاته للحرب التي تشن على سوريا، وحتى قبل ان يحسم خياره بالوقوف الى جانب خيار النظام، وذلك لما يمثله من موقع متقدم في منظومة المقاومة.

وعليه، يهزأ الحزب من التحليلات التي حمّلته المسؤولية عن الاعتداء على الضاحية ربطا بموقفه من الازمة السورية ومشاركته في القتال على الارض السورية. يذكّره هذا الاتهام بما كان يجري أيام الاحتلال الاسرائيلي للجنوب حين كان البعض يتهم المقاومة بالتسبب عبر عملياتها بالاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، متجاهلا أصل المشكلة والكامن في وجود الاحتلال الذي استدعى نشوء المقاومة.

بهذا المعنى، يعتبر الحزب ان هناك مشروعا متكاملا لاستهدافه عن سابق تصور وتصميم، ولو لم يحرك ساكنا في سوريا. لا ينطلق الحزب في هذا التشخيص من مجرد تكهنات او قراءة سياسية، وإنما يستند الى معطيات دقيقة يبني عليها حساباته. كان يكفي له ان يدقق في خريطة ريف القصير حتى يتخذ قراره بالذهاب الى المواجهة، بدلا من ان ينتظر مجيئها اليه في عقر داره.

ووفق المعطيات التي تجمعت لدى الحزب، فإن المجموعات المتشددة كانت تتجه نحو إقامة «شريط حدودي» سوري يكون خاضعا لسيطرتها التامة، ويتمتع بعمق ميداني في عرسال ووادي خالد، بعد السيطرة على القرى التي يقطنها اللبنانيون في الريف وتهجير أهلها، مع ما يعنيه ذلك من إقفال للممر البري في اتجاه حمص، ووضع منطقة البقاع عموما والهرمل خصوصا تحت رحمة التكفيريين.

على خط مواز، كان الحزب يراقب بدقة محاولات المجموعات المسلحة السيطرة على مطار دمشق والطريق المؤدية اليه، والتي تلتها لاحقا غارات اسرائيلية على العاصمة ومحيطها، استهدفت علنا منع وصول إمدادات السلاح الى المقاومة في لبنان.

ربط «حزب الله» بين كل هذه المعطيات وغيرها، ليتوصل الى تركيب أجزاء «البازل» وتظهير صورة المشروع الهجومي الذي يستهدف التضييق التدريجي على المقاومة وشد الخناق عليها، عبر الإمساك بالمنافذ الجوية والبرية التي تشكل رئتها الحيوية.

هنا، أيقن «حزب الله، وفق رؤيته وروايته، ان التردد لم يعد يفيد وان عليه الانتقال من موقع رد الفعل الى الفعل، فبادر الى التحرك العسكري في القصير، آخذا في الاعتبار انه يخوض هناك معركته المباشرة بالذات، وان الجيش السوري قد لا يكون مستعجلا للزج بكل ثقله في تلك المواجهة، على قاعدة ان له أولوياته وتكتيكاته، وهو الذي يخوض الحرب على امتداد الارض السورية. وعليه، اندفع الحزب الى قيادة ما يعتبرها «المواجهة الوقائية» في القصير بالتعاون والتنسيق مع الجيش السوري.

من وجهة نظر «حزب الله»، الموضوع ليس موضوع شخص الرئيس بشار الاسد. الامر يتصل بالخيارات الاستراتيجية المتعلقة بالصراع مع اسرائيل، والمقاومة معنية بمؤازرة النظام الذي يدافع عن هذه الخيارات، أيا يكن اسم من يترأس هذا النظام.

وأكثر من ذلك، هناك من يعتقد ان «حزب الله» يدافع في القصير عن مستقبل سعد الحريري الذي سيكون من بين أكبر الخاسرين من تمدد التيار التكفيري الى الساحة الاسلامية في سوريا ولبنان، علما بأن الحالة المتشددة بدأت منذ فترة تتغلغل في شارعه وتخترق دائرة نفوذه.

ويضيف اصحاب هذا الرأي: من لا يقتنع بذلك، فما عليه سوى إلقاء نظرة على ما يجري في العديد من دول الربيع العربي، حيث يتنامى الاعتراض على سلوك الاتجاهات المتشددة، حتى في صفوف «الاخوان المسلمين» في مصر، و«حزب النهضة» في تونس، ناهيك بليبيا واليمن وغيرهما…

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=2471&ChannelId=59517&ArticleId=2205&Author=عماد%20مرمل

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى