حزب الله في سوريا ..الحرب على «الإرهاب»

بعد اندلاع الأزمة السورية، وتطور موقف وفعل حزب الله تجاهها تبعاً لمجريات الأحداث المتسارعة هناك، برزت إشكاليات مهمة أمامه. مثل، دعم الديكتاتوريات، والتدخل الطائفي، والتموضع داخل جبهة واحدة مع الأميركيين وتبني السردية الأميركية في الحرب العالمية على الارهاب التي تشكلت بعد أحداث ١١ سبتمبر. في هذه المقالة المقسمة على ثلاثة أجزاء، سنحاول أن نناقش بتوسع حقيقة التدخل «الطائفي» لحزب الله لدعم النظام في سوريا، وطبيعة حربه «المشتركة» على الارهاب مع أميركا، ونحاول أن نناقش أيضاً حقيقة ادعاءات فريق 14 آذار الخليجي وغيره حول خطاب حزب الله وسلوكه في الآونة الأخيرة.

السردية الأميركية

عندما نريد أن نجادل بأن حزب الله تبنى السردية الأميركية حول «الحرب على الإرهاب» في الأزمة السورية، يجب بكل بساطة أن نعرض هذه السردية ونقابلها بسردية حزب الله لنرى مجال تطابقهما.

إنّ السردية الأميركية في الحرب على الارهاب تشكلت بشكل أساسي ومكثف بعد أحداث ١١ سبتمبر، حين قادت الإدارة الأميركية برئاسة جورج بوش حملة سياسية وعسكرية وإعلامية لصناعة جبهة جديدة بعنوان «الحرب على الإرهاب».

إن الاستعمالات المتعددة لمصطلح إرهابي والتي سبقت تلك الأحداث، كلها اضمحلت تحت وطأة التعريف الجديد الذي رسخته الإدارة الأميركية في الوعي العالمي. يمكن اجمال هذه السردية في نقاط أساسية:

  • أولاً، إنّ الحرب على الارهاب هي معركة ثقافية ضد مجموعة تريد النيل من الحضارة الغربية وقيمها الليبرالية، وأن أميركا من منطلق أنها تتزعم «العالم الحر» عليها واجب مقدس في الدفاع عن الحرية ضد هؤلاء الإرهابيين.
  • ثانياً، انتقائية هذه السردية كانت في حصرها وصف الإرهاب بالعنف الذي تقوم به الجماعات الاسلامية والافراد المسلمون، في اي اتجاه كان هذا العنف، ضد مدنيين أو عسكريين، في حال سلم أو في حال حرب. هنا يبدو واضحاً كيف أنّ التعريف الأميركي للإرهاب هو تجاه المنظمات أو الافراد التي تعيق مصالحها أو اجنداتها، وهذا بلحظ قائمتها للإرهاب.
  • ثالثاً، إنّ هذه الحرب لم تكن حرباً لدفع العنف عن أراضي الولايات المتحدة، أو حتى المواطنين الأميركيين حول العالم، بل كانت مشروعاً سياسياً يتضمن شعارات ثقافية وسياسية كان ضمنها «دمقرطة» دول الشرق الأوسط (1).

سردية حزب الله

قبل نقاش سردية حزب الله لا بد لنا من تعريفه. حزب الله هو حركة مقاومة عربية انطلقت بعد الاحتلال «الإسرائيلي» للبنان، مشروعها السياسي يرتكز إلى مفهوم مقاومة الأمة للهيمنة الغربية في المنطقة. منذ الوثيقة السياسية الأولى التي أطلقها عام ١٩٨٥ ومرحلة التطور الى الوثيقة السياسية عام ٢٠٠٩، تغيّر الكثير، لكن بقي تعبير مقارعة الهيمنة واستنهاض الأمة هو الفصل الأول فيهما (2). إن هذا التعريف المبني على مشروعه السياسي المعلن مهم، لكي يبنى على الشيء مقتضاه في هذا المقال.

إنّ حزب الله حالياً يستخدم مصطلح «التيارات التكفيرية» للإشارة لمجموعة من التيارات الجهادية المقاتلة في سوريا، ولا يتردد مصطلح الإرهاب في خطاب حزب الله إلا وهو متبوع بمصطلح التكفيري، وهي وسيلة يستخدمها للتمايز عن السردية الأميركية حتى على مستوى اللفظ ودلالاته. لكن، هل يمكن أن يكون هذا الاصطلاح تمايزاً ظاهرياً عن الخطاب الأميركي الذي يتبنى مصطلح «الارهاب»، لكنه يتفق في السردية نفسها؟

بالرجوع للوراء قليلاً، يتضح كيف أنّ مصطلح «التكفيري» ليس وليد الأحداث في سوريا، بل هو مصطلح تبناه حزب الله منذ فترة طويلة. يمكن تأريخ أول استخدام لهذه المصطلح بعد الغزو الأميركي للعراق (3). إذ التزم حزب الله هذا العنوان، للتفريق بين المقاومة العراقية التي كان يصفها الأميركيون بـ«الارهاب»، والجماعات التي تتوسل استهداف المدنيين سبيلاً لتحقيق أهدافها. هذه التسمية كان هدفها خدمة حزب الله قبالة تحدٍ حساس: مواجهة الفتنة الطائفية ولعب دوره كقيادة شيعية بارزة في احتواء الجمهور الشيعي في العراق بعيداً عن الفتنة ولكي لا يتحول لبيئة طاردة للمقاومة العراقية (4). قال أمين عام حزب الله «عندما يصبح اتجاه الفتنة هو الذي يسيطر على المشاعر لن يبقى مكان لعاقل شيعي ولا لعاقل سني، سوف تصبح الساحة بيد الس آي أيه والموساد، التي أقسم بأنهما تخترقان العديد من المجموعات التي ترفع راية الاسلام من اجل ضرب المسلمين من داخل مجموعاتهم». وأضاف: «إن هذا الاتجاه للفتنة فيه نوعان من الناس، فيه عملاء يعرفون ماذا يفعلون وفيه جهلاء اعماهم الجهل والتحجر والعصبية (…) وأول المواجهة (…) هو الوقوف بشدة وبحزم امام اي اتجاه تكفيري في وسط المسلمين سواء كان (شيعياً أم سنياً)». حزب الله لم ير لدى هذه الجماعات مشروعاً سياسياً واضحاً – في العراق – يمكن أن يكون في مصلحة الأمة، ولم ير لديها أسلوب عمل مقبول. وهذا الخطاب ذاته لا زال يستخدمه الحزب تجاه ما يحدث في سوريا الآن كما سنشير.

إنّ حزب الله واجه السردية الأميركية مباشرة منذ اللحظة الاولى بعد احداث ١١ سبتمبر (5). أولاً، أكد أنّ الحرب الأميركية هي حرب فرض هيمنة باستخدام عدو مصطنع وهو «الارهاب» العالمي. وللتدليل، بعد تلك الاحداث ألقى السيد حسن نصر الله كلمة في نقد الاتهام الأميركي للعرب بلا دليل، وكيف أن العالم دخل في هستيريا إدانة واستنكار لأن الضحايا أميركيون بينما يتجاهل الضحايا العرب. وقال إن «الاستكبار الأميركي يريد أن يستهدف شعب أفغانسان بأكمله لأن المشتبه به [بن لادن] ضيف عنده»، وأعلن «يجب أن يكون واضحاً لكل عربي، ولكل مسلم، ولكل شريف، لا يجوز لأحد أن يقدم يد المساعدة لأميركا في عدوانها على شعب أفغانستان وعلى أي شعب من شعوب العالم». في الخطاب ذاته، ركز السيد نصرالله على ضرب ازدواجية الخطاب الأميركي في «الحرب على الارهاب» بتبيان التجاهل الدولي للجرائم التي يقوم بها الاحتلال الصهيوني وتمسَّك بوصف اسرائيل بالدولة الإرهابية، وقال «إنّ أميركا التي تريد قيادة تحالف دولي لمكافحة الارهاب هي نفسها تمارس الارهاب وهي تدعم اخطر دولة ارهابية في العالم، وهي إسرائيل». وأكد أن أميركا غير صادقة في محاربة «الإرهاب»، وإنّما تريد اختراع عدو غامض لتقوم بإنشاء القواعد ونشر الأساطيل «لعيون إسرائيل لاحقاً».

وقبل التطرق للموضوع الأساسي، وهو حقيقة «الحرب المشتركة» على الإرهاب التي يخوضها حزب الله مع أميركا وحلفائها، يجب في البداية مقاربة موضوعين أوليين في هذه القضية، وهما: موقف حزب الله من السلفيين وطبيعة علاقته بهم، وعلاقة حزب الله وموقفه من القاعدة وتفرعاتها.

حزب الله والسلفيون

إحدى المغالطات التي قد تطرح، هي أن حزب الله من منطلق عقائدي شيعي يرى في التيارات السلفية والاصولية – وهي التيارات التي ترجع لها معظم حركات الجهاد والقاعدة – خطراً عليه بسبب حالة العداوة البارزة بين هذه التيارات وبين الشيعة، لذلك الهجوم عليها بشعار «التكفيرية» هدفه اسقاط مشروعيتها وحضورها في الأوساط الإسلامية والعربية.

بطبيعة الحال لا يمكن تجاوز حقيقة عدم دخول حزب الله ممثلاً بخطابه وإعلامه في الدعوة والمناظرات العقائدية أو الفقهية، التي ينشط فيها السلفيون وبعض التيارات الشيعية، وهي المجال الرئيسي لصراع الطرفين. وقد يعتبر بعض أن هذه الحقيقة ليست إلا مؤشر شكلي، لكن الحقيقة الأخرى الأهم هي عدم حدوث أي حادث أمني أو سياسي أو مواجهة في التاريخ القريب في لبنان بين حزب الله والتيار السلفي بتنوعاته، وهذا يعتبر مؤشراً حقيقياً إلى عدم رغبة الحزب في الدخول في أي صدام أو منافسة معها. بل إن التاريخ يسجل أن جميع الإشكالات السياسية أو الأمنية، بل وحتى الأهلية، التي حدثت بين حزب الله في لبنان مع تيارات سنية كانت مع التيارات التي توصف بـ«العلمانية»، وبالخصوص تيار المستقبل. بل إنه في أوج فترة الصدام مع تيار المستقبل وبروز خطاب مظلومية السنة في لبنان بعد أحداث أيار ٢٠٠٨، لم يكن التيار السلفي في قلب تلك المواجهة.

أوضح من ذلك، هو توصل حزب الله مع جزء من التيار السلفي في لبنان أواخر عام ٢٠٠٨ الى اتفاقية تفاهم سياسية كالتي أبرمها مع التيار الوطني الحر. ورغم أن الاتفاقية جُمدت بعد توقيعها بيوم بسبب ضغط كبير تعرض له الموقعون من قبل تيار المستقبل، إلا أنها تعطي مؤشراً واضحاً جداً عن عدم وجود موقف جذري من حزب الله ضد هذه التيارات، بل رغبته الجادة في التفاهم معها، بل وحتى التحالف معها. وإن مثالاً اكثر عمقاً في الإشارة، يبرز اهتمام حزب الله بهذه التيارات (6)، هو أن الحزب وضمن خطته لبناء قوة مقاومة كبيرة في لبنان لمواجهة إسرائيل ودعم المقاومة العراقية، قام بتدريب مجموعات سلفية عديدة عسكرياً لتكون جزءاً من المقاومة الى جانب سرايا المقاومة وقوات الفجر التابعة للجماعة الإسلامية (الاخوان المسلمون في لبنان) (7).

كل هذه المؤشرات الجدية تظهر أنّ معيار حزب الله في التحالف هو موقف الجهة من قضية المقاومة وأولوية القضية المركزية بالصراع مع إسرائيل والهيمنة الغربية وليس خلفيتها المذهبية والفكرية. ويمكن ملاحظة أنّ التوتر الطائفي الحاد الذي اعقب الأزمة السورية وتّر الأجواء بين حزب الله وبعض التيارات الاسلامية التي تؤيد خط المقاومة، امثال حركة حماس والجماعة الاسلامية في لبنان. ورغم حملات النقد الحاد الذي تعرض لها من قبلهم بعد موقفه في سوريا، لم تجعله يقطع الوصل مع أي منهم (8).

موقف حزب الله من القاعدة والجهاد الأفغاني

مشكلة الالتباس في موضوع القاعدة، هو أنّ هذا التيار الذي نشأ بعد قتال الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، وبدأ في توجيه هجماته للأميركيين لاحقاً، جزء كبير من فصائله واقع تحت تهمة التكفير الآن. فهل يتنكر حزب الله لفعله في مواجهة السوفيات أو هجماته ضد الأميركيين بعد احتلال افغانستان أو العراق؟ حزب الله لا لبث لديه في حقانية الجهاد ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان. وعبّر عن هذا في اكثر من مناسبة على مدى السنوات الطويلة (9). لكن رؤية حزب الله التي كررها الآن مع الأزمة السورية – واستخدم البعض هذه الرؤية لادعاء عكس ما تعنيه – بأنه بعد دحر الاحتلال في افغانستان، انبرى جزء من الجماعات المقاتلة الى تصفية رموز للجهاد الافغاني، ومن هنا بدأت الفتنة كما يرى. وما حدث أيضاً بعد الغزو الأميركي في العراق، إذ اختلط الحابل بالنابل في مقاومة الاحتلال، بين فصائل تبرر سفك دم المدنيين، وبين مقاومة ملتزمة. إنّ حزب الله رغم مواقفه وآرائه هذه، لم يشن حملة هجوم ضد القاعدة، وكان السيد نصرالله يحرص عند ذكرها في خطاباته على ذلك، لأنه لم يرها حينها خصماً مواجهاً له في مشروعه، وأيضاً يحفظ لبعضها مواجهة الاحتلال. وهنا، جاء تأكيد مصطلح «التكفير» لوصف الأطراف التي تستهدف المدنيين، ولم يعمم السردية الأميركية التي تتهم القاعدة بكل شيء.

هذا لا يعني أنّ حزب الله ليست لديه مواقف جذرية ضد فكر القاعدة واسلوبها ومشروعها، ويعبر بين فترة واخرى عن تلك الفوارق. فهو مثلاً يرى أنّ فارقاً أساسياً بين مشروعه ومشروع القاعدة – غير الرؤية حول اسلوب العمل – هو طبيعة المشروع وحدوده الجغرافية. في مقابلة قديمة، نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أوضح ذلك بأن «مجال عمل تنظيم القاعدة في أفغانستان، وطريقة عمل القاعدة لها مقدماتها ولها اتجاهها الفكري، أما مجال عمل حزب الله فهو في لبنان وفلسطين وهذه المنطقة، وطريقة عمله وأدائه السياسي والميداني (…)، فوجود بُعد جغرافي بين خصوصية عمل حزب الله ومنطقته وخصوصية عمل القاعدة ومنطقتها جعل أي مبرر للعلاقة معدوم وغير متوافر، علماً أن هناك تمايزاً بالأولويات وطريقة التفكير» (10).

المعركة المشتركة على الإرهاب

هل يمكن أن نصف معركة حزب الله في سوريا أنها حرب على الإرهاب، وأنه انساق إلى السردية الاميركية في نهاية المطاف؟ يمكن ملاحظة أنّ حزب الله لم يبدأ معركة على الإرهاب، ودعا قوى كالدول الإقليمية وأميركا للانضمام إليه فيها، بل إن الطرفين في معركتين مختلفتين. وهنا نقاط مهمة يجب الالتفات لها:

أولاً، أهداف الحزب في دخوله الى سوريا تتلخص في هدفين رئيسين: الأول هو منع سقوط سوريا في يد قوى ولاؤها للقوى الغربية أو الدول العربية الحليفة لها لكون سوريا هي حجر أساس في قوة المقاومة، وعبّر عن ذلك السيد نصر الله بقوله: «سوريا هي ظهر المقاومة وهي سند المقاومة، والمقاومة لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي ويكشف ظهرها أو يكسر سندها». الهدف الثاني هو تأمين الحدود اللبنانية ـ السورية لحماية مناطق تمركز المقاومة اللوجستية (مخازن، معسكرات … إلخ) في البقاع الشمالي والغربي وحتى الجنوب، إذ تشكل الحدود عمقاً حقيقياً يجب أن يكون آمناً. وهذه أهداف لها علاقة بمشروع حزب الله منذ انطلاقته بوضع المقاومة على رأس أولوياته. ووصف السيد نصرالله عند تدخل حزبه العسكري الفعلي الأول في القصير هذه المرحلة بأنها «مرحلة جديدة، بالكامل، بدأت الآن، مرحلة جديدة اسمها، تحصين المقاومة وحماية ظهرها وتحصين لبنان وحماية ظهره» (11).

النقطة الأخرى، أن حزب الله كان يعلم مصير الجهاديين والفصائل المنتمية لفكر «القاعدة»، وكان ناصحاً لهم لا محرضاً عليهم. ففي كلمة له، خاطب السيد نصر الله القاعدة بلغة واضحة قبل شهور من تدخله العسكري المباشر بالقول: «إن أميركا وحلفاءها نصبت لكم كميناً في سوريا، وفتحت لكم ساحة لتأتوا إليها من كل العالم ليقتل بعضكم بعضاً في سوريا، ولو فرضنا أنّ هذه الجماعات التي تنتسب الى القاعدة استطاعت أن تحقق انجازاً ستكون هي أول من سيدفع الثمن في سوريا» (12). وهذا ما حصل مبكراً كما يبدو، فالسيد نصرالله قال أيضاً إن الدول الاقليمية إذا استشعرت خطر الجماعات الجهادية هذه، حتماً سيأتي دور تصفيتهم. لذلك، فإن هذه الاستدارة في مواقف الدول الاقليمية هي لاحقة على إعلان حزب الله أهدافه في التدخل في سوريا، بل وكانت استدارة متوقعة منها بالنسبة إليه. فرغم أن هذه الدول لم تغيّر مواقفها من النظام السوري ودعم الفصائل المسلحة، إلا أنها استشعرت الخطر الذي قد يأتي به مواطنوها المقاتلون في سوريا (13). هذا السيناريو، تكرر أكثر من مرة حين استخدمت استخبارات مجموعة من الدول (ولو بطريقة غير مباشرة) الجهاديين في معارك خاصة بمصالحها، لتقوم بتصفيتهم لاحقاً.

إن الموقف الأميركي حالياً، لا يمكن وصفه بأنه يحارب «الإرهاب» أو الجماعات الجهادية. لكن سقوط مشروع تحويل النظام في سوريا الى آخر خاضع للسياسة الأميركية، جعلها بين فكي كماشة في بقاء النظام أو تغول هذه الجماعات التي قد تشكل خطراً مستقبلياً عليها.

حزب الله كان يعلم مصير فصائل القاعدة» وكان ناصحاً لها لا محرضاً عليها

لذلك يمكن القول بقدر لا بأس به من اليقين، إنّ الادارة الأميركية مرتاحة لتحول سوريا محرقة للطرفين – نظام الاسد وحلفاؤه والجماعات الجهادية – وهي تحرص ألا تفيض ارتدادات الحرب الدائرة على مصالحها في الشرق الأوسط.

إنّ مقارنة موقف حزب الله بموقف النظام السوري حول الإرهاب – على افتراض أنهما في جبهة واحدة – يسهل علينا معرفة الفرق بين السردية الأميركية وموقف حزب الله. النظام السوري وبعد أول تفجير لسيارة مفخخة تبنته جبهة النصرة في دمشق، بدأ حملة اعلامية وسياسية للترويج بأنه يقاتل الإرهاب، ووضع كل المجموعات المسلحة في تلك السلة (14). ومنذ ذلك الحين – وربما قبلها – وحتى كلمة وليد المعلم في افتتاح مؤتمر «جنيف ٢»، كان المسؤولون السوريون يقدمون أنفسهم امام الغرب «كنظام» يقاتل الارهاب بالنيابة عن العالم، ويتملق الغرب عبر ترديد خطاب الحرب على الإرهاب والحديث عن خطر الإرهابيين على الدول الغربية (15). وهذا الخطاب أيضاً يردده أتباع النظام السوري من صحافيين ومثقفين في وسائل الإعلام المختلفة.

بعكس حزب الله، الذي لم يضع كل جماعات المعارضة (رغم أنّ الجماعات الجهادية هي من اصبحت اقوى في الميدان لاحقاً) المسلحة بتشكيلاتها في سلة واحدة وهي «التكفير»، كما أن الحزب لم يدّعِ يوماً أن هدفه هو قتال التكفيريين بالنيابة عن العالم (16). وحزب الله أيضاً لم يعتبر يوماً أن هدف قتاله الأساسي في سوريا هو محاربة التكفيريين، بل يعتبر أنّ العدو – كما ذكر أمينه العام – هو «المحور الأميركي الغربي العربي الإقليمي، والذي يتوسل في الميدان التيارات التكفيرية» (17). وهنا يتضح تأكيد الحزب على اعتبار هذه الجماعات  أداةً – بشكل مباشر أو غير مباشر – في يد الطرف الآخر (أميركا وحلفاؤها) في هذه الحرب وليس كطرف مستقل بذاته. إن التكفير بحد ذاته ليس دافعاً للحزب لخوض معركة ثقافية ضده (18)، بل القضية هي أنّ الجماعات المنتمية لهذا الفكر هي الآن تخوض معركة مسلحة في جبهة مواجهة له.

إن الأهداف الاستراتيجية للنظام السوري وحزب الله ليست متطابقة، برغم دعم النظام المادي لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق. وتحليل خطاب الحزب في تبرير تدخله في سوريا يجب أن يأخذ في عين الاعتبار الفروقات في حسابات النظام للبقاء وحسابات المقاومة في تأمين عمقها الإقليمي والدعم اللوجستي والحفاظ على ميزان القوى في المنطقة (19).

إن كل ذلك لا يقصد به الوصول لنتيجة بأن حزب الله لا يرى في ذات التيارات «التكفيرية» خطراً على مستقبل الأمة العربية والاسلامية. بل هو أكد خطرهم منذ أيام الغزو الأميركي على العراق – كما بينّا – على وحدة الأمة وعلى قوة المقاومة العراقية حينها. لكن هناك فرق منهجي مهم في تعريف «الخطر» و«العدو». حزب الله، بناءً على مشروعه المحدد، يضع إسرائيل كعدو، وهدفه دحر احتلالها وكسر الهيمنة الأميركية على المنطقة، ولذلك هو في مواجهة دائمة معهما. لكن الخطر التكفيري لم يكن داخل دائرة المواجهة مع حزب الله سابقاً لأنه لم يكن يشكل تهديداً مباشراً على مشروع مقاومة إسرائيل، وبنظر حزب الله الآن تحولت هذه الجماعات «التكفيرية» إلى أداة – بقصد أو من دون – بيد المحور المعادي في القضية المركزية، وأصبح خطرها الطارئ على وجوده يتزامن مع خطر «العدو» الإسرائيلي الدائم منذ نشأته. وهذه الجماعات بسبب طبيعتها الجذرية، يعتقد حزب الله إنّ مسألة تنظيم الخلاف معها ستكون مهمة مستحيلة وستُسبب أزمة حقيقية له إذا سيطرت على المناطق المحاذية لحدود لبنان، والتي بالتأكيد لن تتوقف عندها. وإذا تحوّل لبنان إلى ساحة شبيهة بالعراق أو افغانستان لنشاط هذه الجماعات، فهذا سيشكل عبئاً كبيراً على المقاومة وسيؤثر سلباً على جهوزيتها وأولوياتها.

ومن الغريب، بل الأشد غرابة أنّ من يتهم حزب الله بتبني السردية الأميركية لمجرد أنه بدا – بالنسبة إليه – تقاطع مصالح بين الطرفين، هو في الوقت ذاته مؤيد لجماعات سياسية معارضة أو فصائل مسلحة لا تتبنى فقط خطاب التملق لأميركا ومصالحها، بل وتتلقى الدعم المادي المباشر وغير المباشر من أميركا وحلفائها، ويتحول بعضهم لمجرد أدوات ضمن مشروعها. بل إنّ بعض من يتهم الحزب بتبني السردية الأميركية أيّد وشجع مشروع الضربة الأميركية على سوريا، وتباكى على عدم حدوثها.

الكاتب السعودي رضا البوري – صحيفة الأخبار

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى