ثـقـافــة التصنيــم في الشـارع العـرااقي , طـــَـبـع أم تـَـطبــع

حتـى نستـبق تخـرصـات البعض الذي يتلبس بعبـاءة ( الـرمـزيـة ) لـلتغطيـة علـى صنميتـه , فليس لكـاتب السطـور أي اعتراض او انتقـاد او تقليـل شـأن او امتعـاض مـن أن يكـون لكل منا رمـوزه الدينيـة والفكريـة والسياسيــة , سـواء على المستوى الشخصي او الانتمائي المجتمعي والمذهبي , لكـن بشـرطيـة أن لا تكـون الـرمـزيـة هنا بـوابـة ولـوج في متاهات ثقـافـة التصنيـم والتأليـه , ومعطـفا لتغطيـة قبحهمـا , كمـا ويجب الحفاظ على قدسيـة الخط الأحمـر الفاصـل ما بين الرمزيـة ومشروعيتهـا , وبين الصنميـة وعوقهـا الفكـري حتى لاتتداخل الخنادق , ولتتضح الرؤيـا من دون حصـول ارتبـاك بالمواقف , وأيضـا عدم اعطـاء الفرصـة للمتصيديـن في عكـرة الميـاة لرمـي شباكهـم والأصطيـاد على هـوى غاياتهم .

إشـكـاليــة ثقــافـــة الـتـصـنيــم التـي تـســيطــر لـلأسـف عـلـى عـقـليـــة طــيــف عــريــض فــي الشـــارع الـعـراقــي , لعلهـا مـن أخطـر المعـضـلات الشـائكـة الأسبـاب و التبعـات التي تلقـي بتداعيـاتهـا على واقـع اليوم السياسي والاجتمـاعـي , بعـد أن أمسـت سمــه مـلاصقــة للشخصيـة العـراقيـة أينمـا حـطـت رحـالهـا وأطلقت العنـان لتهـريج ألسنتهـا , وخطـورة هذة المعضلـه تكمـن فــي منهجيــة تغـييب العقـول , ومصـادرة الارادات الحـره , وتجـريــد الانسـان مـن نعمـة الادراك والاستدراك التي أمـنَ الله بـهـا عليــه , وحيث تجـريــد الانسـان مـن هذة الخصائص يجعـل منـه مجـرد إمعـه ودابــه تنقـاد وراء مـُحـركهـا , وفق اهـواءه ونـزواتـه وطباعـه , وأجندة شذوذ غـاياتـه .

فهـل ثقـافـه التصنيـم والخنـوع عند السـواد الغـالب بالشـارع العـراقي طـَـبـع أم تـَـطبــع ؟

و هـل الاستقتـال فـي صنـاعـة الصنـم وعبـادتــه طـَبعـا أنتجتـه صيرورات حقبـات تاريخيـة عصـفت بالشـارع ؟ أم تـَطبعـا وجـد ت الشخصية العراقيـة فـي اغـراءاتـه واهـواءه ضـالتهـا فإعتنقـت ثقـافتـه كأمـر واقـع وتوارثتـها بجهـالـه مجتمعيـه وضـلالـة فكـريـة ؟

*الطـَـبـع** في طبيعة حاله يعبـر عـن منظـومـة القيـم والعـادات المجتمعيـة العامـه والخـاصـة التي تنتجهـا مسـارات الصيـرورة الحيـاتيـة لكـل فـرد منا او مجمـوعـة بشـريـة ننتمـي لهـا , تحت تأثيـرات العـوامـل البيئيـة المحيطـة والمؤثـرة في دحـرجـة عجلـة تلك المسارات والموجـهه لهـا , بينمـا يبقـى * التـَطبـع** سيـاقـا حيـاتيـا شخصيـا اكثـر مما هـو جمعيـا يختـاره الفـرد وفق اولويـات مـا يـوافق اهـواءه ورغبـاتـه وبكـامـل وعـي إرادتـه و مـن دون تأثيـر مناخـي خـارجي بيئي مجتمعـي , أي بمعنـى آخـر فـإن *الطبـع** نتـاج حياتي بينمـا *التـَطبـع** هـو اكتسـاب اختيـاري .

الشخصيـة العـراقيـة وعلـى مسارات صيرورتهـا , شخصيـه تخـشى السلطـه وتعـشـق جـلادهـا الـى درجـه العبـاده والأيمـان المطـلق , وهـي الأقـرب في امراضيتهـا هـذه الـى اعـراضيـات ضحـايـا متـلازمـة ستـوكهـولـم والشـذوذ عـن المـألـوف , و لـيس كمـا يحـاول البعض النفـخ فـي قـربتهـا المثقـوبـة , وتوصيفهـا بالعِصـاميـة , والصـِداميــة , وإلانتقـاميــه والصعبـة المـراس أوالانقيــاد والرضـوخ , بـل الأكثـر مـن كـل ذلـك , إنهـا قـادره على الانقـلاب على نفسهـا بتفـنن وبصوره مقـيته , و لهـا القابليـة الاميبيـه على تغير مظهـر وشكـل ولاءهـا وعلى حـرف بـوصلـة صنميتهـا مـع انحـراف اتجـاه بوصلــه السلطـة الـى هذا الطـارف او ذاك , حـيث مـا أن تفتحـت مسـامعنـا ونحـن صغـار ونضجت معها براعـم عقـولنـا حتى إمتلئت بضجيـج شعـارات تعبديـة ( ما كـو زعيـم إلا كـريـم ) , و وجـدنـا اهلنـا يسجـدون صبحـا وعشيـا على وقــع خطـابات الزعيـم بل يقـدسـون حتى ( الصحـون ) التي طبعت عليـها صـوره , ويتغنـون على وقع اهازيج ( عاش الزعيم عبد الكريم إل زود العـانـه فلس ) وكـأن الزعيـم قـد جـاء بهذا الفلس ( من جيب ال خلفـوه ) , ولكـن مـا إن هـوى نجـم الـزعيـم وصعـد نجـم البعـث والقـوميين , اصبـح زعيـم الأمس سـارقـا للثـوره و رمـزا للديكتـاتوريـة والانفـراديـة , وبــدأت بعـدئـذ رحلـة البحـث المضني االاستحضـاري لصنميـة جـديــده تحـاكـي مـرحلـة الثـوريـات والانقـلابـات ودمـويتهـا , حتى استقـر المطـاف بعـد تمـوز 1968 علـى صنميـة ( عـاش عـاش عـاش البكـر والبعـث دومـه منتصـر ) و ( يابـو هيثـم لا تهتـم ثـوره ونفـديـه بالدم ) ,لكـن صـراع التسلط فـي داخـل إروقـة منظـومـة حزب السلطـه في العـراق وبـروز تيـار صقـوريته على حساب تيـار حمائمه قـد أجهض صنميـة ( الأب القـائـد ) لصـالـح صنميـة ( السيد النـائـب ) وجـلادي جهـاز ( حـنيـن ) , ومـن هنـاك كـانت البـدايـة الـى أطـول مـرحلـة تصنيـم بـل وأبشعهـا فـي مسـار تـاريـخ صيـرورة الشخصيـة العـراقيـة التي وصـل الحـد فيهـا الـى تـأليـه شخص ( صـدام حسيـن ) , هـذا التـأليـه الذي وجـد فيـة الـرجـل غـايتـه , وبنـى عليـه إمبـراطـوريـة احـلامـه التي أوصلتـه في نهـايـة المطـاف الـى مـا أوصلتـه اليــه مـن اخطـاء وخطـايـا وسياسـات غير مدروسـة مبنيـة علـى اعتقـادات خـاطئـة وعلى ولاء حـزبي و شعبـي مـوهـوم , بـانت وهميتـه وزيفــيتـه عند دخـول اول دبابـة امـريكيـة الى ارض العـراق عام 2003 ,حـيث تـلاشت إلـوهيـة ( صدام حسين ) وتسـامـت مـع إسـقـاط تمثالـه الفـردوسـي في 9 نيسـان من ذلـك العـام ,ولعـل المصيبــة الأكبـر إن العـراقييـن لـم يكتفـوا بتجـريد أنفسهـم مـن ولاءهـم التصنيمـي للـرجـل (صـدام حسين ) وإنفضـاضهـم مـن حـولـة , بـل غـدر اقـرب المقـربيـن منهـم اليــه بــه , وبـاعـوه الى المحتـل الذي دنس أرضهـم وداس على كـرامتهـم بـأبخس الأثمـان , بعـد أن فعلـوا الشيء ذاتـه مـع ولـديـة وحفيــده .

عجلـة التصنيـم والتأليـه لـم تنتهـي عنـد شخص الرئيس ( صدام حسين ) ومرحلتـه ( والحـق يقـال , فـالرجـل حـالـه حـال هتلـر وستـالين وتيتـو وشـاوشيسكـو والقذافــي والقـائمـة تطـول من زعماء العالم , لـم تلـده أمـه دكتـاتورا ولا مستبـدا ولا طـاغيـة ولا رب أوحـد مثلمـا يحلو للكثيـر نعتـه , وإنمـا من المُسلمـات التي يجب عدم القفز عليهـا , إنَ الشعوب هـي التي تهـيء الأرضيـة الخصبـة لنمـو وترعـرع بذرة نـزعـة التسلط عنـد حكامهـا وزعمـائهـا وتجعـل منهـم في نهـايـة المطـاف دكتـاتوريين وسلطويين استبداديين , وألهـة تعبـد , وأصنـام تـبجـل ) , بـل أستمـرت وبـدون هـواده بعـد 2003 , لكـن تعدد مـراكـز السلطـه وتنوع الاصطفافات , واختـلاف الاتجـاهـات قـد أدخـل الشخصيـة العـراقيـة هذه المـره فـي متـاهـات التعـدديـة الصنميـه , وأضـاعهـا في زحمـة توزيــع الـولاءات بيـن عمـائـم مـرجعيـة , الـى اصنـام عـائليـة حـوزويـة , ومسميـات حزبيـه سياسيـة , وهـذا مـا عقـد المشهـد في الشارع واثـار نـزاعـات تصادميـة في داخـل المنظـومـات التصنيميـة الحاضنـه نفسهـا , وأدخلهـا في معتـرك وصـل الى حـد الصـدام المسـلح , مثل ذلك الذي حصل بين صنميي ال صدر وصنميي ال حكيم , وبين صنميي ال صدر وصنميي الدعوه المالكيين , او العداء التاريخي بين صنميي ال حكيم وصنميي الدعوة الماالكي الدعوجيين , نـاهيك عن العداءات الصامتـه بين عبدة كهنوت مرجعية السيستاني وعبدة كهنوت مرجعية ال لصدر وال حكيم حـيث المشاهـد تتعـدد صورهـا وثقـافـة التصنيـم تتوالـد أصنامهـا .

مـن خـلال استقـراء حـركـة تقلبـات ولاءات الشخصيـة العـراقيـة وإنقـلابهـا على نفسهـا مـع تغيـرات المنـاخ السياسي فـي الشـارع وتـأثـرهـا المطـلق بسلطـة الحـاكـم وسطـوتـه , وولاءهـا النفعـي المقـزز لـمـن تجالس مـؤخـرتـه كـرسي الحكـم ويمسـك بيده عصـى السلطـة , تـؤكـد وبـدون أدنـى شــك إن ثقـافـة التصنيـم فـي الشـارع العـراقـي هـي أقـرب ( لـلـطـَـبـع ) المترسـخ بالعقــول منـه الـى ( الـتـَـطبـع ) الاستهـوائـي , حـيث تبقـى هـذه الأشكاليـة متجذره ومتجـدده فـي نفس الـوقـت , ومثلما قالهـا أهلنـا بتندراتهـم وأصـابـوا ( أبـو طـَـبـع مـا يغيـر طـَـبعـه والجـلب مـا ينعـدل ذيلــه ) , وواهم مـن يعتقـد إن العمليـة الديمقـراطيـة وممـارسـاتهـا يمكـن أن تحـد مـن وبـائيـة هذة الإمـراضيـة أو على الأقـل تحتـويهـا , مـا دام الشـارع بشقيـة السياسي والشعبي الجمـاهيـري يجهـل ثقـافـة الديمقـراطيـة والحـريـة , ويـرى فـيهـا انفـلات مجتمعـي وسياسي وتمـرد على سلطـة القـانـون , و توجيه لكـل هذا لمـا يخدم فسـاده ومنافعـه وفئويتـه وطـائفيتـه ومذهبيتـه على حسـاب الوطـن والمجتمـع و مبدأ المواطنـه المتكافئـه .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى