توصيف خاص التداعيات الأولية للتدخل العسكري المصري في ليبيا

العناصر :

  1. ردود الفعل على الهجوم الجوي المصري على مدينة درنا ببعدين سياسي و عسكري .
  2. مخاطر المشهد الليبي بعد التدخل العسكري المصري .
  3. الجزائر و إجراءات إستباقية .
  4. هل المعركة البرية ستحسم وجود الجماعات الجهادية في ليبيا؟
  5. تقديرات بشأن تدفقات لعناصر مقاتلة من دول المغرب العربي ومن الدول الأوروبية للقتال في ليبيا .

التداعيات الأولية للتدخل العسكري المصري في ليبيا

لم يمض إلا أيام قليلة على الهجوم الجوي المصري على مدينة درنا يوم الإثنين 16 شباط حتى بدأت ردود الفعل تتوالى على هذه العملية .

ردود الفعل إتخذت بعدين :

الأول : بعد دبلوماسي و سياسي ، طرح موضوع التدخل في ليبيا من قبل عدة أطراف و على رأسها مصر تطالب بتفويض دولي يفضي إلى إقامة تحالف للتدخل العسكري الأوسع نطاقا أي إقامة تحالف إقليمي جديد يقود المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا و في الجوار المتداخل معها على غرار التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق وسوريا .

مثل هذا التحرك المصري في مجلس الأمن يقابل بالتأييد من قبل دول مثل فرنسا وإيطاليا و دول عربية مثل السعودية و الأردن ، لكن من ناحية أخرى هناك دول تعارضه مثل الجزائر و تونس و السودان و قطر .

المعرضون للتدخل في ليبيا يؤكدون أن التدخل العسكري لن يحسم الوضع في ليبيا و أن خيار التفاوض و الحوار و تحقيق المصالحة هو الخيار الأمثل لدرء خطر تنظيم الدولة الإسلامية .

البعد الثاني : هو البعد العسكري العملياتي ، و هو ما تقوده و تؤكد عليه و تشدد مصر حتى لو تطلب الأمر القيام به بمفردها . مجلس الأمن لم ينسج موقفه على المنوال المصري فلقد شدد على أهمية الخيار السلمي و الحوار بين جميع الأطراف والأطياف الليبية .

مخاطر المشهد الليبي بعد التدخل العسكري المصري :

يتسم المشهد الليبي بعد الضربة الجوية المصرية بملمحين :

أولهما : حالة الحراك داخل القوى المتصارعة في ليبيا قوات فجر ليبيا و الحكومة في طرابلس برئاسة عمر الحاسي و المؤتمر العام و في الجانب الآخر الجنرال خليفة خفتر و حكومة عبد الله الثني و البرلمان في طبرق ، بالتوازي مع هذا الإصطفاف السياسي هناك إصطفاف أمني و عسكري و عملياتي يتوزع كالتالي :

  • قوات فجر ليبيا و مجلس شورى ثوار بنغازي مدعومة بحركات جهادية من داخل ليبيا و خارجها .
  • أنصار الشريعة و كتائب شهداء 17 فبراير و كتائب مسراته و حركة التوحيد و الجهاد و أجناد مصر و تنظيم الدولة الإسلامية المتواجدة في شرق ليبيا و في طرابلس ،و في سرت و مناطق أخرى .
  • قوات خفتر عملية الكرامة و الجيش الوطني التابع لرئيس الوزراء عبد الله الثني ، هذه القوات مدعومة من مصر و دول أخرى .

إلى جانب هذا الإصطفاف الأمني و السياسي المحكوم بالإعتبارات المختلفة والخاضعة لمعطيات في طريقها إلى التغيير راح يتشكل إصطفاف إقليمي على الساحة الليبية .

الأول : تقوده مصر و إلى جانبها المملكة السعودية و الأردن و بعمق دولي (لإيطاليا و فرنسا )

الثاني : يتشكل من كل من تركيا و قطر بالإضافة إلى حركات الإخوان المسلمين و خاصة التنظيم الدولي في تركيا و بريطانيا.

ليبيا هل تتحول إلى أفغانستان ؟

إذا إعتمدنا ردود الفعل الأولى داخل ليبيا للنمط العام للعنف و المتوقع بحسب تقديرات الباحث بالشؤون الليبية الدكتور أحمد شهاب أن توجه عمليات العنف من قبل الجماعات الجهادية في ليبيا في إطار منظومة الرد على الهجوم المصري إلى *إستهداف المدنيين المصريين و الأجانب و خاصة من الدول التي أيدت الهجوم المصري ، و كذلك أية عملية برية قد تقدم عليها السلطات المصرية في ليبيا .

*تصعيد الهجمات في دول الجوار ، هذا التصعيد قد يطال مصر نفسها و كذلك دول مثل تونس و مالي و النيجر و نيجيريا .

الدلالة المهمة في هذا المشهد الأمني أن الحركات الجهادية و على الأخص تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا راحت تستغل تداعيات الهجوم المصري على المزاج العام الليبي من أجل تعزيز و تعميق و السيطرة على مناطق جديدة في سرت و إعلان طرابلس ولاية تابع لتنظيم الدولة الإسلامية و أنه قد يسيطر على مقاليد الأمور في ليبيا .

ليس هذا فقط فقد إستنفرت الحركات التي بايعت التنظيم من أجل الإنتقال إلى مرحلة متقدمة من التصعيد و هذا ما أكدته العمليات و الهجمات في عدة ساحات:

  1. تونس إستئناف الهجمات ضد قوات الجيش و الحرس الوطني و سقوط أربعة عناصر في هجوم بمنطقة القصرين على الحدود مع الجزائر .
  2. قيام جماعة بوكو حرام النيجيرية بتصعيد عملياتها بإحراق مدينة في شمال نيجيريا و تصعيد في الكمرون و في تشاد .
  3. إعلان الجزائر إستنفار شامل لقواتها الجوية و من قبل قواتها البرية على الحدود مع مالي و ليبيا و مع تونس على ضوء إحتمال تدهور الوضع في ليبيا و عبور هذا التدهور إلى دول الجوار و الجزائر في المقدمة .

الجزائر إجراءات إستباقية :

الجزائر كما يؤكد الباحث في الشؤون الأمنية و المتخصص في الجماعات الجهادية العميد المتقاعد أحمد سلطان كانت قد إستبقت الهجوم المصري على درنا فعمدت إلى إتخاذ سلسلة من الإجراءات العسكرية الإحترازية . منها :

  • تعديل التقسيم الإقليمي و المناطق العسكري بسبب التطورات الأمنية والتحديات العابرة للحدود إلى الجزائر من دول مثل مالي و ليبيا و من دول أخرى مجاورة مثل النيجر .
  • إنشاء قيادة عسكرية خاصة للحدود مع ليبيا يقودها ضابط برتبة عقيد وصلاحيات واسعة .
  • إنشاء قيادة للمنطقة العسكرية المسؤولة عن الحدود مع مالي ، إضافة إلى الإبقاء على قطاع العملياتي العسكري في ولاية أدرار المسؤول عن الحدود مع النيجر .
  • تحويل القطاع العسكري في ولاية تندوف إلى جزء من ولاية أدرار والصحراء الغربية و الحدود مع موريتانيا إلى منطقة عسكرية بصلاحيات واسعة ويقودها ضابط برتبة عميد .

هذا القرار أملته بحسب قراءة للواء المتقاعد محمد فتحي إعتبارات أمنية وكنتيجة لتحول دول إفريقية عديدة إلى ساحات مواجهة مع التنظيمات الجهادية و على الأخص التي تدين بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية .

التداعيات المستقبلية :

رغم أن التدخل العسكري المصري مازال في بداياته و أنه قابل للتصعيد ليصل إلى مستوى التدخل البري إلا أن هناك العديد من الخبراء راحوا يحذرون من نتائج هذا الإجراء المصري من بين هؤلاء الخبير الأمني المصري اللواء عبد الحميد عمران . اللواء المتقاعد محمد خالد ، اللواء المتقاعد طلعت مسلم ، اللواء المتقاعد عبد الوهاب محمد ، العميد المتقاعد احمد سلطان ، هذا إضافة إلى جنرالات أمريكان شاركوا في الحرب ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان و العراق و اليمن والصومال .

أهم عناوين هذه التحذيرات :

  1. التدخل في العراق أنتج تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بزعامة أبو مصعب الزرقاوي ، التدخل في الصومال أنتج حركة الشباب المجاهد ، هذا التدخل جسدته كلا من إثيوبيا و كينيا و أوغندا . ثم التدخل الأمريكي في اليمن الذي أسهم في تخليق تنظيم القاعدة باليمن و مأرب و شبواه و حضر موت بل في السعودية تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية .
  2. إنتاج موجة تدفق للجهاديين المقاتلين إلى ليبيا .و بحسب قراءة لمعطيات تم جمعها عن موجات المتطوعين للقتال في سوريا و العراق فقد بلغ عدد هؤلاء 30 ألف مقاتل من أكثر من 50 دولة تتقدمهم دول المغرب ليبيا و تونس و الجزائر و أن آلاف الشباب سينتقل إلى ليبيا و دول الجوار للمشاركة في التصدي لأي هجوم مصري منفرد أو تحالف دولي و إقليمي .

من دول مغاربية : ستنطلق موجة بشكل غير شرعي و عبر عمليات تسلل من تونس و الجزائر و المغرب و موريتانيا . هذه العناصر تنتمي إلى عدة حركات تنتشر في بلاد المغرب و في دول الساحل مالي النيجر و غرب إفريقيا و نيجيريا ، مثل حركة التوحيد و الجهاد و المرابطون و الملثمون و أنصار الدين و أنصار الشريعة بالإضافة إلى حركات الإسلام السياسي أي أعضاء في حركات الإخوان المسلمين من المغرب و موريتانيا و حتى من الجزائر .

الدول الأوروبية التي تتواجد فيها الجاليات الجزائرية فرنسا إسبانيا و بلجيكا وألمانيا و بريطانيا ، عدد المقاتلين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية و جبهة النصرة في العراق و سوريا بلغ 3 آلاف حسب تقديرات أوروبية لكن هناك معطيات أخرى تضاعف من هذا العدد .

الباحث في الشؤون الأوروبية مروان حسين يشي أن هناك أكثر من دافع و داعي وراء أية تدفقات للمجاهدين .

الأول : الصلة مع دول المغرب الإجتماعية و حتى الإيديولوجية

( أي الأصول المغاربية) و هي أقوى مما إتسمت به تدفقات المقاتلين إلى سوريا و العراق من قبل نفس الأصول .

الثاني : سهولة الإنتقال إلى الجبهة الجهادية في ليبيا و محيطها نظرا لأن هذا الإنتقال يتم في ظل إجراءات أمنية أخف وطأة لأن مئات الآلاف من المغاربة يقضون إجازات العيد و المناسبات الأخرى و حتى السياحة و يسافرون سنويا إلى بلادهم و على الأخص الجزائر و المغرب و تونس .

الثالث : العلاقة الجهادية التي نسجت على منوال تنظيم القاعدة

( التنظيم الأم ) ثم تنظيم الدولة الإسلامية و جبهة النصرة و القاعدة في اليمن و شبه الجزيرة العربية إضافة إلى إنتماءات سابقة إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والحركة السلفية للقتال في الجزائر ، هذه العلاقة سيكون لها تأثير كاسح على الدافعية للجهاد في ليبيا .

الرابع : بعد لحركة الإخوان المسلمين في إستدعاء المقاتلين للتوجه إلى ليبيا و هناك من يذهب إلى أن الإستجابة للتوجه إلى ليبيا ستكون أكبر و أوسع من إستجابة المغاربة للقتال في سوريا و العراق .

الخامس : الجيل الجديد من المقاتلين الذين إلتحقوا بتنظيم القاعدة و فصائله والحركات التي تدين له بالولاء الإيديولوجي في الأقطار التي عادت إليها أرتال ما سمي بالأفغان العرب .

هل المعركة البرية من جانب الجيش المصري ستحقق الحسم ؟

الولايات المتحدة و في ظل إدارة أوباما تواجه في ليبيا المشكلة نفسها التي واجهتها في أفغانستان و في الصومال و العراق من قبل و اليمن أي أن الحسم العسكري في المواجهة ضد الحركات الارهابية لم يكن سهل المنال . هذا ناهيك عن أن الولايات المتحدة متورطة في حرب في العراق و سوريا و إن كانت هذه المعركة تدار من الجو و حرب الجو و بحسب تأكيدات و تحليلات خبراء إستراتيجيين لا تحسم الحروب غير المتناظرة أو ضد حركات تخوض حروبا شعبية .

التردد الأمريكي في بناء تحالف جديد في شمال إفريقيا يعزوه الباحث في الشؤون الأمريكية الدكتور علي كامل إلى أن مثل هذا الإجراء قد يأتي بنتائج عكسية مزيد من التصعيد الإرهابي و تنامي جماعات إرهابية و تمدد لتنظيم الدولة الإسلامية إلى دول إفريقية ، و بحسب الباحث فإن هناك إتجاها داخل الإدارة الأمريكية يدفع بإتجاه الحلول السلمية و السياسية على غرار الحل الأفغاني الذي مهد لإنسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان دون الإصغاء للجنرالات في باكستان بتصعيد الحرب ضد طالبان و القاعدة .

المركز العربي للدراسات والتوثيق

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى