تفجير بئر العبد تحوّل في الصراع بقرار إستخباراتي عالي المستوى

ابراهيم ناصرالدين

لم يستغرب احد في الضاحية الجنوبية حصول انفجار سيارة مفخخة في بئر العبد،ولم يصب ابناء المنطقة بالصدمة او الذهول من هذا الاستهداف، فالبيئة الحاضنة للمقاومة كانت مهيأة لمثل هذا الاعتداء وتعيش حالة ترقب منذ اشهر، وكان السؤال المحّير هو لماذا تاخر هذا الاستهداف الارهابي كل هذا الوقت رغم ان المناخ الخارجي والداخلي كان قد مهد الطريق لهذا الاعتداء. أما بعد حصول الجريمة فبات السؤال المطروح هو لماذا الان ومن هم المتورطون؟ وما هو التالي؟ وكيف سيتعامل حزب الله مع هذا التحول الاستراتيجي في الصراع مع اعدائه وخصومه على حد سواء؟

بعيدا عن التحقيقات الميدانية، وبانتظار تتبع الخطوط المباشرة وغير المباشرة لهذا التفجير، تجدر الاشارة الى ان اعداء الحزب كثر واحتمالات تورط اكثر من جهة خارجية وداخلية محتمل، ولا يمكن اقفال الباب على اي من الفرضيات القريبة أوالبعيدة، هكذا بدأ التحقيق امس بوضع كل المعطيات المتوافرة على الطاولة والعمل جار لتضييق الاحتمالات وحصرها وصولا الى معرفة الاطراف المتورطة في التخطيط والتنفيذ.

وفي الانتظار تتوقف اوساط سياسية مطلعة امام طبيعة الهدف المنتقى من قبل المتورطين، فاستهداف منطقة سكنية مكتظة بالسكان لا يوجد فيها اي معلم ديني او حزبي معروف لحزب الله،يعد تحولا خطيرا في مسار الحرب المفتوحة على الحزب، ففي صراعه الطويل مع الاستخبارات الاسرائيلية الموساد كانت هناك قواعد اشتباك معروفة لدى الجانبين، ولم تتعرض مناطق الحزب لاعمال تخريبية مماثلة،وكانت التفجيرات تستهدف عادة سيارات مسؤولين في المقاومة،اي ان الاهداف كانت منتقاة ولم يدخل استهداف المدنيين بالسيارات المفخخة ضمن آليات الصراع المستمر حتى يومنا هذا، والتفجير الوحيد الدامي كان قد استهدف في العام 1985منطقة بئر العبد، ولكن الهدف يومها كان محاولة اغتيال السيد محمد حسين فضل الله من قبل جهاز الاستخبارات الاميركية الـ«سي اي ايه». فهل تريد اسرائيل تغيير قواعد «اللعبة» مع حزب الله؟ أمر مستبعد، ولكن هل هذا يعفيها من المسؤولية في اطاردخولها على خط التوتير الداخلي بهدف خلق مناخ فتنة في البلاد.هنا المصلحة الاسرائيلية موجودة ولا يمكن وضع هذا الاحتمال جانبا.

اما احتمال تورط مجموعات «جهادية» متطرفة تسعى للرد على ما تسميه تدخل حزب الله في الازمة السورية، فهذا الاحتمال قائم بحسب الاوساط بقوة بعد التهديدات المباشرة للحزب باستهدافه في عمق مناطقه، لكن هل من يصدق ان هؤلاء قادرون على التحرك بحرية في بيئة غير حاضنة لهم والاعداد لتفجير مماثل في عمق الضاحية؟ هذا الاحتمال غير قائم خصوصا ان الاجراءات الامنية النوعية التي بدأها الحزب قبل فترة غير وجيزة ضيقت المساحة على هؤلاء وجعلت من احتمالات الخرق الداخلي في النطاق السكاني الذي يشمل الضاحية الجنوبية لبيروت والمخيمات الفلسطينية امرا شديد الصعوبة،فهناك الكثير من كميرات المراقبة وضعت في اكثر من منطقة شديدة الحساسية، كما هناك اجراءات عملانية شبه يومية في اعمال المراقبة والبحث باستخدام الوسائل التقنية العالية المستوى والكلاب المدربة على كشف المواد المتفجرة،فضلا عن عملية احصاء دقيقة للوافدين السوريين الى تلك المناطق، وتنسيق عالي المستوى مع التنظيمات الفلسطينية على مختلف انتماءاتها لضبط اوضاع المخيمات.

ماذا يعني هذا الكلام؟ هذا يعني ان من نفذ وخطط لتلك العملية الارهابية تقول المصادر نفسها تأمن له الظروف المؤاتية خارج نطاق «البيئة» الامنية لحزب الله، وهذا يحتاج الى تضافر جهود استخباراتية محترفة قادرة على التحرك على الاراضي اللبنانية، وهذا ما لا تملكه فصائل المعارضة السورية على مختلف انتماءاتها العلمانية او الاسلامية، لكن اجهزة الاستخبارات الراعية لها لديها قدرات نوعية على القيام بمثل هذه العمليات ولكن ما كان يمنعها في السابق ليس القدرة العملانية وانما القرار بمواجهة حزب الله بهذه «النوعية» القذرة من الحروب.

وامام هذه المعطيات ترى تلك الاوساط ان خطورة انفجار بئر العبد يكمن في ان قرارا عالي المستوى اتخذته اجهزة استخبارات اقليمية وربما دولية في نقل المواجهة مع المقاومة الى مربع جديد سيفتح الباب امام صراع لا حدود له في المكان او الزمان، وفي توقيت وصل فيه الاحتقان المذهبي الى ذروته، ولذلك فان اكثر السيناريوهات المرعبة هو ان لا تكون الجهات المتورطة راغبة بادخال لبنان في اطار النموذج السوري وانما العراقي، وهذا يتطلب الكثير من الترقب والحذر لما يمكن ان يحصل في الايام والاسابيع المقبلة، ولمن لا يعرف فأن العابثين بأمن العراق نجحوا في زرع الفتنة هناك عبر تفجيرات متنقلة استهدفت مناطق شيعية واخرى سنية ليبدو الامر كأنه عمليات انتقام متبادلة،وبعدها اريقت وما تزال الكثير من الدماء. فهل دخل لبنان زمن «العرقنة»؟

كل الاحتمالات واردة، ولكن الثابتة الوحيدة ان ثمة تغيير جدي قد حصل في «قواعد اللعبة»، بغض النظر عن المتورطين بالتفجير،وهذا يعني ان حزب الله لن يبقى مكتوف الايدي امام هذا التطور الخطير وهو مضطر لتغيير «قواعد الاشتباك» مع خصومه واعدائه، وهو سابقا كان قد ارسل رسائل واضحة الى كل الاطراف ذات القابلية للتورط،بان الانتقال الى العبث بامن البيئة الحاضنة للمقاومة سيكون مكلفا للغاية، ومن يثبت تورطه سيدفع اثمانا غالية ليس بمقدوره ان يتحملها. لكن كيف؟ واين؟ ومتى؟ لا يدعي احد معرفة الاجوبة على هذه الاسئلة لكن التجربة تفيد بأن الحزب لا ينام على ضيم ولا يترك الامور للصدف، وهو كان يعرف مسبقا انه غير قادر على منع خروقات امنية مماثلة، لان امرا كهذا مستحيل، ولكنه كان يعرف ايضا ان ما يمنع حصول ذلك هو انعدام رغبة الاعداء في تجاوز «الخطوط الحمراء»، أما وقد اختاروا ذلك فان الاغبياء وحدهم يمكن ان يظنوا ان الحزب لا يمتلك خططا جاهزة لمواجهة التحدي الجديد. أما من يراهن على «دموية» التفجيرات لتغيير نمط وسلوك حزب الله في الداخل اللبناني أو على الساحة السورية، فهو واهم، فالمقاومة وجمهورها يعرفون ان ما يحصل جزء من ضريبة الدماء الواجب تسديدها في معركة استراتيجية لا مناص الا بتحقيق الانتصار فيها.

الديار

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى