ترامب يضمن السعودية فماذا عن مصر؟

ناصر قنديل | لا يمكن الفصل بين الإعلان الأميركي عن جعل موعد نقل السفارة الأميركية إلى القدس في ذكرى اغتصاب فلسطين هذا العام بعد أقلّ من ثلاثة شهور، عن القياس الأميركي لمتانة الحلف الذي تشكّل بين أميركا و«إسرائيل» وحكومات الخليج وخصوصاً السعودية والإمارات، وجهوزية هذا الحلف لتحمّل تبعات هذا القرار الإجرائي، الذي كان مقرراً بعد سنوات، كما أعلن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون مع إعلان رئيسه دونالد ترامب التوقيع على قرار النقل، لكن السعودية وشركاءها في الخليج لا يشكلون ضمانة كافية لامتصاص نتائج هذا التطوّر الاستفزازي الذي بدا بوضوح أنّ ساحة التصدّي له لا تزال فلسطين، دون أن تظهر علامات غضب عربي شعبي كافية للجم الحكومات عن اندفاعها وراء الأميركي بلا حساب أو دفعها للتحرّك في مواجهته.

باستثناء مبادرة محور المقاومة لتحريك شارعه في لبنان والعراق وإيران، واليمن الذي خرجت حشوده الشعبية تحت قصف الطائرات السعودية تنتصر لفلسطين، فيما بدت فلسطين وحيدة عربياً، حيث فاضت ردود الأفعال في عواصم العالم الإسلامي عن تلك التي شهدها العالم العربي، وبعض عواصم الغرب، بما جعل واشنطن تثق بأنّ عملية ترويض الشارع العربي قد بلغت مراحل متقدّمة لجعله ممسوكاً من الحكومات من جهة، وواقعاً تحت تأثير حبوب الهلوسة التي حُقِن بها بدفع الصراع مع إيران والعصبية المذهبية لمكان يتقدّم على قضية بحجم وقدسية القضية الفلسطينية وما تثيره القدس من مشاعر وانفعالات.

تاريخياً وسياسياً تشكّل مصر بيضة القبان، فتاريخياً هي الشارع العربي وغياب الشارع المصري عن قضية إعلان القدس عاصمة لـ«إسرائيل» كان لافتاً، وتاريخياً مصر هي القوة العربية السياسية الوازنة دولياً، وعربياً وإسلامياً، رغم ما يبدو في الظاهر من مكانة متقدّمة للسعودية لم تتحقق إلا بسبب ارتضاء مصر التراجع للخلف، وتسليم راية القيادة للسعودية، كما قالت قضية التنازل المصري عن جزر تيران وصنافير للسعودية وملاحقة السلطات لكلّ مَن قال بأنّ الجزر مصرية، في تصرف لافت للنظر ومثير للتعجّب. وسياسياً تشكل مصر الجوار المباشر لفلسطين على حدود مفتوحة مع قطاع غزة، حيث خزان المقاومة الفلسطينية، وحيث تتحكّم مصر بالكثير من مفاتيح الموقف الفلسطيني وقوة حضوره بوجه مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، عبر ثقل تأثيرها الجغرافي والاقتصادي والأمني والديمغرافي.

خلافاً لكثير من الآمال التي رسمت على مرحلة ما بعد الأخوان المسلمين في مصر، ودور الجيش في ردّ الاعتبار لمكانة مصر في القضايا العربية، يبدو الحكم في مصر مندفعاً بقوة مصلحة سلطوية صرفة بتعديل الدستور لتأمين ولايات غير محدّدة للرئيس، مستعدّاً لتقديم ما يلزم للحصول على دعم واشنطن والرياض كعاصمتين قادرتين على العرقلة وتملكان مفاتيح المال والمخابرات لإسناد قوى الاعتراض وإثارة الضجيج، ويبدو الثمن واضحاً للسماح بقمع كلّ صوت احتجاج وصرخة اعتراض، وهو تسليم القرار الإقليمي والدولي لواشنطن، خصوصاً بما يخصّ القضية الفلسطينية حتى حدّ المبادرة لتطبيع اقتصادي مستغرَب في صفقة الغاز التي يتباهى بها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وبالتوازي تسليم القيادة العربية للسعودية.

الاستفزاز والتحدي اللذان يختزنهما قرار توقيت نقل السفارة الأميركية إلى القدس، يطرح على الفلسطينيين، ومَن معهم في المشرق والمغرب، مسؤولية التحرّك دون آمال توضع على شارع عربي جارف، أو على موقف رسمي جادّ، بعدما صار ثابتاً أنّ الخليج ومصر خارج الحساب.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى