الإمام القائد السّيد موسى الصّدر .. همّة أحيت أمّة

04ولد الامام السيد موسى الصدر في الرابع من حزيران العام 1928 في مدينة قم الايرانية التي هاجر إليها أجداده لتلقي العلم فيها حيث تلقى في مدارسها الحديثة علومه الابتدائية والثانوية، كما تلقى الدراسات الدينية في كلية “قم” للفقه. تابع الإمام دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة طهران ، وكانت عمّته أول عمامة تدخل حرم هذه الجامعة، وحاز الإجازة في الاقتصاد كما أتقن اللغتين العربية والفارسية، وألّم باللغتين الفرنسية والانكليزية.

تميّز الإمام الصدر بنبوغه وتميّزه بين أقرانه فصار أستاذاً محاضراً في الفقه والمنطق في جامعة “قم” الدينية ثمّ انتقل في سنة 1954 إلى العراق ، وبقي في النجف الأشرف أربع سنوات يحضر فيها دروس المراجع الدينية الكبرى: السيد محسن الحكيم، الشيخ محمد رضا آل ياسين والسيد ابو القاسم الخوئي، في الفقه والأصول.

أثناءَ زيارتِه الأولى الى لبنان عام 1955 لتفقدِ أقربائِه, تلمّسَ الإمامُ الواقعَ المزري الذي كان يسودُ فيه, من طائفيّةٍ بغيضةٍ تميّزُ بين أهله, الى إنماء غير متوازنٍ لمناطقه, فصمّم أن يحملَ رسالةَ هذا البلد و يعيدَه الى القيمِ التي نشأ عليها شعبُه , فكان أن استقرّ في لبنان نهائيا عام 1959 وتحديدا في مدينةِ صور التاريخيةِ العريقة .

لم يهدأ الإمامُ منذُ أن وطأت قدماه أرضَ لبنان وكانت أولى ثمارُ نشاطاتِه منعُ التّسوّل في مدينةِ صور معالِجا ذلك بالمساعدةِ على إيجادِ فرصِ عملٍ للمؤهَّلين و اقامةِ حملةِ تبرعاتٍ للمحتاجين غير القادرينَ على العمل, و ذلك في فترةٍ قياسيّةٍ مقارنةً بحجمِ انتشارِ هذه الظاهرةِ آنذاك .

اصطدمَ الإمامُ بواقع غريبٍ على ثقافةِ اللبنانيين, الذين طالما تغنوا بالتعايشِ بين الطوائفِ لمئات الأعوام إلا أنَّ التدخلاتِ الأجنبيةِ و مطامعَ السياسيين جعلت الطائفيةَ أمراً واقعًا فتنبّهَ الإمامُ لمخاطرها و حذّر منها مطلقًا عبارته الشهيرة “الطوائف نعمة و الطائفية نقمة “.

لم يميز الإمامُ بين كنيسةٍ و مسجد, لأنّه يعتبرُ أنّ كلاهما رسالةُ الله للبشر فكان خطيبَ الجُمُعَة في المسجد وواعظِ الأحدِ في الكنيسة, واضعا الإنسانَ كهدفٍ للأديان. فالإيمانُ بمفهومِه لا ينفصلُ عن خدمةِ الناسِ و الدينُ ذو بعدين : واحدٌ نحو السماءِ و آخرُ نحو الإنسان . وبالتالي لا معنى لأية طقوسٍ دينيةٍ لا تصبُ في هذا الهدف .

كانَ الإمامُ رجلَ الدينِ المسلمِ الأول الذي يدخلُ الكنيسةَ في لبنان فكيفَ الحال بارتقائِه مِنْبَرَها و إلقائِهِ عظاتِه متكلّمًا باسمِ اللهِ و جميعِ الرسالاتِ السماويةِ وداعيًا

14الى الموعظةِ و الكلمةِ الحسنة . وتوّجَ الإمامُ ذلكَ بزيارتِه الى الفاتيكان و لقائِه بالبابا فكانَ بذلكَ أولَ رجلِ دينٍ مسلمٍ في العالم يقومُ بهذا الأمر . ومعَ انشائِه المجلسَ الإسلاميَّ الشيعيَّ الأعلى أصرّ الإمامُ على أن يكونَ مقرُّ المجلسِ في منطقةِ الحازميةِ التي تقطنها أغلبيّةٌ مسيحيةٌ و حتّى عندَ اندلاعِ الحربِ الأهليّةِ المشؤومةِ و الفرزِ الطائفيِ البغيض, رفضَ مغادرتَه بالرغمِ من التهديدِ اليوميِّ بالقتل.

احتلّت المرأةُ مكانةً متقدّمةً لدى الإمامِ الصدرِ في ظلِ مجتمعٍ ذكوريٍّ قاسٍ فاعتبرها نِصفُ المجتمعِ الذي تثقيفُه يعني أيضا تثقيفَ النِصفِ الآخر و دعا الى ضرورةِ عدمِ التفريطِ بالطاقاتِ و القدراتِ النسائية, كما دعا الى عدمِ حصرِ دورِ النساءِ في مجالِ المنزل. فأسّس بيتَ الفتاةِ الذي من شأنِه تعليمُ الفتياتِ مزاولةَ الحِرَفِ و المهنِ المناسِبةِ. و كان يكرّمُ المتفوّقاتِ ويشجّعهُنَّ على ترجمة طاقاتهِنَّ بما يفيدهُنَّ و يفيدُ المجتمع .

ولعلّه من ثمار ذلك انشاء جمعيّات ضخمة بمبادرات من نساءٍ نشأن في خطّ الإمام كمؤسسات الإمام الصدر التي تديرها شقيقة الإمام السيدة رباب الصدر .

اهتمّ الإمام بمجال التّثقيف فكان يلقي المحاضرات في النوادي و الجمعيات و دور العبادة في مختلف المجالات الدينية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية . كما له العديد من المؤلّفات في هذه المجالات إضافةً إلى أبحاث في الإقتصاد. كما كتب العديد من المقدّمات لكتّاب عالميين كالمستشرق هنري كوربن .وتشكّل محاضرات الإمام الصّدر ساحةَ ثقافيّة غنيّة في مختلف المجالات فهو الأديب المفوّه و الخبير الإقتصادي و الباحث في علم الإجتماع .

وقبل كلّ ذلك يعتبر الإمام موسى الصّدر واضع أسس نظريّة حوار الحضارات التي تشكّل النقيض لنظرية صدام الحضارات و التي لم تخلّف سوى الحروب و الدّمار . لقد استشعر الإمام منذ زمن بعيد الخطر الذي قد تشكّله هذه الأيديولوجيّة على الإنسانيّة جمعاء و رأى بالمقابل الفوائد المتأتّيّة من تلاقح الثّقافات استناداً الى التّجربة الكبيرة في الشّرق.

وما الحروب التي شهدها العالم طيلة العقد الأوّل من القرن الحالي سوى نتاجٍ صغير لمنهجيّة التّصادم التي نظّر لها أصحاب المطامع .

اهتمّ الإمام بالمحرومين من كلّ الطّوائف فوضع نصب عينيه انتشالهم من حرمانهم و فقرهم دونما تمييز بينهم فأسس حركة المحرومين التي وقع على ميثاقها 191 شخصية فكرية من مختلف الطوائف وتعهدت بالعمل على أن لا يبقى في لبنان محرومٌ واحد أو منطقةٌ محرومة .

08ومع تعرض جنوب لبنان للاعتداءات أسّس الإمام هيئة نصرة الجنوب التي ضمّت اليه بطريرك الكنيسة المارونية أنطونيوس خريش و قاضي محكمة صيدا السنية الشيخ أحمد الزين و آخرين من الذين حملوا مع الإمام همّ هذه القضية . كما تأسس مجلس الجنوب بضغط شعبي قاده الإمام و كان لهذا المجلس الدور الكبير في انماء الجنوب دونما تمييز بين مناطقه. وقد دعا الدّولة إلى تحمّل مسؤوليّتها تجاه الجنوب وشعبه إلّا أنّ تقاعسها دفع بالإمام إلى تشكيل مقاومة لبنانيّة تتصدّى للإعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة فكانت أفواج المقاومة اللبنانيّة أمل التي أعلن الإمام الصّدر عنها في المؤتمر الصّحفيّ الشّهير إثر انفجار عين البنيّة

في نيسان من العام 1975 اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية بين اليمين و اليسار اللبنانيَّين فهب الإمام لإسكات صوت المدفع متنقلا بين مختلف الجهات ومعرضا حياته للخطر من أجل إيقاف الحرب إلّأ أنّ صوت المدفع كان أعلى من صوت الكلمة و الضمير فاعتصم الإمام في مسجد الصّفا في العامليّة صائما عن الطعام و شاركه العديد من الشّخصيّات الوطنيّة إلى أن تشكّلت حكومة محايدة. ومع قيام بعض المسلحين بالقيام بأعمال ثأرية تستهدف المسيحيين الأبرياء في منطقة البقاع ردا على مقتل مسلمين على أيدي مليشيات مسيحية متطرفة سارع الإمام الى وقف اعتصامه وتوجه إلى دير الأحمر لفكّ الحصار عنها.

 

05ومع اشتداد المحنة و الاعتداءات التي تعرض لها الجنوب لا سيما في آذار 1978 قام الإمام بجولة عربية للطلب من الدول المؤثّرة في الوضع اللبناني الداخلي وتلك التي كانت تمول الأطراف المتصارعة إيقاف القتال فزار سوريا و المغرب و السعودية و الجزائر . وأثناء تواجده في الجزائر نصحه رئيسها بومدين بزيارة معمر القذافي الذي كان يلعب على حبل التناقضات المحلية و يمول اليمين و اليسار على حدٍّ سواء للاستمرار بالحرب الأهليّة و إذكاء نارها . فعاد الإمام إلى لبنان ثمّ توجّه الى ليببا بناءً على دعوةٍ رسميّةٍ من القذّافي و رافقه الشيخ محمد يعقوب و الصحافي الكبير عباس بدر الدين و ذلك في 25 آب 1978 . منذ وصوله الى ليبيا انقطعت أخبار الإمام و تجاهل الاعلام الرسمي الليبي وجوده كما لم يبادر الى الاتصال بعائلته على خلاف عادته في أسفاره وشوهد للمرّة الأخيرة في 31 آب 1978 في فندق الشاطئ في العاصمة الليبية طرابلس ..

وما زال الوطن ينتظر إمامه

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى