بين روسيا والغرب، صراع البحث عن الدور والموقع

سبعون مليون قتيل حصيلة الحرب العالمية الثانية، نصفهم تقريباً سقط على الجبهة الشرقية للحرب فقط بين الروس والألمان، من معركة بارباروسا الى روستوف ثم الهجوم السوفياتي المضاد صيف 1941 ومعارك الدون وفولجا والقوقاز صيف 1942، مروراً “بحرب الاستمرار بين فنلندا وروسيا في مورماسك الحدودية وصولاً الى ستالينغراد وانتهاءً بمعركة سقوط برلين وانهيار الرايخ الثالث.

السقطة الأولى

انتهت الحرب التي كان للروس الفضل الأكبر فيها في نقطة التحول الأولى في الحرب، ثمانون بالمئة من خسائر الجيش النازي في الحرب كانت على يد الروس، وبعد سقوط برلين واستسلام ألمانيا دون شروط، وقّعت روسيا اتفاق إنهاء الحرب في مؤتمر بوتسدام في حزيران 1945، إلّا أنّ هجوم أميركا الوحشي بالقنبلتين الذريتين على اليابان بعدها بشهر واحد جعل الولايات المتحدة صاحبة الطلقة الأخيرة، والمنتصر الأكبر الذي لم يدفع ربع الثمن الذي دفعه باقي الحلفاء وعلى رأسهم روسيا، وبرأيي، كانت هذه السقطة الأولى لروسيا، والتآمر الأول لأميركا عليها وعلى الثمن الكبير الذي دفعته، فكان من نتائج الخطوة “البلطجية الإجرامية” للولايات المتحدة على اليابان أن تشكلت الأمم المتحدة في نيويورك وليس في موسكو.

روسيا التي خاضت معركتها الداخلية (الحرب الاهلية أو الحرب البلشيفية) الضروس التي استمرت حوالي عقدين من الزمن قبيل الحرب العالمية الثانية والتي كان للولايات المتحدة مذاك الوقت يداً تخريبية فيها، استطاعت أن تنشئ كياناً حاضراً ليكوّن دول عظمى قادرة على المشاركة في قيادة القرن العشرين، وانتقلت الى معركتها الخارجية في الحرب العالمية الثانية لتثبت أيضاً أنها تستحق أن تكون من أسياد هذا القرن وبكل جدارة. وبكلا الاستحقاقين الداخلي الخارجي، قدمت روسيا الفاتورة الأعظم في تاريخ البشرية لتستحق هذا الدور الريادي وتسود العالم.

غيرت الحرب العالمية الثانية الخارطة السياسية والعسكرية والبنية الاجتماعية في العالم أجمع، وتقاسم الحلفاء غنائم الحرب والنفوذ العالمي في ظل تراجع النفوذ الأوروبي حينها، كان من نتائج تلك الحرب تعاظم النفوذ الأمريكي على العالم وهيمنة الصهيونية العالمية على القرار السياسي للبيت الأبيض ومحاولة الولايات المتحدة ممارسة دور شرطي العالم الداعي للسلام والأمن العالمي بالمفهوم الأمريكي فقط، مما شكل تضارباً في المصالح بين روسيا، التي بدأت عملية إعادة بناء ضخمة للدولة القوية والمتطورة وبين الولايات المتحدة، وقد شكل سباق التسلح (حرب الصواريخ) والتفوق الفضائي (حرب النجوم) أولى بدايات الصراع السوفياتي والأمريكي الذي استمر لأكثر من سبعةٍ وأربعين عاماً، وانتهى بخسارة الاتحاد السوفيتي وتفكّكه وسقوط المنظومة الشيوعية خريف عام 1989.

السقطة الثانية

عناصر كثيرة ساهمت في خسارة المواجهة وضياع “الحلم السوفياتي”، أهمها الفساد والتآمر الداخلي (فترة غورباتشوف الذي حضر الاتحاد للسقوط وقايض الامبراطورية الروسية بتوكيل سلسلة ماكدونالد في الاتحاد السوفياتي، وبعدها يلتسين العجوز الذي استكمل عملية تدمير روسيا بعد الإنهيار)، بالإضافة الى الخلل الاقتصادي المتمثّل باختلال التوازن في توزيع الدخل القومي بين أبناء الشعب والشعوب المنضوية تحت الراية الاشتراكية الحمراء والتفاوت بين النظري والتطبيق لمنظومة الفكر التي أسسها ماركس وانجلز ولينين، والخرق المخابراتي الكبير للمنظومة العسكرية (والذي لعبت فيه “إسرائيل” دوراً بارزاً عبر صفقة آبل المشبوهة).

أميركا وبوتين، صراع النهوض

شكّلت أحداث 11 أيلول منعطفاً جديداً في السياسة الدولية، وكذريعة لتلك الأحداث عزّزت الولايات المتحدة هيمنتها على العالم وشكلت هاجس خوف حقيقي على الأمن النفطي العالمي كنتيجة لحروبها المفتعلة في المناطق الغنية بالنفط. تزامناً، بدأت الدول الصناعية تتوجّه أكثر فأكثر باتجاه الغاز السائل لتطابقه من مواصفات التوصيات التي طلبها مؤتمر كيوتو للبيئة، للحد من الانحباس الحراري الذي يكلف الدول الصناعية ثمناً باهظاً لتداعيات التغير المناخي من كوارث طبيعية وأعاصير، وكنتيجة طبيعية لذلك، زاد الطلب على الغاز المُسيّل، وبدأت شركات الغاز الكبرى كغاز بروم وقطر غاز وإيران غاز تنافس النفط الأحفوري على حصته من الكعكة الاستهلاكية للطاقة.

في هذه الأثناء، كان فلاديمير بوتين يُحضّر روسيا لحقبة إعادة النهوض، مستفيداً من موقعه السابق كمسؤول رئاسي إداري أيام يلتسين ورئيس مخابرات متمكن من المفاصل الأمنية، تناوب على مدى اثني عشر عاماً على الحكم بينه وبين توأمه السياسي ميدفيدف في لعبة تبادل السلطة لضمان استمرار العمل على المشروع النهضوي، فأمسك بمفاصل الحكم بإرادة صلبة ويدٍ من حديد، مخرجاً جرذان الفساد من حقول الاقتصاد، وضابطاً إيقاع المعارضة، ليبدأ بعدها رحلة استعادة الدور الإقليمي والدولي التي كانت أوّل عناصر التحسُّس الأمريكي وأهم أسباب عودة التوتر الدولي الذي أعاد للأذهان صور الحرب الباردة وتجلياتها الماضية.

هنا لا بدّ من الإشارة الى مسألة بالغة الأهمية قبل الخوص في شكل وافق الصراع الذي بدأ، أنّ بكين وإن بدت حليفة لموسكو إلّا أنها توازن العلاقة المصلحية بين موسكو وواشطن ولا يمكن وضعها تحت خانة الدولة المناهضة للولايات المتحدة والداعمة لروسيا في أية مواجهة مع واشنطن اذا ما احتدم الصراع بينهما. فالصين النهمة لموارد الطاقة والمواد الأولية توازِن علاقتها بالجميع حتى أقصى حدود المنفعة القصوى، ببساطة لأنها ما زالت تعتبر الولايات المتحدة كشريك اقتصادي أول لها، وهو أمر مختلف تماماً مع حليف آخر لروسيا كالجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهنا تفرض الواقعية النقدية الإضاءة الصحيحة وغير المضخمة على واقع التحالف الدولي ضد الأحادية القطبية، فدول البريكس والألبا لم تنتقل حتى الآن من مرحلة الشعارات الى مرحلة التطبيق، فلا اتفاقيات دفاع مشترك أو حلف عسكري، ولا عملة موحّدة ولا ترتيبات اقتصادية تلائم التوحد الاقتصادي والسياسي كما جرى مع الاتحاد الأوروبي الذي احتاج الى عشر سنوات من التحضير والتطبيق لتحقيق التكامل الصناعي والتجاري والنقدي كي يعلن منطقة اليورو. لذلك، ما زال من المبكر الحديث عن كسر الأحادية القطبية والهيمنة الناتجة عنها قبل السير الجدي لتطبيق كل تلك الطموحات.

قلب العاصفة

إنّ دخول بوتين المعركة باكراً قبل اكتمال كلّ عناصر المواجهة “مع حلفائه الدوليين” يعني أمراً واحداً، أنّ الولايات المتحدة استعجلت المعركة على قاعدة اغزوهم قبل أن يغزوكم فما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلّا ذُلّوا، فالأمريكي لن يقف متفرجاً وهو يرى ألد أعداء القرن العشرين يستعيد عافيته ويعيد أمجاده “المشرقية” من البوابة الأخطر (إيران وسوريا)، اللتين عززتا مفهوماً جديداً في مواجهة الامبرالية والصهيونية عبر منظومة المقاومة غير القابلة للقهر، وهو ما لم يكن موجوداً في حقبة الستينات والسبعينات. لذلك، قررت واشنطن المواجهة بدايةً في كسر سوريا، العقدة الرئيسية في سلسلة المقاومة، وآخر معاقل النفوذ الروسي في المنطقة، ثم انتقلت الى أوكرانيا، الحديقة الأمامية لروسيا (وكلمة اوكرانيا تعني باللغة الروسية الحديقة أو الفناء الأمامي)، فأشعلت فيها حرباً أهلية، وبدأت بمحاصرة روسيا اقتصادياً بسلسلة من العقوبات متذرعةً بالملف الأوكراني، ثم حرب العملات وتهريب رؤوس الأموال، وصولاً الى حرب أسعار النفط “المؤلمة جداً لروسيا” لتستكمل حلقة الحصار والمواجهة بمسك ورقة الديموغرافيا الإسلامية المنتشرة في 22 جمهورية محيطة بروسيا، ولا سيما في قلب روسيا أيضاً لتعيد لذاكرة بوتين مشهدية افغانستان والبوسنة والهرسك.

أمام هذه المشهدية الواقعية والبعيدة عن تضخيم عناصر القوة الروسية حرصاً وخشية من الوقوع في نكبة تاريخية أخرى، يمكن القول إنّ الخطوة الهجومية التي قام بها بوتين بإعادة شبه جزيرة القرم ومقاطعتي دونيتسك ولوغانسك الى حضن روسية والعملية الالتفافية الاقتصادية المتمثلة بإبرام عقود ضخمة وطويلة الأجل مع الصين (صفقة 400 مليار دولار) ومع تركيا (صفقة الميارات السبع والوعد بنقل خطوط الغاز الى تركيا فأوروبا)، والحلف العسكري الذي أنشأه مع ثماني دول من جمهوريات الاتحاد السابق الشهر الماضي، وأخيراً الخطوة الأهم وهي تغيير العقيدة العسكرية الروسية واعتبار أميركا عدواً مباشراً، كل ذلك يؤكد أنّ روسيا دخلت مرحلة “الحرب الساخنة” مع الولايات المتحدة وهي لا تشبه الحرب الباردة بشيء، لأنها لا تعتمد أسلوب التهويل من بعيد وتوازن الردع المتقابل. ومن المؤكد أنّ الأشهر والسنوات القادمة ستشهد حرب وجود “للمشروع” الذي تمثله روسيا وتحلم به وتستحقه، والذي يشكل تهديداً وجودياً لأميركا القوة والهيمنة، ولا يمكن التراجع عنه لأنّ أي تراجع يعني ليس خسارة “حرب المشروع” بل أيضاً خسارة حرب الكيان الروسي.

هذا المستوى من سقف التحديات أمام بوتين يفرض عليه المضي قدماً في ترجمة الغاية من تغيير العقيدة القتالية للجيش، أي أن يبدأ بالمواجهة على كل الساحات أو يخسر كل الساحات، وفي هذا تكمن أهمية زيارة بوغدانوف الى الشرق الأوسط، الى مركز الصراع الكوني، والساحة التي ستقول كلمتها الأخيرة… معلنةً الفائز من الخاسر.

حسن غندور

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى