الواقع الأمريكي: بين ديمقراطية مزيَّفة، وعنصريَّة

الوقتصُنفت المجزرة التي أسفرت عن مقتل تسعة أمريكيين من أصل إفريقي في تشارلستون جريمة كراهية محتملة. في حين يتساءل العديد من أنصار الحقوق المدنية في أمريكا، عن السبب في عدم وصف هذا الفعل رسمياً بأنه هجوم إرهابي. إذ يرى هؤلاء الحقوقيون نوعاً من النفاق في الطريقة التي وُصف بها الهجوم، ومنفذه، من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون ووسائل الإعلام. فماذا في آخر أفعال العنصرية في أمريكا؟ ولماذا لا يتم التعاطي معها بحزم؟

أولاً: الكيل بمكيالين في التعاطي مع الجرائم:

في وقتٍ تم تصوير إعتداءاتٍ معينة، مثل تفجير ماراثون بوسطن في عام ٢٠١٣، والهجوم على التجمع المعادي للإسلام في جارلاند، تكساس الشهر الماضي، على أنها أعمال إرهابية يقوم بها متطرفون إسلاميون بحسب السلطات والإعلام الأمريكي، يستغرب النُقاد وأنصار الحقوق المدنية، لماذا لا تتم تسمية الإعتداءات ضد الأمريكيين من أصل إفريقي، أو الأمريكيين المسلمين، على أنها أعمال إرهابية. وعلاوة على ذلك، يقول هؤلاء النقاد أيضاً، إن المجرمين البيض، أقل عرضة بكثير لوصفهم من قبل السلطات بأنهم إرهابيون.

وفي حديثه لصحيفة نيويورك تايمز يوم الخميس، قال نهاد عوض، المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية في واشنطن: “لقد تمت تهيئتنا لقبول أنه إذا ما ارتكبت أعمال العنف من قبل مسلم، فهي بالتالي أعمال إرهاب”. مضيفاً: “وإذا تم ارتكاب نفس العنف من قبل أبيض يشعر بالتفوق أو متعاطف مع الفصل العنصري وغير مسلم، نبدأ في البحث عن أعذار، ونقول إنه قد يكون مجنوناً، أو قد يكون تعرض لضغط رهيب”. وبدوره، قال ديان عبيد الله، وهو مسلم أمريكي يعمل كمذيع ومعلق لنفس الصحيفة، إنه ينبغي أن يكون من الواضح أن القاتل في تشارلستون كان إرهابياً. وأضاف: “لدينا رجل ذهب عمداً إلى كنيسة للسود، وكان لديه عداء تجاه السود، وقام باغتيال مسؤول منتخب وثمانية أشخاص آخرين. إذًا، يبدو أن دافعه كان الرغبة في ترويع وقتل السود”. في حين قالت النائبة العامة، لوريتا لينش، ومسؤولو ساوث كارولينا، إن إطلاق النار الذي حدث ليلة الأربعاء قيد التحقيق كجريمة كراهية، وقالت ردود فعل كثيرة على وسائل التواصل الإجتماعي إن هناك كيلاً بمكيالين في طريقة استخدام مثل هذه المصطلحات.

ومن خلال الإستناد الى قاموس كلية العالم الجديد، يتم تعريف الإرهاب بأنه: “إستخدام القوة أو التهديد بهدف إضعاف المعنويات، والتخويف، والإخضاع، وخاصة عندما يأتي هذا الإستخدام كسلاح سياسي”. وهنا يقول المدافعون عن الحقوق المدنية إن هجوم تشارلستون ليس مطابقاً فقط لتعريف القاموس للإرهاب، بل ويعكس أيضاً تاريخ محاولات جماعات التفوق البيضاء لإرهاب الأمريكيين من أصل إفريقي.

ثانياً: أسباب وحقائق حول العنصرية والتمييز العرقي في أمريكا:

يوجد العديد من الشواهد التي تدل على أن العنصرية أمرٌ مرسَّخ في المجتمع الأمريكي، الى جانب أنها تمثل بحد ذاتها أسباب ردود الفعل الإجتماعية. وهنا نشير للتالي:

– يمكن القول ان الحرمان من الحقوق المدنية، هو من الأمور التي يعاني منها السود تاريخياً. إذ يستمر حرمان الأمريكيين الأفارقة من حق المشاركة في تقرير المصير في بعض الولايات، حيث تنقل وسائل الإعلام، رفض كنيسة أمريكية تزويج السود، وتسجل حالات التفتيش والإعتقالات في صفوف السود أكثر منها في صفوف البيض، كما تم تسجيل حالات لإطلاق النار على أمريكيين سود مدنيين غير مسلحين وتم قتلهم دون معاقبة الشرطة على ذلك، ومثال على ذلك ما حدث منتصف حزيران ٢٠١٤ عندما قتل أربعة أمريكيين من أصول أفريقية برصاص الشرطة، بحسب مجلة “ماذار جونس” الأمريكية . وقد أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بعد حادثة مقتل الشاب براون في أواخر العام الماضي، أن ما يجري من جرائم وما تبعها من احتجاجات واسعة وأعمال شغب في ولاية ميسوري تأتي كنتيجة مباشرة لممارسات التمييز العنصري وعدم المساواة الإجتماعية في أمريکا . موضحةً أن الحادثة لا تحتاج إلى تحقيق فيدرالي كي يوضح معالم التمييز العنصري وعدم المساواة الإقتصادية والإجتماعية المنتشرة في تلك المقاطعة منذ عقود طويلة .

– كما ويعاني السود من سوء الأحوال الإقتصادية أكثر مما كانوا عليه قبل ٢٠ عاماً. فهم مهمشون في جميع مجالات الحياة، وتتضاعف نسبة البطالة بينهم عن نسبتها بين البيض، كما أن مدخولهم المالي أقل بنسبة الثلث من متوسط دخل الفرد في أمريكا، ونسبة السود الفقراء أكثر بثلاث مرات من البيض . وهنا يقول البروفيسور الألماني المتخصص في العلوم السياسية الدكتور كريستيان هاك، إن الوضع الإقتصادي قد زاد الطین بلة في قضیة التمییز العنصری في أمریکا، بحسب ما قاله في تصريح لوكالة تسنيم الدولية.

– الى جانب ذلك يشير تحقيق أجرته شبكة ABC الأمريكية الإخبارية، بمشاركة صحيفة “واشنطن بوست” وبحسب استطلاعات الرأي الأمريكية، حول مستقبل التعايش المشترك في البلاد بين السود والبيض، الى نتائج صادمة. فقد اعترف ٦ من أصل ١٠ إفريقيين أمريكيين بأن العلاقات العرقية ليست على ما يرام أو أنها هزيلة وذهب أكثر من نصف البيض بقليل إلى وصف اختيار رئيس أسود للبلاد أنه أمر خطير . فيما يرى المحللون في الصحيفة، أن إنتخابات باراك أوباما في حد ذاتها كانت دلالة لا تقبل الشك على أن المجتمع الأمريكي لا يزال رازحاً تحت أغلال العنصرية، فتصويت السود في انتخابات الرئاسة ٢٠٠٨ بأغلبية كاسحة وشبه مطلقة لأوباما أكد على أن معيار الإختيار عرقي وإن حاولوا تعليل ذلك بأنهم يريدون معالجة التفاوت في الرعاية الصحية والدخل والعدالة والتعليم .

– كما يعتبر تعامل الشرطة أمراً آخر يجب الوقوف عنده. ففي مدينة فيرغسون مثلاً بلغت نسبة حالات التفتيش في صفوف السود ٩٢% ووصلت نسبة الإعتقالات في أوساط سائقي السيارات من السود إلى ٩٣%، في العام الماضي، وذلك رغم أن الشرطة وجدت أن عدد المخالفات التي ارتكبها البيض (نسبتها ٣٤%) أكثر بكثير من تلك التي ارتكبها السود (نسبتها ٢٢ %). وهذا التفاوت في النِّسَب ليس حصرياً على مدينة فيرغسون، بل يتجاوزها إلى مدن أخرى. كما أن عدد حالات تفتيش الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية واللاتينية في شوارع نيويورك أكثر مقارنة بعدد حالات تفتيش الأمريكيين البيض .

إذاً تختلف الأسباب بين إقتصادية وإجتماعية إلى أخرى قانونية ومدنية، لكن الحقيقة واحدة، وهي، أن العنصرية في أمريكا أمرٌ واقعٌ ومرسَّخ. فالدولة التي تسعى لتقدم نفسها على أنها الدولة الديمقراطية الأولى في العالم، يبدو أنها تحتاج للكثير من الدروس في ذلك.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى