الموقف الحقيقي لمصر , من الحرب على اليمن ..

بقلم : بلال الحكيم

يقول البعض ممن لا يريد فهم حقيقة الموقف المصري , من أحداث اليمن , باعتباره موقف “غامض ” , والأغلب أن هؤلا الأشخاص أو الفئات من الناس الذين يقولون ذلك , لديها أسلوب خاص وعادة وحيدة اعتادوها في تقييمهم للاحداث والمواقف الشخصية أو العامة , وهو أسلوب الزعيق الجاف والمنفعل والسطحي , وكدلالة قصوى وحادة , تقتضي الحسم النهائي الذي لايقبل استيعاب المسافة الوسطية بين حدود الموضوعات المتقابلة , لكي تصبح موقفا ” واضحا ” بالنسبة لهم , فاما كره أو حب , حرب أو استسلام , وهذا هو الجهل والتأخر الكبيرين في فهم طبيعة العلاقات البشرية ومقدار التنوع الحضاري القائمة عليه وأساليب التعامل مع الاحداث والتطورات بحدة أقل ولكن بتعقل أعمق ومسؤولية أكبر , لا سيما تجاه من لديهم حق البقاء والتواجد رغم أي اختلافات بينية ضمن الكيان والبيئة الواحدة .

فهل موقف مصر من أحداث اليمن هو موقف غامض !؟

لا يمكن لنا الاجابة عن هذا السؤال الا من خلال اعادة قراءة التصريحات الرسمية الناطقة والمعبرة عن الموقف العام لجمهورية مصر العربية من الحرب والتطورات في اليمن , وعلى رأسها تصريحات وكلمات رئيس الجمهورية الفريق عبد الفتاح السيسي , منها كلمته الشهيرة في القمة العربية ال 26 في شرم الشيخ ,

حيث كانت أول مشاركة له في القمة العربية كرئيسا للجمهورية , عنوان القمة : التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي , والتي أوضح في كلمته , صراحة تأييده لوجود , قوة عربية مشتركة , لحماية الأمن القومي العربي , ولكنه اردف وبسرعة ” على أن ذلك , لا يقتضي الانتقاص من سيادة أي من الدول العربية واستقلالها , وفي أطار من الاحترام الكامل لقواعد القانون الدولي , ودون أدنى تدخل في الشؤون الداخلية لأي طرف , فبنفس رفضنا لأي تدخل في شؤوننا , لا نسعى للافتئات على حق أي دولة في تقرير مستقبلها وفق الارادة الحرة لشعبها ” .

ثم وفي نفس الكلمة , يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي , “على أهمية دور المؤسسات الدينية في التصدي للفكر المتطرف , لان من يسير في طريقه الوعر سينزلق حتما الى هاوية الارهاب , مالم يجد سبيلا ممهدا لصحيح الدين ” .

ثم في كلمة مهمة له بتاريخ 4 ابريل 2015 , عقب اجتماعه بالمجلس الاعلى للقوات المسلحة , ردا على التخوفات الشعبية من التدخلات العسكرية للجيش المصري في اليمن , قال بالحرف الواحد ” من فضلكم , الأمور بتخضع لتقديرات كبيرة جدا جدا , وحسابات دقيقه جدا , احنا مش حنضيع بلادنا وبلاد اشقاءنا بحسابات خاطئة , نحن نعم جاهزين في الدفاع عنهم , ولكن نحن ايضا نتحرك لحل المشكلة في اطار سياسي , لكي يجنبنا كلنا من خسائر مالهاش لزمه “

لم تتوقف التصريحات الصابة في مجملها في هذا السياق من التشجيع باتجاه الحل السياسي , ففي لقاء أخير للرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الروسي فلادمير بوتن , 10 فبراير 2015 , خلال القمة المشتركة الروسية المصرية , ايضا تم التأكيد والاتفاق من قبل الطرفين على ضرورة سلامة ووحدة اليمن , والتوصل لتسوية سلمية , للأزمة اليمنية .

وحتى لا نستمر في تكرار التاكيد على ان هذا هو التوجه الحقيقي لجمهورية مصر تجاه الازمة في اليمن , سنكتفي بالقول ان كل التصريحات الرسمية أو اللقاءات او الخطابات لعبد الفتاح السيسي رئيس مصر , لم تخلوا من هذه الاشارة , بل وانها خلت كلها تقريبا من أي تلويح بالحسم العسكري للأمور في اليمن .

تكرر ذلك حتى في لقاء السيسي مع خالد بحاح رئيس الحكومه المتواجدة في الرياض ,

أذن ما هي المخاوف المستخدمة لتخويف مصر من جهة اليمن او من بعض الفئات بعينها ؟

بدأ تخويف مصر فعليا , وكمساعي لجرها عنوة للتورط في الحرب على اليمن , من خلال التلويح لها ولغيرها بان ” الحوثيون ” لهم هدف استراتيجي ضمن اهدافهم الاخرى والعامة , وهو السيطرة على مضيق باب المندب , وهذا التصريح صدر عن عبدرربه منصور هادي نفسه ولاكثر من مرة , رغم ان ” انصار الله ” لم يكونوا قد تواجدوا فعليا في تلك المنطقة وربما لم يكونوا قد التفتوا حتى لأهمية السطيرة عليها .
أهمية باب المندب , ومبررات أو منطلقات التخوف المصري :

الأهمية الجيوسياسية :

تأتي هذه الأهمية في كون الموقع الجغرافي للمضيق يفصل بين مناطق شاسعة من العالم لا تستطيع الاتصال البحري الا من خلالة , هذه المناطق تتوزع بين قارة آسياء وأفريقيا واوربا امتدادا الى امريكا , فهو ممر مائي يحده من الجنوب خليج عدن ومن الشمال قناة السويس والتي يفصل بينهما امتداد البحر الاحمر من بدايته الى نهايته , لم يكن لهذا المضيق ان يصبح بنفس درجة الاهمية التي هو عليها الان لولا قناة السويس والتي تم شقها في 1869 , وهي اللحظة التي اصبحت منطلق لان يصبح لمضيق باب المندب بعدا استارتيجيا واقتصاديا وسياسيا , ومن هنا يمكن القول بنتبادل المنفعة او تشارك الادوار فيما يخص المضيق والقناة فيما بينهما اذ لا اهمية للاخرى من دون وجود الاولى وعلى وضع مستقر و آمن .

وقد جرب فعلا المضيق في لعب دور سياسي وربما عسكري , اذ حصل ان تم اغلاقه في حرب اكتوبر 1973 بالتنسيق بين السلطا المصرية واليمنية وذلك بهدف التضييق على ( الكيان الصهيوني ) من الحصول على النفط الذي كان يصلها من شاه ايران , والذي كان يقدر ب 18 مليون برميل ,وهو نفس السبب الذي دفع بالكيان الصهيوني للسعي لاقامة علاقات صداقة مع كل من اثيوبيا وارتيريا , والتي يبدوا انها تحققت فعلا في افضل صورها ما امن التواجد الامني والاستخباراتي الصهيوني في المنطقة , لاسيما عند مدخل البحر الاحمر في كل من ارخبيل دهلك وميناء مصوع ,

ثم لاحقا في تعزيز التواجد العسكري للدول الكبرى , كما هو حال القاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي والتي يتواجد فيها 4000 جندي , وتتحرك منها الطائرات من دون طيار التي تضرب في الاراضي اليمنية ,
وكذلك في تمسك فرنسا في التواجد في مستعمرتها القديمة ( اثيوبيا ) والتواجد العسكري ايضا في اراضيها ,

ثم وكيف اصبحت المنطقة مرتعا لما يصنف باكبر تواجد لبوارج عسكرية وتواجد عسكري متنوع في العالم , وبدوافع ومببررات كثيره منها الارهاب والقراصنه وحمياة الممرات الدوليه وما الى ذلك من المبررات المختلقة في اغلبها .

الأهمية الاقتصادية :

يمر عبر المضيق 6.1 % من نفط العالم بمعدل 3.4 مليون برميل يوميا , و21 الف سفينه تجارية سنويا .

واغلاقه او تاثر الملاحة فيه تتسبب في أضافة 6 الاف ميل بحري اضافي , مع توقع ارتفاع اثمان التنقلات الى 45 مليون دولار يوميا , وذلك من خلال استخدام رأس الرجاء الصالح كبديل لمضيق باب المندب .

التخوف المصري مبرراته والتطمينات المقابلة :

لا شك ان مصر تجني ايرادات ماليه ضخمة تستحصلها من قناة السويس وأن أي تأثر في ملاحة المنفذ الجنوبي للممر المائي الذي تحتل قناة السويس طرفة الشمالي , سيعني توقف القناه بالكامل , وهذا يعد تهديد للأمن القومي المصري بشكل مباشر .

ولكن هل التخوف المصري في محله , هذا اذا صح ان هناك تخوف فعلا , وانها لا تعدوا ان تكون مجرد اشاعات تسوقها بعض الاطراف الراغبة في دفع مصر للمشاركة في حرب اليمن بشكل مباشر .

للرد على هذه التخوفات المفترضة حرص الطرف اليمني وبالاخص الطرف الذي تثار حوله الشكوك في القيام بهذا العمل , وهم حركة انصار الله , حيث بعثت عدة رسائل تطمينية للنظام المصري بخصوص هذا التهديد او التلويح به , والذي كان اشهرها البيان الرسمي الذي بعثته الحركة على لسان الناطق الرسمي لمكتب السيد عبد الملك الحوثي فيها , بتاريخ 4/ 4/ 2015 م , والذي ورد فيه : ( نؤكد لأخوتنا الأشقاء في جمهورية مصر العربية أن محاولة اثارة المخاوف من باب المندب هدفها مساندة العدوان السعودي الصهيوامريكي على الشعب اليمني والذي لا مبرر له إطلاقا.

وسبق ووضحنا للقيادة المصرية والشعب المصري الشقيق أن اليمن حكومة وشعبا ابديا استعدادهما للدخول في نقاشات مباشرة لازالة المخاوف إن وجدت فيما يخص مضيق باب المندب وتاثيراته على الملاحة الدولية ) .

ثم في رسائل أخرى بعثت بها الحركة في أكثر من مناسبة والتي تؤكد في مجملها على الحرص على أبقاء العلاقات الودية بين الشعبين والدولتين قائمة وان لايؤثر فيها أي مزاعم او أفتراءات مختلقة بغرض نسف هذه العلاقات التاريخية والحضارية المتجذرة .

لاسيما ومصر في ضل قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي قد استطاعت فعلا اثبات مقدرتها على فرض واقع أقليمي جديد , فيه أولا تأكيد على احياء مكانة مصر واعادتها بحجمها الحقيقي وثقلها الحضاري والانساني لان تصبح في الواجهة وان تلعب دور أكبر من الدور الذي تم محاصرتها فيه سابقا بفعل ضروف وضغوط وواقع سياسي مختلف , ومن ثم تحجيم دورها من طرف فاعل ومحوري بل ورئيسي الى دور ثانوي وهامشي ,
ولا سيما بانها قد اثبتت مقدرتها الفذه والمتميزة في محاربة الارهاب وفي التصدي له بكل حزم وبدون مواربة او رضوخ للاستراتيجيات المتآمرة الهادفة الى تدمير المنطقة من خلال تشجيع وتحريك هذه العتاصر الارهابية وتفعل دورها في الدول المراد ارهاقها وتوقف عجلة التنمية والاستقرار فيها .

وهنا يتسائل الناس والعرب , ماذا لو كان نظام مرسي لايزال قائما حتى اليوم , كيف سيكون المشهد ودمويته وضبابيته , وكيف سيكون التهور , سواءا في القضايا العربية أو الدولية , في سوريا أو ليبيا أو اليمن أو أي مكان آخر يكون مناط بمصر أن يكون لها موقف معين منه .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى