المنطقة على أبواب تطوّرات حربيّة ستُمهّد للدخول في مرحلة جديدة

المنطقة على أبواب تطوّرات حربيّة ستُمهّد للدخول في مرحلة جديدة بكلّ ما للكلمة من معنى. هو منعطفٌ حادّ فرضَه التمدّد المفاجئ والمذهل لتنظيم «داعش» وخرقُه الخطوطَ الحُمر وتهديدُه الأمنَ القوميّ للمجتمعات الغربية.

مِن المفترض أن تبدأ الإشارات العسكرية بالظهور الأسبوع المقبل، بعدما شارفَت واشنطن على الانتهاء من التسويات السياسية والمتطلبات العسكرية، مثل الحصول على «شيفرة» تركيبة التنظيم وانتشاره لفكفكتها، عندها تبدأ الضربات الجوّية الجدّية وتتحرَّك القوى العسكرية على الأرض.

ما من شكّ في أنّ لتركيا دوراً أساسياً في هذا الإطار، حيث سمحَت الرعايةُ الخاصة التي قدّمتها المخابرات التركية لـ«داعش» بحصولها على كلّ تركيبتها البنيوية وطبيعة عملها وانتشارها. كما أنّ المجموعات السنّية التي تخضع للتأثير السعودي تستعدّ للتحرّك ضد «داعش»، ويتردَّد أنّ قوّة هذه المجموعات توازي قوّة «داعش» عددياً على الأقلّ، وسيكون لتحرّكها تأثير كبير، كونها ستعمل وسط المجموعات القتالية للتنظيم.

لذلك، فتحَت خطوط التواصل مع إيران وبدأ حوار في العمق إزاء المسؤوليات الأمنية في وجه «داعش». وتوازياً تراجعَت لغة الحرب في اليمن حيث تقترب قوّات الحوثيين من طرقِ أبواب العاصمة صنعاء، وحلَّت لغة التسوية السياسية، ولو أنّ حجم الخلافات لا يزال كبيراً والهوّة واسعة.

في هذا الوقت، لا بدّ من مَنح روسيا دوراً ما أو حصةً على خريطة التحالف الجاري نسجُه. طبعاً، تُفضِّل واشنطن أن تكون حصّة موسكو في المساحة السورية، ما يضمن لها تعاونَ النظام وإعطاءَها ما يملك من معلومات وأسرار في شأن التنظيم المتطرّف انطلاقاً من الاعترافات التي انتزعَها من كوادره خلال التحقيقات معهم.

لكنّ واشنطن اقترحَت التواصل مع دمشق عبر بغداد، فيما النظام يتمسّك بالتواصل المباشر، معتبراً أنّ الفرصة سانحة لانتزاع اعتراف عالميّ علني به، وطَيّ صفحة الماضي مقابلَ تسهيل فتح «بنك» المعلومات الذي يملكه. إلّا أنّ لواشنطن حسابات أخرى ونظرة مختلفة. فهي باتت مقتنعة بضرورة استمرار النظام وأهمّية ضمان تركيبته، ولكن بعد تجميل صورته الخارجية من خلال تسوية سياسية ستنتج إثر استعادة زخم انعقاد مؤتمرات جنيف بعد الانتهاء من «بعبع» داعش.

لكنّ القلقَ يتصاعد من المخاطر الأمنية في لبنان، وقد أوعزَت العواصم الغربية الكبرى لطواقمها الديبلوماسية بمتابعة دائمة ودقيقة للمناطق الخطِرة في لبنان، خصوصاً في عرسال.

ولذلك مثلاً، هناك تنسيق دائم ومفتوح بين سفراء الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وبريطانيا المعتمدين في لبنان، إضافةً إلى درس الوضع في البقاع الشمالي انطلاقاً من احتمالين مقلقين:

الأوّل، وهو ناتج عن احتمال فرار عناصر «داعش» بأعداد كبيرة من الداخل السوري بعد بدء العملية العسكرية إلى جبال القلمون، حيث المسارب مفتوحة وسالكة، ومن هناك إلى الداخل اللبناني عبر عرسال انطلاقاً من قرار «داعشي» بإحراق المنطقة كلّها عندما تبدأ الحرب المفتوحة، سبيلاً للضغط على التحالف الدولي لوقفِ ضرباته الجوّية، ما يستوجب تنسيقاً ملزماً مع النظام السوري لسَدّ هذه المنافذ من خلال الاستهداف الجوّي.

والثاني، وهو أنّه حتى ولو نجَحت الرقابة الجوّية في منع الانسحاب الداعشي في اتّجاه القلمون، فإنّ البردَ القارس الذي يترافق مع بدء فصل الشتاء قريباً سيُجبر المجموعات المتطرّفة على الانكفاء في اتّجاه عرسال ومخيّمات اللاجئين السوريين، مع ما سيعني ذلك من فتح أبواب المواجهات الواسعة.

وكان لافتاً أنّ أحد هؤلاء السفراء سألَ طويلاً عن مجموعات «حزب الله» الموجودة في جبال القلمون، وقدرتها على منعِ عناصر «داعش» من التوغّل في لبنان، إضافةً إلى إمكانات الجيش لحماية البلدات والقرى في المنطقة.

صحيح أنّ مكتب التنسيق العسكري ما بين قيادة الجيش والسفارة الأميركية، والذي انتقل منذ مدّة من اليرزة إلى مبنى السفارة الاميركية في عوكر، يُجري اتصالاته لسدّ حاجات الجيش المُلِحّة من السلاح والذخائر، إلّا أنّ للمناخ السياسي أهميّته في هذه المرحلة وسط التجاذب السياسي الحاد إثر المواجهات الأخيرة التي حصلت في آب الماضي، والذي يؤدّي إلى ضرب معنويات الجيش وهِمّته، علماً أنّ الجميع يقرّ بأنّ استمرار الفراغ على مستوى رئاسة الجمهورية في ظلّ حكومة منقسمة على بعضها وتنتهج أداءً مُربكاً، إنّما يزيد منسوبَ الخطر.

وبدا أنّ السفير الاميركي ديفيد هيل، الذي كان قد باشرَ تحرّكاً هادئاً وبعيداً من الأضواء الأسبوع الماضي في ملفَ الفراغ الرئاسي، عاد وفرملَ حركته. لكنّه أُحيطَ علماً بمبادرةٍ ستقوم بها كلّ من فرنسا والفاتيكان في هذا الشأن قريباً.

صحيح أنّ كِلا الدولتين ستتحرّكان بنحوٍ منفصل، إلّا أنّهما ستُنسّقان في الكواليس. وفي هذه الحال، ستكون الديبلوماسية الاميركية داعمةً للتحرّك الفرنسي – الفاتيكاني وستساعد لدفع المبادرة إلى الأمام. ويبدو أنّ توقيت المبادرة سيترافق مع الحملة العسكرية التي تنتظرها المنطقة.

وتكشف الأوساط الديبلوماسية المتابعة أنّ لبنان حضَر بقوّة في المحادثات الفرنسية – السعودية خلال لقاء الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بوَليّ العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز، ولم يقتصر الحديث على المخاطر الأمنية المقلِقة والهبة السعودية للجيش، نظراً للمهمّات الكبرى التي تنتظره، إنّما شملَ الجانبَ السياسي والاستحقاقَ الرئاسي المجمَّد وإمكانية استغلال الارتدادات الناتجة عن الحملة العسكرية لضربِ «داعش» واستثمارها إيجاباً في لبنان.

وعلى الرغم من اعتبار بعض الديبلوماسيين الاميركيين أنّ الجمود هو سِمةُ ملفّ الاستحقاق الرئاسي حتى الآن، إلّا أنّ باريس تأمل في خرق الجدار السميك في الأسابيع المقبلة

جوني منيّر – صحيفة الجمهورية

 

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى