المراهنون على “توماهوك”: جنبلاط كان على حق!

في ذروة التلويح الاميركي بالعدوان على سوريا، فاجأ وليد جنبلاط المراهنين المحليين على هذا العدوان بتحذيرهم من الرهان على “توماهوك”.

انطلق جنبلاط آنذاك من قراءة مبكرة للوقائع الاميركية والغربية والعربية، ولسيناريو العدوان الذي كان محتملا آنذاك، وخلص فيها الى ان هذه الصواريخ يمكن ان تعدل مسارها في اي لحظة بحسب المصالح الأميركية، وبدل ان تضرب سوريا يمكن ان تضرب في مكان آخر وتصيب هدفاً آخر لا يكون في حسبان أحد.

أراد جنبلاط أن يعيد فريق المراهنين الى الواقعية، متسلحاً بقناعة ان مناطحة الصخور لا ولم تجد نفعاً في يوم من الايام، وأن الصغار مهما علا صوتهم ومهما احدثوا من الضجيج والجلبة، يبقون مقبلات دائمة على موائد الكبار. ومع ذلك لم ينجح جنبلاط في ما اراده، خاصة أن هذا الفريق قد أوغل عميقاً في الرهان، وأخذ يرسم سيناريوهات، أقلها أن بشار الأسد انتهى وأن سوريا الجديدة على شفير الولادة.

أخذ بعض المراهنين على جنبلاط بأنه أخطأ قراءة الوقائع المتدحرجة التي اعتقد هؤلاء أنها بلغت مرحلة بدء العد التنازلي للعدوان وكبس زر إطلاق أول صاروخ، وثمة من اتهم الزعيم الدرزي بأنه يبالغ، وربما هو خائف، أو مرتبك، ويحاول ان يقوم باستدارة تقيه مما هو آت، وذهب أحدهم الى قول ما حرفيته: «تحذير جنبلاط يستبطن إقراراً بفشل الحرب على النظام السوري، هذا التحذير لم يكن في محله ولا في وقته، ولم يكن ينقص سوى أن يقول لمن سيهدي بشار الأسد الانتصار”.

هذا البعض، عاد وأقر بالأمس، مع الإعلان عن الاتفاق الاميركي ـ الروسي، وتحول الوقائع من سكة العدوان العسكري الى سكة الديبلوماسية، بأن جنبلاط كان محقاً في تحذيره. وأولوية هؤلاء في هذه اللحظة هي الوقوف على طبيعة هذا وأبعاده وماذا يخبئ مـــن مفاجئات وإسرار في طياته.

كان للرهان على “توماهوك”، إيجابياته وأرباحه المفترضة بالنسبة الى المراهنين، لكن هؤلاء ومع التحوّل الى سكة الديبلوماسية، باتوا يخشون ما يلي:

أولاً، أن تكون لخسارة الرهان تداعياته، وأن تتدحرج هذه الخسارة الى خسارة أكبر على امتداد حبل المراهنين الذي يبدأ من لبنان ويمتد الى دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا. وأن يسقط كبش فداء في بعض المواقع هنا، ويطاح ببعض الرؤوس في مواقع أخرى، بما قد يكرس موازين جديدة وأجندات جديدة. ولعل الصورة الأولى التي تبدت في هذا المحور هي أنه يمتلئ بالشعور بالانفعال والغيظ مما جرى.

ثانياً، أن يصدق شعور من خسر الرهان على الضربة العسكرية، بأن الولايات المتحدة الأميركية قد تركتهم في منتصف الطريق، وأن الاتفاق الاميركي ـ الروسي ضرب المعارضة، وأبقى نظام بشار الأسد سليماً معافى، وإن كان قد نزع منه الكيميائي. لا بل ربما شحنه بمعنويات قد تمكنه من تغيير الوقائع الميدانية وخلق موازين جديدة.

ثالثاً، مما سيلي بدء الفرز الغربي لمناوئي النظام في سوريا بين معارضة سورية معتدلة يجب دعمها، وبين مجموعات إرهابية (كلام وزير الخارجية الفرنسية)، وذلك بالتوازي مع تظهير الإعلام الفرنسي والبريطاني للفظائع التي ترتكبها تلك المجموعات الإرهابية في سوريا، في خطوة غير مسبوقة منذ بداية الأزمة السورية.

رابعاً، أن يكون الاتفاق الاميركي ـ الروسي عنواناً لبدء عصر تقاسم جبنة المنطقة، وأن هذا الاتفاق هو كناية عن سلة متكاملة من الوقائع المخفية التي قد تظهر تباعاً واحدة تلو الاخرى، وما ظهر منه حتى الآن ليس سوى بداية رأس جبل الجليد لصفقة كبرى بين الاميركي والدب الروسي.

خامساً، أن يكون لبنان هو ساحة الارتدادات والتداعيات الاولى، ولكن بما لا تشتهي سفن المراهنين. ولعل الملف الحكومي هو الاستحقاق الأول والأقرب الذي سيواجهه اللبنانيون، وهذا يستحضر سلسلة من الأسئلة ربطاً بالاتفاق الاميركي الروسي: هل أن لبنان مقبل على تطورات جديدة بموازين جديدة؟ وهل أن شروط ما بعد الاتفاق هي غير ما قبله، وأن ظروف الزمن الحالي تملي شروطا جديدة؟ وما هو مصير التأليف؟ وهل ما زالت هناك فرصة لكل المعايير والشروط التي طرحت لتبقى هي نفسها مطروحة على طاولة التأليف؟ وهل ما زالت تصلح نظريات المثالثة والحكومة الحيادية والإلغاء والإقصاء والعزل ومنطق الفيتو على هذا الطرف او ذاك؟.

إضافة الى ذلك، ماذا عن إعلان بعبدا؟ وماذا بقي منه؟ وهل يصلح لأن يكون أساساً لبيان وزاري لحكومة جديدة بعد هذا التمزيق الموصوف الذي تعرض له عن سابق تصور وتصميم من قبل “تيار المستقبل” وصرخة فؤاد السنيورة “إضرب أيها الرئيس” وملاقاتها من قبل سعد الحريري وسمير جعجع الذي وصلت مقاربته للرئيس الأميركي باراك أوباما الى حد اعتباره المخلص للبشرية؟ وهل يجيز إعلان بعبدا التحريض الى درجة الدعوة الى تدمير بلد عربي شقيق؟ هل سينتصر رئيس الجمهورية لـ”الإعلان” ويدافع عنه بالحد الأدنى؟ أم أنه سيبقى صامتاً لا يأتي ولو بعتب صغير على “هؤلاء الممزقين”؟

يجزم مرجع سياسي بأن لبنان مقبل على تطورات ربطاً بما جرى، والعين يجب ان ترصد السفير الأميركي دايفيد هيل، فربما يحضر “كلمة سر” يبدأ معها حلفاء واشنطن في التصفيق للتسوية الآتية، أياً كانت موازينها وشروطها، وأما الرهان الأساس فيبقى على المظلة الإيرانية السعودية، وها هو الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني قد قبل دعوة الملك عبدالله بن عبد العزيز لزيارة المملكة.

نبيل هيثم – السفير

 

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى