المتآمرون على الجيش.. يدرون ماذا يفعلون (أمين أبوراشد)

لم نكن بانتظار أفلام الفيديو التي عرضتها قيادة الجيش، ولا الشرائط التي عرضتها قناة “الجديد”، لنتأكد أن جماعة الإرهابي أحمد الأسير هي التي بادرت الى إطلاق النار غدراً على الجيش اللبناني في عبرا، لأننا نُدرك ثقافة الجيش وتنشئته الوطنية المنزّهة عن أي اتهام، لكن لا بأس من العرض كرمى لعيون فريق “العبور الى الدولة” وتحديداً للسيدة بهية الحريري، حيث كشفت التقارير التي أوردتها القناة المذكورة أمام الشعب اللبناني، عن ثمّة دورٍ “حريري” في إحتضان الأسير خلال وجوده في “المربّع الأمني” وبعد هروبه أو تهريبه، وما على السيدة بهية سوى مراجعة من أعدّوا التقارير صوتاً وصورة.

وإذا كان فريق “العبور الى الدولة” يرنو لمماحكة آخر معاقل “الكيانية اللبنانية”- التي يمثّلها الجيش اللبناني- بذريعة أن الدولة ليست تحت سلطة وسيطرة هذا الفريق، فليتفضّل الرئيس سعد الحريري بتلبية طلب الرئيس برّي والعودة الى لبنان وكفى تذرّعاً بالحالة الأمنية، لأن “بيت الوسط” هو في بقعة أكثر من آمنة، وليترشّح لرئاسة الحكومة ولتأخذ الأمور مسارها الديموقراطي بالقبول أو الرفض، لأن فتح النار على الدولة عبر فتح زواريب ميليشوية في طرابلس على الجيش، وتوتير شوارع بيروت عبر أبناء الشوارع، ودعم المربعات الإرهابية، كلها وسائل ساقطة في المعادلات الوطنية إذا كانت هناك نيّة للعودة الى الوطن.

قد يكون فريق العبور الى الدولة وجد نفسه مرغماً لتأسيس ميليشيا، سواء عبر النائب السابق سليم دياب في بيروت، ومن بعده عبر ضابط متقاعد من الجيش من آلـ حمود الذي أسّس ميليشيا المستقبل في طرابلس والتي عُهد اليها لاحقاً للواء المتقاعد أشرف ريفي، ومساواة دم شهداء الجيش في عرسال بدماء أشخاص مطلوبين للعدالة، فإن هذا الفريق يُدرك أن ما يحصل في الجوار الإقليمي وما عَكَسه على لبنان من زواريب مذهبية متعارضة سياسياً داخل الشارع السنّي في لبنان، قد حجّم القومية العربية وحجّم الإنتماء الوطني، وعزّز على حسابهما العصبية المذهبية التي وجد “الحريريون” أنفسهم مُنساقين لركوبها للحفاظ على الحدّ الأدنى للوجود في هذا الشارع، لكن عليهم أن يدركوا قبل فوات الأوان أن المسألة الكيانية للبنان باتت مهدّدة، وسط إنهيار المؤسسات السياسية من مجلس نواب غير دستوري، الى حكومة تصرّف أعمالاً في الوقت الضائع، وصولاً الى أزمة تشكيل حكومة جديدة تنتظر الضوء الأخضر الدولي والإقليمي وتتوسّله من الجميع إلاّ من الشعب اللبناني.

وعلى الحريريين أن يدركوا، أن اللبنانيين لم يبلغوا ولن يبلغوا درجة الغباء التي تسمح لهم بأن يسمحوا لأنفسهم أو لسواهم المساس بمؤسسة الجيش، لأن إنهيار الكيانات يحصل عند إنهيار الجيوش، وعودة مصر الى ذاتها والى ثورتها والى منطق الدولة، وانتفاضتها على منطق “الجماعة” والجماعات ما كانت لتتمّ، لولا حفاظ القوات المسلّحة المصرية على تماسكها، والتجارب التي مرّ بها العراق ودول “الربيع العربي” كافية لنا لنُدرك أن وحدة الجيش اللبناني وسلطته المُطلقة على الأرض وحدها الضامنة للبنان الكيان والدولة والوطن، ولن يقع اللبنانيون في فخٍّ وقع فيه العراقيون واليمنيون والليبيون وسواهم..

حلّ الجيش العراقي كان أحد الأخطاء القاتلة بحق الكيان العراقي والدولة المركزية، وها هو العراق اليوم يدفع الأثمان وباتت دولة العراق كانتونات مذهبية، وفي وقتٍ تشرذم فيه الجيش اليمني الى فصائل غير مُعلنة مما سيُطيل أزمة اليمن، وإنهار الجيش الليبي أمام الثوار وأطماع ما بعد الثورة مما جعل ليبيا دويلات تحكمها العشائر والقبائل، نجد في تونس نموذجاً جيداً عن صمود كيان ما بعد الثورة، لأن الجيش التونسي لديه ثقافة قومية، ورغم التحولات السياسية وصراعات السلطة في مرحلة ما بعد زين العابدين بن علي، فإن الكيان الوطني التونسي لم يتأثر وقومية الإنتماء بقيت جامعة لكل الأطياف لأن مؤسسة الجيش التونسي بقيت سليمة.

لكننا للأسف، في وقتٍ نشهد فيه القوميّة الكردية تقتنص فرصة تأسيس كيان وطني عبر إقليم كردستان العراق، ومؤخراً عبر التوجّه لإعلان حكم ذاتي كردي في شمال سوريا، نجد “القومية اللبنانية” تنهار أمام الرياح المذهبية التي أعمت عيون البعض ولكن، سواء تفتّحت عيونهم وعقولهم يوماً على الوطن أم لم تتفتّح، فإن الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني ستبقى مُدركة وواعية لأهمية الإنتماء القومي اللبناني تحت راية الجيش، ولن يذوب الشعب اللبناني في كيانات مذهبية مدمّرة لا يُدرك عُميان البصر والبصيرة حتى الآن أنها تقضي على الوطن والشعب والكيان…

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى