المؤامرة: الهجمات ضد سورية كانت ظل لحرب ٢٠٠٦

كتب في بدا ية عام 2012.

لسنوات و سورية هدف لمخططات البنتاغون ، و يعود ذلك بشكل كبير إلى موقعها الجيو- استراتيجي في الشرق الأوسط و عملية محاصرة الجمهورية العربية السورية بدأت مع الاتهامات المبكرة المتعلقة بالتطوير المزعوم لأسلحة دمار شامل. و منذ عام 2003 و حتى 2004 و جورج دبليو بوش يدرس استخدام هذا الأمر كذريعة لغزو سورية بعد سقوط بغداد ، على اعتبار أنه المرحلة الثالثة من الحرب العالمية ضد الإرهاب. هذه الحجج فتحت الطريق فيما بعد لاتهام سورية بالتدخل في العراق إضافة إلى دور دمشق المزعوم في اغتيال الحريري في لبنان عام 2005.‏

في عام 2007 تطورت هذه المزاعم المتنوعة تجاه الاتهام بدعم فتح الإسلام قرب مدينة طرابلس اللبنانية إضافة إلى الادعاءات بأن دمشق و بدعم من طهران و بيونغ يانغ متورطة في برنامج سلاح نووي سري، الذي زعم بأنه جزء من محور الانتشار النووي السوري الإيراني الكوري الشمالي . و الآن في 2011- 2012 يتم اللعب بورقة (مسؤولية الحماية الإنسانية).‏

الطريق إلى دمشق يمر عبر بيروت، و خارطة الطريق التي وضعتها واشنطن ضد سورية كانت دائماً تضم لبنان كقاعدة انطلاق متعددة الجوانب. و في الواقع، أرادت واشنطن و حلفاؤها إرسال قوات اليونيفيل ، و معظمهم من جنود الناتو، إلى لبنان ليتمركزوا على الحدود اللبنانية السورية عام 2006 ، و مع شعورها بالتهديد تنبهت دمشق إلى أن حدودها مع لبنان يجب أن تغلق، غير أن الفكرة أهملت.‏

لقد كانت سورية الهدف الرئيسي في هجمات إسرائيل على لبنان عام 2006، فالتغيير الحكومي في دمشق كان الغاية الأساسية . و هزيمة تل أبيب في لبنان على يد حزب الله و حلفائه جنبت سوريه هجوما و منعت حربا إقليمية أوسع تضم الناتو و إيران.‏

و بعد أحداث 2006 في لبنان بادرت واشنطن بالحوار الدبلوماسي مع سوريه. و هذه المحاولات استمرت حتى 2011 و هدفها فصل سوريه عن إيران و جبهة المقاومة أو محور المقاومة . و خلال العلاقات الدبلوماسية ، و التي سعت لإبعاد واشنطن عن دمشق، قام توم لانتوس، مسؤول لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي ، بزيارة دمشق و نبه الحكومة السورية إلى ضرورة الانضمام إلى صفوف السعودية و الولايات المتحدة ضد إيران.‏

و هدد لانتوس سورية ،بينما كان يحاول إظهار المودة، بأن سنوات قليلة تفصل عن الحقيقة الجيوسياسية و هي أن المسلمين ، لا إيران تحت حكم محمود أحمدي نجاد ، من سيسيطرون على المنطقة ، و أنه من صالح دمشق أن تعلم في أي طرف ستكون.‏

لقد حدد عام 2007 لأجل هجوم إسرائيل ثانية على لبنان، غير أن هذا لم يحدث. و لكن الحقيقة المؤكدة هو أن الأحاديث كانت تدور حول حرب موجهة ضد سورية أيضا. و أدركت كل من واشنطن و تل أبيب بأنهما ما عاد بإمكانهما شن حربين منفصلتين ضد سورية و إيران. فدمشق و طهران لا يمكن أن تقاتلا بشكل منفصل عن بعضهما البعض. فالحرب ضد سورية تعني حرباً ضد إيران و العكس صحيح.‏

و بالنظر عبر التسلسل الزمني للأحداث و كل التواريخ المهمة, سيظهر أن واشنطن كنت تخطط في الأصل لحرب مع إيران في نهاية 2007 أو في 2008. و هذا واضح من كل التصريحات من الجانبين في عام 2007 المتعلقة بالاستعدادات للحرب. و هذا يتناسب تقريبا مع التسلسل الزمني للتدريبات العسكرية الأميركية و التصريحات الرسمية و شائعات الحرب و تصريح الجنرال ويلسي كلارك التاريخي عام 2001، في أعقاب غزو أفغانستان، القائل إن سورية متضمنة في قائمة دول الغزو العسكري الأميركي على أساس خارطة الطريق العسكرية ذات السنوات الخمس. غير أن هزيمة إسرائيل في لبنان أفسدت التسلسل الزمني لخارطة الطريق العسكرية التي وضعها البنتاغون.‏

في عام 2007 و مع حديث كل الأطراف عن اشتعال حرب إقليمية ، كانت واشنطن و حلفاؤها قد بدؤوا حربهم. ففي هذه الفترة بدأت حروب الظل و زعزعة الاستقرار ضد لبنان و سورية و إيران, فقد أمر جورج بوش الابن ببداية حرب الظل التي تضم مزيجا من الثورات الملونة و الهجمات السرية.‏

في لبنان انبثق فتح الإسلام في الشمال ، بتصدير من الولايات المتحدة و السعودية الأردن و مصر و تحالف 14 آذار بقيادة الحريري لأجل محاربة حزب الله و حلفائه في لبنان. و بالتوازي مع ذلك ، كانت تشن أيضا ًحرب تجسس مكثفة ضد الحزب و حلفائه.‏

و في ايران كثفت منظمة جند الله(أسست عام 2003) هجمات في إقليمي سيستان و بالوشيستان مستخدمة أفغانستان و باكستان كمنصة انطلاق. و تكثف أيضا العمل على تأسيس محكمة خاصة بلبنان وأضحت عاملا في كواليس القتال الداخلي اللبناني عام 2008 بين معسكري حزب الله والحريري.‏

و مع فشلها بشن حرب عام 2007 و 2008 كانت تل أبيب في طريقها لتجديد الحوار مع دمشق. و ضمن إطار تعميق العلاقات السورية التركية، عملت أنقره على تسهيل محادثات غير مباشرة بين دمشق و تل أبيب. غير أن العقبة كانت تكمن في سياسة سوريه الخارجية و انتمائها إلى محور المقاومة.‏

و ثانية في عام 2008 عرقلت الأحداث في لبنان أجندة واشنطن. فتحت ستار حكومة السنيورة كان معسكر الحريري يعمل بشكل منظم لإضعاف حزب الله بما يتماشى و مصالح واشنطن و تل أبيب. و كان الحريري و حلفاؤه قد منحوا أصلا دعما ضمنيا لإسرائيل خلال القصف الجوي على لبنان عام 2006 مع الأمل بالقضاء على حزب الله نتيجة للحرب. و الجهود التي بذلها معسكر الحريري لإزالة شبكة الاتصال الإيرانية التابعة لحزب الله كانت تهدف لشل الحزب لوجستيا و تكتيكيا. و في النهاية أدى التوتر المتزايد بين الجانبين اللبنانيين حول القضية إلى اندلاع قتال في أيار 2008.‏

و في المعركة الداخلية في لبنان عام 2008 حقق حزب الله نصرا تكتيكيا على الأرض و نصرا سياسيا له و لحلفائه في اتفاق الدوحة. فقد هزم حزب الله الجيش الخاص الذي بناه معسكر الحريري، و احتفظ بشبكة اتصالاته، و فاز بحق النقض في حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية الجديدة.‏

و بينما عمل كل من حزب الله و معسكر الحريري على التقليل من أهمية القتال الذي وقع بينهما في 2008، كان هناك مخاطر أخرى، إذ إن حربا سرية محمومة تشمل عملاء استخبارات من الأردن و دول الناتو و دول مجلس التعاون الخليجي كانت تدور في بيروت و حولها.و قد تمكن حزب الله بشكل فعال من تعقب هذه القوى. و فيما بعد علق مسؤولون أميركيون و إسرائيليون على هذه الأحداث بشكل مبهم و وصفوها بـ (نكسة رئيسية) و بأنها (دمرت سنوات من العمل في لبنان).‏

و استخدام لبنان من قبل المعادين لسورية كسلاح سياسي لإضعاف الأخيرة جيو- استراتيجيا ( وفق طلب ريتشارد بيرل و المحافظين الجدد الآخرين في ورقة السياسة الإسرائيلية) و صل إلى نقطة جمود حقيقية. فغادر وليد جنبلاط و حزبه (التقدمي الاشتراكي) تحالف الرابع عشر من آذار و أجبر الحريري على التراجع عن اتهاماته ضد سورية حول مقتل أبيه عام 2005. بل و ذهب إلى التصريح لصحيفة الشرق الأوسط، الناطقة بلسان رعاياه من آل سعود ، بأن ادعاءاته ضد دمشق كانت تحركها السياسة ، فقال: (لقد كان هذا اتهاما سياسيا و انتهى).‏

و انسحاب الولايات المتحدة من العراق جعل إخراج سورية من مدار إيران أمرا ضروريا لتل أبيب و واشنطن. في عام 2011 تم التخلي عن الدبلوماسية لصالح (تغيير النظام). و بدأ العمل الأساسي لأجل هذا عام 2010 بعد قمة في دمشق جمعت الرئيسين أحمدي نجاد و بشار الأسد و سماحة السيد حسن نصر الله، حينها أدركت واشنطن عبثية جهودها الدبلوماسية لإقصاء سوريه عن إيران.‏

و مع تضاؤل الأبعاد السياسية للبنان كمنصة انطلاق ضد سورية بعد انتصار حزب الله عام 2008، و الانتخابات البرلمانية اللبنانية عام 2009، و أخيرا خروج الحريري من رئاسة الوزراء عام 2011. لم تتخل واشنطن و حلفاؤها عن الاستفادة من الأبعاد اللوجستية للبنان كقاعدة لزعزعة استقرار سورية.إذ إن مجموعة من قوات الأمن الداخلي في لبنان، الواقعة بشكل غير رسمي تحت سيطرة معسكر الحريري، كانت تجهز لاستخدام لبنان كصرة أسلحة لأجل ما يسمى بالجيش السوري الحر و قوات أخرى منذ أواخر عام 2010 و حتى منتصف 2011.‏

و كان هناك أيضا المزيد من الدفع الشيطاني تجاه منح صبغة طائفية للأحداث في سوريه. و أصبح التحالف السوري الإيراني موضع تساؤل على أرضية أن إيران غير عربية و ذات غالبية شيعية و سورية ذات غالبية سنية. و كانت هذه بروبوغندا مجرده, و بالعودة للمنطق ليس بإمكان أولئك الذين دفعوا بشكل قذر تجاه هذا النقاش تبرير التحالف بين السعودية و قطر و الأردن و مجلس التعاون الخليجي من جهة و تركيا و الناتو و الولايات المتحدة من جهة أخرى ، و وفقا لنفس المعايير، الأخيرون دول غير عربية ،و باستثناء تركيا، غير مسلمة . و مع ذلك لا يطبق هذا المعيار البغيض عند التطرق إلى العلاقات الخارجية.‏

و وفقاً للمعايير الجيو سياسية ، يمكن القول إن دعم الناتو و مجلس التعاون الخليجي للتمرد المسلح في الجمهورية العربية السورية ما هو سوى محاولة لتحقيق ما فشلت حرب إسرائيل عام 2006 في تحقيقه، و هو استسلام دمشق. فباستخدام الحدود السورية مع لبنان و الأردن و تركيا و العراق يتم دعم و تزويد المجموعات المسلحة. و من بين المقاتلين الغرباء أعضاء من فتح الإسلام من لبنان و أعضاء من مجموعة النهضة ، و التي مولت بشكل أساسي من الولايات المتحدة عندما أسست عام 2005 و دخلت سورية عبر الأنبار العراقية.‏

بقلم مهدي داريوس نازيمروايا‏…‏

عالم اجتماع و مؤلف يعمل في مركز أبحاث العولمة في مونتريال و متخصص في شؤون الشرق الأوسط و آسيه الوسطى.‏

ترجمة رنده القاسم

المصدر: غلوبال ريسيرتش

بالعربي مواضيع اخرى بذات السياق اضغط هنا

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى