الكرد .. خارج اللعبة السياسية و إطار التفاهمات

ازاء التحولات السياسية و الميدانية في سوريا، جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا صادماً في مكان و زمان يبدوان أقرب إلى العبث بما تم إنجازه سورياً، فالتطورات المتسارعة تشي بأن الرئيس الأسد بات بحكم المنتصر، و باتت لعبة الأمم التي حيكت ضده في طريقها إلى التفكك و التشرذم، و ذلك بالاستناد إلى جُملة معطيات أبرزها المنجزات الميدانية التي شهدتها الجغرافية السورية، و التي ستُفضي إلى وقائع سياسية تكون في جزئياتها اساسا لحل سياسي و بصيغة سورية خالصة، ضمن هذه المعطيات و التحولات التي لا تخلو من تعقيدات مفتعلة أمريكياً، يبدو أن الكرد لم يُفلحوا في الدخول إلى نادي الكبار، فاللعبة الدولية التي جاءت بها واشنطن للشرق الأوسط، يُراد منها استمرار الصراعات، و لا ضير بأن تكون سوريا مسرحاً لتلك الصراعات التي يجب استثمارها إقليميا و دوليا لتفعيل نظرية تجزئة المجزئ، و عليه حاول الكرد في سوريا فرض أنفسهم كلاعبين في تأسيس خارطة سوريا التي رُسمت أمريكيا، لكن رهاناتهم لم تصمد أمام تداعيات المشهد السوري، ليأتي تأسيس خارطة سوريا بتوقيت سوري، يُخالف كافة الخطط الأمريكية في التقسيم و فرض مناطق النفوذ.

إن المراقب للتطورات في الشرق الأوسط، يُدرك بأنه ثمة الكثير من المطبات التي لم يُفلح الكرد بإعادة صوغها أو الاستفادة من تجارب سابقة، و تأسيس منهج سياسي فاعل، فقد ظن الأكراد أنهم الرقم الصعب في أي معادلة تُأسس للحل في سوريا، لكن المعادلات الدولية أقصت اللاعب الكردي باكرا و في مناسبات عددية، حيث أن خسارة عفرين تُعد مثالا في التخلي الأمريكي عنهم، ليتم بعد ذلك تأكيد المؤكد عبر قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، و ترك الكرد بين فكي كماشة، القوات التركية المتأهبة للانقضاض عليهم من جهة، و تنظيم داعش الإرهابي من جهة أخرى، يُضاف إلى ذلك صمت روسي إزاء تطورات شرق الفرات، ما يُحتم على الكرد انكفاء سياسي و عسكري، و البحث مجددا عن طريق يقودهم إلى دمشق، فالخسارة التي لحقت بهم لا يمكن أن تُحيط بها أية أثمان، فـ سقوط الجغرافية من يد الكرد يعني سياسيا سقوط الهدف بالحصول على كيان بدعم غربي.

صحيح أن قرار ترامب سوق يُقصي اللاعب الأمريكي من طاولة تقرير مصير التسوية السورية، لكن القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا وضع الإخفاقات و الانكسارات الأمريكية في سوريا، في بازار إعادة التحالفات، حيث أن تركيا و رغم ما يُشاع عن صفقة جمعتها بالأمريكي إبان قرار ترامب، تبحث عن ميزان قوي و تنافسي تضع في إحدى كفتيه هواجسها جراء تطلعات الكرد، فضلا عن أنه لا يمكن لتركيا أن تخسر روسيا و إيران للاستعانة بهما من أجل أي تغلغل “مؤقت” شرق الفرات، و ذلك يأتي في إطار تفاهمات تعتمد مبدأ السيادة السورية منهجاً، و عليه فإن سوريا و حلفاؤها، و قد نقول في فترة قادمة تركيا، باتوا يدركون بأن أمريكا تسعى لتحريك خيوط اللعبة في الشرق الأوسط و التحكم بها بعيداً عن ميادين هذا الشرق، و لا بد من تبني استراتيجية ناجعة لمواجهة الاستراتيجية الامريكية، و في خضم هذا التموج الإقليمي و الدولي بات الكرد مكشوفين جراء قرار ترامب، و ذلك من شأنه أن يطوي صفحة الكرد سياسيا، و إقصاءهم من اية تفاهمات تؤسس لحل سياسي في سوريا، ما لم يعودوا إلى رشدهم و السير في ركب وطنهم الأم سوريا، و من أجل أن لا يكونوا ضحية المصالح الدولية و الإقليمية المتقاطعة حيناً، و المتناقضة أحيان كثيرة، و بهذا فقط، سيكون الكرد أمام مسؤوليات وطنية، ستجنبهم القرارات الخاطئة، و التعويل على الأمريكي أو الفرنسي، فلا ضامن لتطلعاتهم إلا دمشق، فهي القادرة على حمايتهم و استيعابهم من مطبات اللعبة الدولية و تداعياتها.

في المحصلة، على الكرد أن يغتنموا فرصة جاءت بها منجزات الدولة السورية و جيشها في السياسية و الميدان، فـ دمشق باتت تُحكم سيطرتها على غالبية الجغرافية السورية، و باتت رقعة انتصاراتها خارج حدود الزمان و المكان، و أي تعويل كردي على قوات فرنسية أو عربية مشتركة، سيكون كمن يُعول على الشيطان، لذلك، و إن رَغب الكرد بالوصول إلى مستقبل سياسي يُجنبهم خنجر واشنطن و أدواتها، عليهم بناء معادلة سياسية ذات قواسم مشتركة تجمعهم و تقربهم من الدولة السورية، فأبواب دمشق مُشرعة للجميع، حيث أن دمشق كانت و لا زالت اللاعب الأقوى و صاحبة الأوراق الذهبية في أي تسوية، فلا سقف يعلو على سقف دمشق.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى