القطبــة المخفيــة فـي الحــرب اليمنيــة: لماذا قرر أوباما تفجير الوضع في اليمن؟

التحليلات التي تناولت أسباب العدوان السعودي على اليمن تقف عند فرضيتين، الأولى مؤداها، أن السعودية أدركت أن اليمن خرج من دائرة نفوذها بسبب التمدد الإيراني عبر أنصار الله وثورتهم الشعبية التي رفعت شعار إنهاء الهيمنة الأمريكية والتبعية للسعودية، وكان لزاما علي آل سعود استدراك الأمر قبل فوات الأوان، لإعادة اليمن إلى حضيرتهم لما يمثل استقلاله من خطر جسيم على أمنهم القومي، في إطار رؤية شمولية طوباوية تقول بضرورة احتواء نفوذ إيران بالحروب العسكرية، والإرهاب، والفتن المذهبية، في اليمن والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان وليبيا وغيرها..

وهناك من يربط بين هذه الرؤية السعودية المدعومة أمريكيا بهدف تحجيم دور إيران في المنطقة، وهذا يعني أن السعودية أصبحت أقوى من أمريكا، وأنه بإمكانها النجاح في ما فشلت فيه واشنطن خلال أكثر من ثلاث عقود من العقوبات والحروب بالوكالة.. هذا الربط اللامنطقي، يجعلنا حتما، نستحضر مشروع حرب إقليمية قد تأدي إلى حرب عالمية، وبالتالي، أمريكا ليست بالغباء الذي يجعلها تنخرط فيه وهي تعلم مسبقا أنها تقامر بمصالحها وأمن “إسرائيل” معا، لذلك، فهدف أمريكا هو شيئ آخر لا علاقة له بأوهام آل سعود وأحلامهم بالنفوذ.

أما الفرضية الثانية، فمفادها، أن أمريكا وبعد أن أسقطت السعودية مشروع الإسلام السياسي الإخواني الذي كانت تراهن عليه واشنطن بأدوات قطر وتركيا، لإخضاع المنطقة للإسلام السياسي تحت العباءة الأطلسية، وفشلت في سورية والعراق بالإرهاب والفتن.. نصب لها أوباما فخا محكما في اليمن، واستدرجها من حيث لا تدري للسقوط فيه، بهدف ابتزازها واستنزافها وإنهاء سلطة آل سعود “الوهابية” منبع الفكر التكفيري الذي يهدد المنطقة والعالم، في إطار رؤية استراتيجية لإقامة توازنات جديدة، تعيد توزيع النفوذ في المنطقة بين إيران وتركيا، باعتبار أن الأولى ممثلة للإسلام “الشيعي” العقلاني، والثانية للإسلام الإخواني “السني” المعتدل، الضامن لأمن “إسرائيل” والحريص على استقرارها وازدهارها كموكن طبيعي من مكونات المنطقة.

وليس غريبا أن يأتي تصريح السلطان أردوغان السبت ليصب في هذا الإطار، حيث قال بصريح العبارة، إن تركيا هي أفضل من توفر الأمن لـ”إسرائيل” في المنطقة، الأمر الذي استنكرته المعارضة التركية، ومثل هذا التصريح الوقح لا يمكن أن يصدر إلا بسبب الفراغ العربي في غياب مشروع قومي حقيقي تقوده دولة قوية كمصر، وبالتالي، فما قاله أردوغان، يدخل في إطار الصراع على النفوذ القائم بين إيران وتركيا تحديدا، وليس السعودية التي هي أضعف من أن توضع في مصاف الدول الإقليمية الكبرى، لأن المال الحرام يستطيع شراء الذمم والولاءات وتمويل المؤامرات، لكنه قطعا لا يصنع القوة الرادعة ولا الزعامة الحقيقية التي تستحق الاحترام، خصوصا وأن السعودية التي تحكمها أسرة قبلية رجعية لا تملك مقومات دولة طبيعية، فأحرى أن تكون قوة إقليمية.

وما يدعم هذه الرؤية الأمريكية للتوازنات الجديدة في المنطقة، هو ما تقوم به تركيا عمليا على الأرض، حيث تزامن ذلك مع سقوط إدلب، وبصرة الشام، ودخول “داعش” إلى مخيم اليرموك في خاصرة دمشق الرخوة وسيطرتها بسرعة على 90 % منه، وتسليم الأردن لمعبر ‘نصيــب” الحدودي مع سورية لجبهة “النصرة” ما يسمح لها بضخ آلاف المقاتلين من هذا المعبر.. ذلك أن تركيا، لن تستطيع توفير الأمن لـ”إسرائيل” عمليا، إلا إذا أسقطت الحلقة الذهبية لمحور المقاومة التي تمثلها سورية.

الفرضية الأولى قد تكون صحيحة من وجهة نظر سعودية رجعية تتوافق مع مفهومها الخاص جدا لأمنها القومي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب الأمن القومي لدول المنطقة، لكن طريقة المواجهة المحفوفة بالمخاطر التي اعتمدتها السعودية كاستراتيجية لتقويم الأمور، في محاولة يائسة وبئيسة لإعادة نفوذها القومي والإسلامي المتداعي من البوابة اليمنية، لن تحقق لها مبتغاها بكل الحسابات الإستراتيجية السياسية والأمنية والعسكرية، لأن الدول في عصر الشعوب، وبعد صحوة الربيع العربي، لم تعد تقبل أن تحكم بأنظمة عميلة، مستبدة، وفاسدة..

وبالتالي، فالرهان على تسليم السلطة بالقوة والقهر لعملاء يفتقدون للشرعية الشعبية لا يمكن أن ينجح في إعادة الأمن والاستقرار، لا في اليمن ولا في ليبيا أو العراق أو سورية أو غيرها من الدول، بما في ذلك مصر التي حصل فيها انقلاب عسكري على الديمقراطية التي أفرزتها الثورة الشعبية لصالح حكم عسكري خاضع للهيمنة السعودية، بغض النظر عن من استلم السلطة بعد الثورة الأولى، لأن المشكلة لا تكمن في إسقاط الإخوان بقدر ما تتعلق بإسقاط الديمقراطية كأسلوب حضاري لتداول السلطة بطرق سلمية واستبدالها بحكم العسكر، وهنا يكمن المقلب الذي شربه الشعب المصري فغاب عن الوعي لفترة لن تكون طويلة.

أما الفرضية الثانية، والتي تبدو أقرب إلى منطق الأمور، فيدعمها معطيين: الأول، يتمثل في الرسالة الخطيرة التي بعث بها السلطان قابوس للملك سلمان الأسبوع المنصرم، نصحه فيها بأن يوقف الحرب ضد اليمن فورا، لأنه فخ أمريكي واضح المعالم يستهدف السعودية والمنطقة برمتها..

وهذه النصيحة “التحذير”، لم تكن الأولى، بل حتى الأمير الوليد بن طلال، سبق وأن نصح ﺁﻝ ﺳﻌﻮﺩ بالقول، إﻥ ﺍﻟﻀﻮﺀ ﺍﻷ‌ﺧﻀﺮ ﺍﻷ‌ﻣﺮﻳﻜﻲ ﻟﻀﺮﺏ ﺍﻟﻴﻤﻦ ﻫﻮ ﻓـﺦ خطير ﻧصب ﻟﻠﻤﻤﻠﻜﺔ ﺑﻬﺪﻑ ﺇﺿﻌﺎﻓﻬﺎ ﻭﺗﻘﺴﻴﻤﻬﺎ.. كما وأن ﺍﻷ‌ﻣﻴﺮ ﻣﺘﻌﺐ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ، رفض بشكل قاطع ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻴﻤﻦ لتداعياتها الكارثية المحتملة على النظام والبلاد.. يضاف إلى ذلك، أن كل الخبراء الإستراتيجيين، العرب والغربيين، يؤكدون، أن تورط السعودية في اليمن هو مغامرة انتحارية، استنادا لموازين القوى على الأرض ولما يقوله التاريخ القديم والحديث، من أن اليمن كان دائما مقبرة للغزاة..

أما الحقيقة الغير معلنة حتى الآن، ويتم تداولها في الدوائر المغلقة باعتبارها تمثل القطبة المخفية في الحرب اليمنية، فتكمن في الجواب على السؤال الذي يطرحه الجميع اليوم باستغراب: – لماذا اليمن؟.. أو بصيغة أكثر وضوحا: – ما مصلحة أوباما في توريط السعودية في اليمن؟..

ودعك من المبررات الواهية التي تتحدث عن النفوذ الإيراني في اليمن، والخوف من سيطرتها على باب المندب، وخلافه من الترهات كاحتلال العراق وسورية ولبنان.. هذه ادعاءات لا تصدقها حتى أمريكا نفسها.. الخوف الحقيقي هو من أن يقيم الشعب اليمني أسسا جديدة لدولة مدنية ديمقراطية حرة ومستقلة.. هذا ما يرعب السعودية لخوفها من عدوى الثورة الشعبية اليمنية وانتقالها إلى الداخل السعودي الهش، ومعروف عن السعودية عدائها الكبير للديمقراطية والحرية وثورات الشعوب، ولنا في ثورات وانتفاضات الربيع العربي الدليل القاطع على ما نقول.

الســر يكمــن فــي القنبلــة النوويــة

ونقصد هنا “القنبلة النووية” بالمعنى المجازي لا الحقيقي، والحديث هو عن قنبلتين: القنبلة النووية الإيرانية والقنبلة النووية السعودية..

فبالنسبة للأولى، لعل أجمل ما وصف به الاتفاق المبدئي في الملف النووي الإيراني هو ما جاء في إحدى وسائل الإعلام الغربية، ومفاده، أنه إذا كان الغرب قد نجح في صنع فزاعة القنبلة النووية الإيرانية الوهمية لابتزاز السعودية من جهة، واستنزاف إيران اقتصاديا على أمل تفجيرها من الداخل كما كان يعتقد من جهة أخرى، فإن العقل الإيراني الجبار قد نجح في بيع هذه القنبلة النووية الوهمية للغرب، وحصل في المقابل على حقوقه في الدورة النووية السلمية كاملة مع تطوير البحث التكنولوجي في هذا المجال، تماما كما كانت تطالب إيران بذلك منذ البداية، وفي نفس الوقت أسقط العقوبات الظالمة دفعة واحدة، وحول إيران إلى قوة إقليمية، بل ودولية عظمى تفاوض الكبار بندية، وفرض نفوذها في المنطقة بقدراته الذاتية من موقع قوة واقتدار ومن خلال الاستثمار في محبة الشعوب واحترامها، من دون التدخل في قرارها السيادي..

وبالتالي، يحق لنا التساؤل اليوم عن من هو الرابح والخاسر في هذه المعادلة العجيبة الغربية؟..

كما يصبح للسؤال الذي طرحه منسق التحالف الدولي السابق ‘ديفيد بتريوس’ قبل فترة، أكثر من معنى حين قال: “إذا كانت إيران قد وصلت إلى ما وصلت إليه من قوة وتكنولوجيا ونفوذ في ظل الحصار، فكيف سيكون الأمر عندما يرفع عنها الحصار وتتدفق إلى خزائنها مئات مليارات الدولارات؟”..

وفي اعتقادي، هنا تكمن معضلة أردوغان الذي قد ينتهي إلى مزبلة التاريخ في حال قررت إيران تخفيض تعاونها الاقتصادي مع نظامه، وفعلت روسيا نفس الشيئ، خصوصا في ظل الوضع المجري الذي تمر منه تركيا اليوم، والذي تحدثنا عنه في مقالة سابقة.

وإذا كان أوباما قد اشترى من إيران قنبلتها النووية الوهمية حين أشاد من البيت الأبيض يفتوى الإمام الخامنئي، ما يسجل لها كانتصار أخلاقي بامتياز، الأمر الذي دفع البعض للقول، إن أوباما تاب على يد الإمام وتحول إلى مسلم “شيعي” بعد أن كان “وهابيا”، وأقام تحالفا دوليا وعربيا “سنيا” لمواجهة الإرهاب في العراق وسورية.. فإنه بتوريط آل سعود في المستنقع اليمني، يكون قد قرر تفكيك القنبلة النووية السعودية المرعبة، والتي تفوق في قوتها القنبلة الإيرانية والإسرائيلية بل والأمريكية أيضا..
كيف ذلك؟..

ينقل أحد الخبراء الإستراتيجيين عن أن الرئيس أوباما في أحد اجتماعاته مع مساعديه في مجلس الأمن القومي الأمريكي، خلال مناقشة مسألة التحالف الدولي والعربي لمحاربة الإرهاب في العراق وسورية، سئل عن السبب الذي جعله يختار التحالف مع دول “سنية” كالسعودية المعروفة بدعمها للإرهاب لمحاربة الإرهاب.. فقال ما مفاده، إن الشيعة في المنطقة أقليات في محيط سني كبير، لكنها أقليات منظمة، قوية ومتماسكة، والمشكلة تكمن في أنه لا يمكن الاستغناء عن حليف قديم كالسعودية، وإن كان التحالف معها يسبب لأمريكا حرجا أخلاقيا بسبب أحداث 11 شتنبر/أيلول 2001، لكن هذا ليس كل شيء، فمعاداة نظام “خادم الحرمين الشريفين” بما يتمتع به من نفوذ سني معنوي واسع في المنطقة والعالم، قد يؤلب الرأي العام الإسلامي ضد أمريكا..

وقبل ذلك، في مقابلة مثيرة للرئيس أوباما مع إحدى وسائل الإعلام الأمريكية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2011، سئل عن سر العلاقة مع السعودية بالرغم من أن النظام في هذا البلد غير ديمقراطي ويدعم الإرهاب، فقال: لأن ملك السعودية يملك سلاحا مرعبا يفوق في قوته التدميرية القنبلة النووية.. فقاطعه مدير الحوار باستغراب.. تقول قنبلة نووية؟.. رد عليه أوباما بهدوء مؤكدا، نعم أقوى بكثير من القنبلة النووية، إنه سلاح “الجهــاد” الذي يملكه “خادم الحرمين الشريفين”.. هذا السلاح قادر على تحريك جيوش المسلمين بالملايين في كل أنحاء العالم ضد أمريكا والغرب، ولن ينفع معه السلاح النووي لتدميره، لذلك، ليس من مصلحة أمريكا والغرب معاداة السعودية.

ما قاله الرئيس أوباما عن القنبلة النووية “السعودية”، لا يمثل رأيا خاصا، بل قناعة لدى الساسة والخبراء في أمريكا وأوروبا التي خبرت “الجهاد” زمن الحروب الصليبية في العصر القديم، وزمن أفغانستان في العصر الحديث وما أدى إليه من سقوط للاتحاد السوفياتي السابق، ولمعرفتهم أن السعودية استثمرت منذ السبعينات في بناء المساجد وترويج الفكر الوهابي التكفيري ليصبح بديلا عن الإسلام بمذاهبه الأربعة في مختلف أقطار العالم الإسلامي..

إلا أن انخراط السعودية في تنفيذ الإستراتيجيات الأمريكية، جعلها تحول “الجهاد” إلى “إرهاب”، برز ذلك جليا في تفجيرات 11 شتنبر/أيلول 2011 وما تلاها من عمليات إجرامية عديدة وصلت إلى أوروبا عبر تفجيرات مدريد سنة 2004 ولندن سنة 2005، انتهاء بعملية شارلي إيبدو الأخيرة.. جعل الشرفاء في الغرب يدقون ناقوس الخطر، محذرين من مغبة الاستمرار في الرهان على سلاح الإرهاب في سورية والعراق، لما يشكله من مخاطر جسيمة على الأمن العالمي..

وهو ما دفع بالرئيس أوباما لتغيير إستراتيجيته في الشرق الأوسط، بهدف دخول التاريخ من بوابة النووي الإيراني وبوابة تجفيف منبع الإرهاب الوحيد في العالم، والمتمثل بالفكر الوهابي التكفيري، ما يقتضي توريط السعودية في اليمن لإضعافها وتقسيمها بعد تفجيرها من الداخل وسقوط قبيلة آل سعود..

والذين يدركون هذه الحقيقة، يفهمون لماذا لم تنجر إيران للحرب في اليمن، لدرجة أن بعض الكتاب المحسوبين على محور المقاومة أصبحوا يتحدثون عن انكفاء إيراني وتراجع في دعم طهران لحلفائها بسبب الاتفاق النووي المبدئي وحرصها على تغيير سلوكها القديم، وفق ما يخلصون، وكأن المطلوب من إيران هو التدخل عسكريا لحماية خلفائها كلما تعرضوا لعدوان.. هذا ليس منطق إيران ولا سياستها القائمة على دعم حلفائها والشعوب المستضعفة لتدافع عن نفسها بنفسها من منطلق الواجب الجهادي والواجب الوطني معا، ورهان طهران كان دائما في محله لأنه منحاز إلى دعم إرادة الشعوب التي هي من إرادة الله التي لا تقهر.. هذا ما يؤكده التاريخ، وهذا ما تفعله إيران بالضبط..
أوبامــا يحــول المنطقــة إلى مختبـر للنظريــات

بمجيء أوباما إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة، وجد نفسه أمام إرث ثقيل من المشاكل السياسية والأزمات الاقتصادية، فبسبب حروب ‘بـوش’ العبثية في أفغانستان والعراق، خسرت أمريكا سمعتها وهيبتها كقوة عظمى تتربع على عرش العالم، ووجدت نفسها أمام عجز بلغ 17.6 تريليون دولار، في حين تجاوز مجموع الديون الداخلية والخارجية مضاف إليها العجز مبغ 83 تريليون دولار، وتبين أن النظرية القائلة بأن حروب أمريكا الخارجية هي التي تجدد الدماء في افتصادها لم تعد صالحة، وأن القواعد الأمريكية المنتشرة في كل أصقاع الأرض تكلف ميزانية الدولة أرقاما فلكية، فقرر أوباما تغيير مقاربته لمنطق الحروب الكلاسيكية باعتماد خيار حروب الجيل الرابع التي تدار من الخلف بالوكالة وبأقل تكلفة ممكنة..

لكن فشل الإرهاب في إسقاط الدولة السورية في إطار مشروع القضاء على حركات المقاومة التي فرختها إيران في المنطقة، جعله يراهن على حصار إيران من العراق، وإقامة مشروع “الخلافة الإسلامية السنية” التي كان يفترض أن تواجه إيران ومحورها الشيعي، فكانت له “خلافة البغدادي” وفق ما أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في مذكراتها الأخيرة..

وحال إعلان “دولة الخلافة”، تبين أن الأمر يتعلق بتنفيذ استراتيجية ثعلب السياسة الأمريكية ‘هنري كيسنجر’ الذي قلما أخطأ في مقارباته للصراعات الدولية، فبشر المسلمين بحروب مذهبية قد تدوم لـ 30 سنة قادمة، على غرار الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا بين البروتستانت والكاثوليك في القرن السابع عشر، باعتبار أن السنة يمثلون الفكر الدوغمائي المتشدد، في حين أن الشيعة يمثلون الفكر التنويري المنفتح..

والفكرة الأساس التي كان يراهن عليها الرئيس أوباما، هي إشعال فتنة مذهبية بين السنة والشيعة من مدخل عقيدة “الجهاد”، وبذلك يضرب عصفورين بحجر.. الأول، انهاء حركات المقاومة الشيعية في المنطقة، وخصوصا حزب الله، وإعادة ترتيب خريطة الشرق الأوسط وفق ما أصبح معروفا للجميع من تقسيم وتفتيت للعالم العربي بما في ذلك السعودية.. والثاني، سحب قنبلة “الجهاد” النووية من يد آل سعود باعتبار عاهلهم هو “خادم الحرمين الشريفين” لما لهذا اللقب من رمزية معنوية تذكر بصلاح الدين الأيوبي الذي كان أول من لقب بخادم الحرمين الشريفين..

ولغبائها، خرجت السعودية تقول على لسان جمال خاشقجي حينها، أن السعودية لا علاقة لها بالإرهاب ولا بعشرات الآلاف من “الجهاديين” الذين التحقوا بـ”دولة البغدادي” من كل أصقاع الأرض، لأن المملكة السعودية ليست “خلافة”، وبالتالي فهي ليست في موقع الدعوة إلى “الجهاد”..

وبهذه الطريقة، فكك أوباما القنبلة النووية السعودية، وحولها إلى مفرخة للإرهاب ليس إلا، والإرهاب لا يمثل الإسلام الصحيح وفق ما يؤكد الجميع، وأمريكا لا تحارب الإسلام بل الإرهاب، والإرهاب هو “سني” لا “شيعي”، لأن الشيعة هم من يحاربونه بفعالية على الأرض.. هكذا أكلت السعودية المقلب.

وحين أدرك أوباما أن استراتيجية ‘هنري كيسنجر’ لإشعال فتنة طائفية تؤدي إلى حرب دينية طويلة فشلت، بسبب عدم انجرار إيران ومحورها لهذا الفخ القاتل، لأنهم يقاتلون التكفيريين و”إسرائيل حصريا، دفاعا عن السنة والمسيحيين وكل مكونات المجتمعات في المنطقة بعقيدة جهادية راسخة وفكر إسلامي منفتح ومتسامح، في حين أن “داعش” وأخواتها يقاتلون الجميع باستثناء تركيا و”إسرائيل”، بعقيدة المرتزقة الوحشية، ولا يهمهم من الحروب سوى الغائم وجهاد النكاح في الدنيا قبل جحيم الآخرة، وأنه لا يمكن التحكم فيهم بعد أن أصبحوا يهددون الأردن والكويت والسعودية وتمددوا لمختلف دول العالم العربي، ووصلوا إلى إفريقيا وأفغانستان..

هنا قرر أوباما التدخل وإقامة حلفه الدولي والعربي “السني” لضبط جموحهم والحد من تمددهم، وترك مسألة إنهائهم لإيران ومحورها.. بموازاة توريط السعودية في المستنقع اليمني، بعد أن اقتنع أن لا أحد سيهب لنصرة آل سعود الأغبياء الظلمة..

وبهذا المعنى، فالسعودية اليوم في مأزق، فلا هي بقادرة على الإستمرار إلى ما لا نهاية في قصف اليمن من الجو بعد أن لم يعد من شيئ تقصفه غير بيوت المدنيين الآمنين والبنية التحتية المدنية، ولا هي قادرة على التدخل البري لمعرفتها أن جيشها الجبان سيدمر في ظرف قياسي في حال أقدمت على هكذا مغامرة، ولم يعد لها من خيار غير القاعدة وحزب الإصلاح (الإخوان المجرمين) في محاولة يائسة لخلق قوة رديفة على الأرض تقاتل الشعب اليمني نيابة عنها، وهي اليوم تلقي لهم بالسلاح من الجو..

لكن حجم القاعدة والإخوان ليس في مستوى الصمود أمام الجيش العربي اليمني وأنصار الله واللجان الشعبية التي اتخذت من استراتيجية التحكم في الأرض أولوية قبل نقل المعركة إلى مستوى آخر، خصوصا بعد أن تحقق اليوم إجماع وطني غير مسبوق لمواجهة العدوان السعودي، ويحتفظ أنصار الله بمفاجآت ستغير وجه المهلكة، ومن ثم وجه المنطقة، وهدفهم منع تقسيم اليمن وفق ما ترغب أمريكا، واستعادة أراضيهم المحتلة من قبل آل سعود (ﻋﺴﻴﺮ ﻭﺟﻴﺰﺍﻥ ﻭﻧﺠﺮﺍﻥ)، أما مشروع أوباما لتقسيم السعودية، فلا يعنيهم في شيء..

وإذا كانت السعودية تراهن على التدخل الإيراني في اليمن لاستجداء دعم الجيوش والشعوب العربية لمناصرتها، بتصوير الأمر وكأن المستهدف من قبل الشيعة هما الحرمين الشريفين، فقد أخطأت التقدير، وراهنت على الوهم، وسقطت في الفخ القاتل الذي نصبه لها أوباما بدهاء..

وسر اللعبة يكمن في أن الصراع في اليمن سياسي وليس ديني، وهو عدوان سعودي غاشم على شعب مظلوم يرى العالم كله كيف يتعرض للإبادة والحصار والتجويع، ولم يقترف من ذنب سوى أنه طالب بحريته واستقلال دولته، للتحكم في قراره السيادي بعيدا عن الهيمنة الأمريكية والتبعية للسعودية.

أحمد الشرقاوي | بانوراما الشرق الأوسط

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى