الضاحية والطريق الجديدة.. قبل معركة القصير وبعدها

جعفر العطار
قبل تدخل «حزب الله» في معركة مدينة القصير وريفها، علناً، كان الحديث عن مشاركة الحزب، عسكرياً، يسلك خطاً متعرجاً يفتقد الوضوح: جمهور المقاومة يتحدث، همساً، عن قتال حزبي في سوريا، بينما الرأي العام المعارض لتدخل الحزب، يصوّب النقاش نحو معارك الحدود والمقامات الشيعية.
لكن اقتحام القصير قبل نحو ثلاثة أسابيع، من جانب الجيش النظامي السوري ومقاتلين من الحزب، قلب المعادلة في ما يتعلّق بسبل النقاش، إذ انتقل من العموميات إلى التفاصيل، خصوصاً أثناء تشييع ضحايا الحزب وبعده.
آنذاك، انتقلت المعارك الطاحنة من ريف القصير، حيث توجد قرى شيعية يقطنها لبنانيون (يُقدّر عددهم بنحو خمسة آلاف)، إلى المدينة التي تتوزع فيها نحو 40 قرية كانت تحتشد بنحو 42 ألف مواطن سوري. وعند انتهاء المعركة، قبل أسبوع، بسيطرة الجيش السوري على المدينة وريفها، ظهرت مواقف سياسية محلية وعالمية، نددت بتدخل الحزب.
وبينما تتوالى المواقف السياسية يوماً تلو يوم، ثمة حالة مذهبية يشتد عودها في لبنان، آخذة في المضي قدماً، وسط الغموض الذي يكتنف مستقبل مشاركة الحزب العسكرية، في المعارك المقبلة في سوريا.
وإذا كان اللبنانيون يسمعون بعضاً من الآراء المذهبية، الآتية من سكان جبل محسن وباب التبانة مصحوبة بالرصاص والقذائف، غير أن اللغة المذهبية لم تعد حكراً على طرابلس.
علاقة الضاحية بالطريق الجديدة، بما تحمل من آراء إزاء الحرب في سوريا وانعكاسها على لبنان، هي نموذج عن لعنة مذهبية بدأت ترسخ أكثر من أي وقت مضى بين أبناء الوطن الواحد، وتنخرهم. في الآتي، خلاصة جولة ميدانية للمنطقتين، قبل سقوط القصير، عسكرياً، وبعدها.
1400 عام إلى الوراء
«مبروك النصر على السنّة»، عبارة يسمعها زائر الطريق الجديدة، رداً على الرصاص الذي أطلق ابتهاجاً في الضاحية، بعد سقوط القصير عسكرياً. تعلو العبارة اليوم وتتأجج، بينما كانت سابقاً أخف وطأة، تحديداً حين كان «حزب الله» متوارياً إلى حد ما عن الاعتراف بمشاركة عسكرية في سوريا.
وعلى الرغم من إعلان الأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله، في خطابه الأخير أن الحزب لا يقاتل السنّة وإنما الجماعات التكفيرية، غير أن أبناء الطائفة السنّية الذين يقطنون في الطريق الجديدة، لديهم وجهات نظر مغايرة، وأسئلة عدة.
ومثلهم، يملك جمهور «حزب الله» في الضاحية، قناعات تبرّر القتال في القصير وتدعم الحزب، مصوّبة أجوبتها وأسئلتها تجاه التكفيريين، وبالتالي يقولون إنهم يبتهجون لنصر «استبق مجيء أصحاب اللحى الطويلة الذين يأكلون قلوب البشر». في المنطقتين، يسمع المرء آراء تتداخل فيها السياسة والاستراتيجيا والعسكر والديبلوماسية الدولية، وغيرها من التحليلات والتبريرات، التي مهما ابتعدت فإنها تقفز ألف وأربعمئة عام إلى الوراء: سني.. شيعي.
جذور الخلاف السوري اللبناني المذهبي، بدأت تتبدى في اليوم الأول من انطلاق الثورة السورية، التي بدأت سلمياً في درعا، في آذار من العام 2011. حينها، كانت الطريق الجديدة المنطقة الأولى في لبنان، التي يعبّر سكانها عن تضامنهم مع الثوّار، وراحوا ينظمون الاعتصامات في باحات مواقف السيارات وأمام «مسجد الإمام علي».
مذاك، كان في لبنان وجهات نظر متباينة في شأن الأحداث السورية المتعاقبة: غالبية سكان الضاحية، كانوا يعتبرون أن ما يجري مردّه مؤامرة إقليمية تبتغي اقتلاع الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم، وبالتالي القضاء على محور المقاومة والممانعة.
في المقابل، كان مؤيدو الثور السورية في الطريق الجديدة، يعتبرون أن اللبنانيين يعرفون مدى بشاعة القبضة الأمنية السورية من خلال تجربة الحكم السوري في لبنان. وبذلك، فإنهم يعتبرون أن الانتفاضة الشعبية هي ردّة فعل طبيعية، شبيهة بثورات كل من مصر وتونس وليبيا واليمن.
بالإضـــافة إلى ذلــــك، يقــــول أحـــد وجـــهاء الطريق الجـــــديدة، الــــذي كــــان من أبرز الناشطــــين في تنظيم المسيرات المتضامنة مع الثورة السورية في بداياتها، إن «النظـــــام السوري يُعتبر من المتهـــمين الأساسيين في قــــتل الرئيس رفيق الحـــريري، ونحن نحــــمل ثأراً قديمــــاً. وقبل انــــدلاع الثـــورة في سوريا، كنا نعاني يومياً من القبضة الأمنـــية للنـــظام في لبنان».
وعند اندلاع الثورة في سوريا، «شعرنا بالأمل في اقتلاع الأسد من الحكم، وبدا واجبا علينا أن نتضامن مع السنّة في سوريا، الذين قرروا أن يثوروا على الطاغية بشار».
وبينما كانت غالبية سكان الطريق الجديدة يعلنون مواقفهم جهاراً من الأحداث في سوريا، كان أبناء الضاحية يلتزمون الصمت: لا تأييد ولا تنديد علنا. لكن ضمناً، وفي المجالس الخاصة، كانت الآراء أيضاً متباينة، غير أن أكثريتها تصب في خانة الدفاع عن الأسد، الذي يعتبرونه «حامي ظهر المقاومة في بلاد الشام».
ومن بين الآراء المشككة، ظهرت أسئلة في الضاحية، تمحورت حول أسباب الثورة في سوريا ودوافعها: «لماذا يريدون أن يثوروا على الرئيس الأسد؟ الكهرباء موجودة في بلادهم، والوظائف متاحة، والمدارس والجامعات مجانية، والأسعار تناسب الفقراء. إذاً القصة ليست قصة ثورة، بل مؤامرة سياسية».
لكن المشككين في نظرية المؤامرة في الضاحية كانوا يستعيرون وقائع الثورة في البحرين، ليسألوا: «لماذا لا نعتبر أن الثورة في البحرين أيضاً مؤامرة؟ إذ أن الثائرين هناك يعيشون في بلاد تنصفهم اقتصادياً واجتماعياً. لماذا لا نقول إنها مؤامرة؟ ثمة شيء اسمه حرّية، لأجله ثار الشعب في سوريا، وفي البحرين. ونحن أكثر من يعرف قبضة السوري الأمنية ونزقه!».
حدث ذلك قبل انتقال الثورة السلمية إلى معارك مسلّحة، بين النظام السوري والجماعات المسلّحة. إذ بعد بدء الحرب، والتفجيرات التي شهدتها سوريا، وشيوع أخبار وأنباء عن تورط جهات لبنانية معارضة لنظام الأسد، في دعم المسلحين، بدا الرأي العام في الضاحية موحداً: «ما يحدث هو مؤامرة لمحو المقاومة.»
في المقابل، كان الرأي العام في الطريق الجديدة ينظر إلى الأحداث العسكرية المتتالية، على النحو التالي: ثمة ثورة بدأت سلمياً، وقام النظام بمواجهتها بالقصف والصواريخ، فقتل مَن قتل مِن شعبه. ونتيجة لذلك، تم تشكيل جماعات مسلّحة، لمواجهة القبضة العسكرية والدفاع عن الشعب.
المجموعات العسكرية المسلّحة، وفق الأخبار التي كان يسمعها أبناء الضاحية، تحمل عقيدة تكفيرية وتقتل بأبشع السبل من دون رحمة. مع ذلك، لم يتحوّل الرأي العام في الضاحية، حينها، من موقف تضامني شفهي إلى موقف عملي، مثل الآن.
«السنّة أهلنا»
قبــــل معركة القصير، كــــان جمــــهور «حزب الله» يشاهد مقــــاطع فيديو تظهر معارك في محــــيط مقام «السيدة زينب» في الشــــام. وبدأ يــــتردد آنذاك أن مقاتلــــين من الحزب يشاركون في حمــــاية المقام. وبدا ذلك الأمر، بالنسبة إلى مناصري الحزب، واجباً دينياً.
وشيئاً فشيئاً، تحول موقع «يوتيوب» إلى مرجع شبه أساسي، تسانده خدمة التواصل الخلوي «واتس أب»: مشاهد فيديو تبيّن مقاتلين يقولون إنهم معارضون لنظام الأسد، ويعلنون أن حربهم المقبلة ستكون ضد الشيعة في لبنان. مشاهد أخرى تظهر أحد المقاتلين يأكل قلب جندي موالٍ للنظام. فيديو عن إعدام جماعي لضباط من الطائفة العلوية. وغيرها من المشاهد الدموية.
وكانت الأخبار تتوالى في شأن القرى الشيعية في ريف القصير، بالتزامن مع معلومات تفيد بأن مقاتلين للحزب ينتشرون على الحدود لحماية اللبنانيين. لكن ما إن بدأ اقتحام القصير وتوالى سقوط الضحايا من الحزب، حتى أصبح المقاتلون الجرحى، هم المرجع في ما يتعلق بمشاهداتهم لـ«فظائع التكفيريين».
القصة تبدأ برواية المقاتل العائد لتفاصيل ميدانية لذويه، فينقل ذووه ما سمعوا للأصدقاء، والأصدقاء يخبرون الجيران، وهكذا. وتمحورت القصص حول «أشخاص أتوا من دول خليجية ومن الشيشان، يحملون أفكاراً تكفيرية. يأكلون لحوم البشر، ويريدون قتل الشيعة».
وبينما كان ثمة جزء من جمهور «حزب الله» معارضا لتدخل الأخير في المعارك السورية، تحوّل مناصرو الحزب إلى مؤيدين بصورة جماعية، تحفزهم فكرة «استباق مجيء هؤلاء التكفيريين إلى بلادنا. فلو نجحوا في الحرب السورية، فسيأتون إلينا وهم أقوياء تعتريهم نشوة الانتصار. أما إذا استبق الحزب انتصارهم، فسنضمن أنهم لن يفكروا بمحاربتنا على أرضنا».
وعلى الرغم من عدم سقوط ضحايا نتيجة صاروخي عيتات، إلا ان الصاروخين اللذين أصابا منزلاً في الشياح ومعرض سيارات عند تخوم طريق صيدا القديمة، كرّسا ورسّخا الهاجس الذي كان يخشاه جمهور الحزب: «التكفيريون يريدون محاربتنا ما إن تتسنى لهم الفرصة الميدانية». وبالتالي، ازداد تأييدهم خطة الحزب في ما يتعلّق بالقصير، وبدت المفرقعات النارية دليلاً واضحاً على ردة فعل جمهور «حزب الله» في الضاحية، حين أعلن عن سقوط القصير عسكرياً.
لكن المبتهجين بـ«النصر»، يقولون إنهم احتفلوا بهروب التكفيريين وانهزامهم، أما «السنّة في سوريا أو في لبنان، فهم أشقاء لنا منذ القدم».
ويستشهد هؤلاء بـ«أدلة موجودة بيننا»، وفق إفاداتهم: «يستطيع أي شخص أن يتوجه إلى حيّ السلّم. سوف يجد نازحين سوريين، غالبيتهم مؤيدون للمعارضة السورية. وثمة نسوة، نحن نعرف أن رجالهن يقاتلون إلى جانب التكفيريين، لكننا لم نمسّهن بكلمة».
مع ذلك، انتشرت قصة ذات تفاصيل متباينة، تقول إن رجلاً سورياً كان يملك عربة خضار في حيّ السلّم، تشاجر مع أحد سكان المنطقة، فانقلبت العربة وتبين أنها كانت تحوي أسلحة. وتتعدد الروايات في شأن تفاصيل القصة: ثمة من يقول إن الأسلحة كانت تشمل رشاشات وقنابل، وثمة من يقول إنها كانت تضم رشاشاً واحداً.
وما إن انتشرت القصة بين الناس في الضاحية، خصوصاً عبر الـ«واتس أب»، حتى أصبحت نموذجاً يُعتمد أثناء الحديث عن التوجس من نازحين سوريين في الضاحية: «صحيح أن الحزب يقوم بإجراءات أمنية مكثفة، لكن ثمة من النازحين من يتجهز للثأر منّا. هل سمعت بقصة صاحب عربة الخضار في حي السلّم؟».
يفتح الجواب الباب على أسئلة عدة في الضاحية، تبدأ من القصص الفردية وتنتهي عند التنبؤ بما ستحمله الأيام من سوريا. إذ تنقسم بين آراء تتناول وضع السوريين في لبنان، والتخوف من استخدام بعضهم لعمليات أمنية، وبين آراء تركز عصب النقاش حول أفق مشاركة «حزب الله» في المعركة السورية.
معارضة خجولة
يبدو من الصعب وجود أشخاص في الضاحية يعارضون التدخل الحزبي في معركة القصير، حتى من المتعلّمين و«المثقفين»، أي النخبة، إذ يعتبرون أن المشاركة أبعدت شبح التكفيريين عن لبنان، بينما ثمة من يسأل: «هؤلاء لا بد من قيامهم بثأر مرتقب». لكن حاملي السؤال المتوجس، لا يظهرون معارضة علنية لتدخل الحزب في سوريا.
وإذا كانت معركة القصير قد اكتسبت تأييداً واسعاً من جمهور الحزب في الضاحية، تشبه التعاطف العلني للقتال إلى جانب المقامات الدينية، غير أن السؤال الأساس حالياً لدى بعض جمهور «حزب الله»، يحوم حول المستقبل العسكري في سوريا: «هل سيدافع شبابنا عن الأسد في حلب؟ لماذا لا ترسل إيران شبابها للقتال بدلاً من أبنائنا؟».
وفي جولة عشوائية، تشمل سكاناً في الضاحية من مختلف الأعمار وحقول العمل والمستويات العلمية، تتشكل خلاصة مفادها التالي: الجزء الأكبر من جمهور الحزب بات على قناعة بأن «القيادة» تدرك المخاطر المحدقة بظهر المقاومة، فتتصرّف عسكرياً وسياسياً وفق هذا الأساس.
المؤيدون لقتال «حزب الله» في أراض سورية لا تحتضن لبنانيين، يقولون إن «الأسد لو سلّم رأس المقاومة، فما كان أحد قد تحدّث عن ثورة. إذ كل المطلوب هو القضاء على المقاومة. ولذلك، نحن مع الدفاع عن أنفسنا، من خلال حماية نظام الأسد».
أما المعارضون، فيلجأون إلى طرح أسئلة ميدانية، مفادها: «لماذا نُشرك شبابنا في معارك لا نعرف مدى احتمال نجاحها؟ ولماذا يجب أن نوافق على خلق بيئة سنّية معادية لنا في لبنان والوطن العربي؟ ومن قال إن مشاركة الحزب في المعارك الأخرى ستكون حاسمة مثل القصير؟».
ويشبّه معارضو الحزب الذين يقطنون في الضاحية، ظروف تدخله في الحرب السورية، بـ«تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان، ثم في العراق، بذريعة استباق الإرهاب. حينها، ندد الحزب بذلك، واليوم هو من ينفذ الحرب الاستباقية. نحن في مستنقع يصعب الخروج منه بأقل الخسائر».
غير أن المقتــــنعين بخطـــــة الحـــزب العسكــريةـ ــ السياســــية في سوريا، وهم جمهور واســــع ويـــزداد مـــع مــــرور الأيام، فيسحبون ورقــــة قــــديمة، تقــــول إن «الاحتــــقان المذهبي وُلد منذ اغــــتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. أي منذ ذلــــك الحين، والشيعة يُعتبرون هدفاً وتُكال لهم الضغائن المذهبية. فماذا اختلف الآن؟».
مع ذلك، يحمل هؤلاء الذين يؤيدون «حزب الله» حالياً، بعض الاعتراضات على أدائه الإعلامي، إذ يقولون إن قناة «المنار» تتصرّف بطريقة لا تراعي «مشاعر الطائفة السنّية»، بينما «تستطيع أن تتودد إليهم، وأن تخفف من تقديس الجيش العربي السوري. وتستطيع أن تقنع المشاهدين بأن المعركة ليست مع الطائفة السنّية، بل مع التكفيريين».
حالة «جديدة»
في الطريق الجديدة أعلام دينية ترفرف عند أعمدة الكهرباء. منها ما يدعو إلى الجهاد والنصرة، ومنها ما يقول: «لا إله إلا الله..».
توضح جولة موسّعة في المنطقة، بعضاً من الصورة المبهمة لما يتردد من عبارات مذهبية تخرج من أفواه بعض أبناء الطريق الجديدة، مثلما تخرج من بعض سكان الضاحية.
ثمة قناعة هنا، ترفض النقاش في «فكرة أن يكون حزب الله يدافع عن الشيعة في سوريا. إنه يقاتل السنّة هناك. يقاتلنا». ويتردد سؤال أساسي في المنطقة: «هل كل سكان القصير، وهم أكثر من أربعين ألفاً، يؤيدون التكفيريين؟ وهل الجماعات المسلّحة كلها تكفيرية؟ ألا يوجد سكان في القصير قرروا القتال، لكن لا علاقة لهم بأي فكر تكفيري، بل مقاومة حرّة، وإن كانت إسلامية فليست تكفيرية؟».
وفي الطريق الجديدة، كما في الضاحية، يُعتبر الـ«يوتيوب» مخزناً وافراً لمشاهدات تشد الوتر المذهبي: فيديو يظهر أشخاص يقفزون فوق الجثث في القصير، ويتفوهون بعبارات طائفية. ويقول الشبان في المنطقة إن هؤلاء الأشخاص هم من مقاتلي «حزب الله»، لكن من دون الركون إلى أي دليل.
وتجمع الإفادات التي استقتها «السفير» من بعض سكان الطريق الجديدة، على وجود حالة «جديدة» ظهرت بسبب قتال «حزب الله» في سوريا، تكمن في تشكيل «حاضنة كبيرة للشيخ أحمد الأسير وأمثاله. إذ كل من كان يعارض التشدد في الدين، أصبح اليوم يميل إلى التعصّب مذهبياً وتأييد الأسير».
وتقول إفاداتهم إن «تيار المستقبل» كان يحتضن حالة معتدلة، بينما «التطرّف» المذهبي الذي أنشأه «حزب الله» نتيجة التدخل العسكري في سوريا، أفرز حالة تطرّف مقابلة .
في المقابل، ثمة آراء ترفض الانسياق خلف الأسير وأفكاره: «أنا أصلّي وأصوم، لكنني لا أستطيع التعايش مع الأسير أو جبهة النصرة. لكنني في الوقت ذاته، أعتبر أن حزب الله أصبح عدوّاً للطائفة السنّية، وسلاحه لم يعد يرعبنا. لقد فقد الهالة التي كان يستمدها من القتال ضد العدو الإسرائيلي».
ويسأل أحد سكان المنطقة القدماء: «كم هو عدد سكان سوريا؟ نحو 20 مليون؟ حسناً. كم هو عدد المؤيدين للنظام السوري؟ لنفترض نصف المواطنين، أو أقل أو أكثر. المهم، بعد القصير، أصبح المعارضون للنظام أعداء لحزب الله والعكس. هل هذا هو سلاح المقاومة الداعية إلى تحرر الشعوب؟».
وبينما يقول سكان الضاحية إن «الحزب» لم يتعرّض في القصير لأي شخص مدني، وإنما اقتحم المدينة وريفها بعد مرور أشهر سنحت للمواطنين مغادرة بيوتهم، غير أن أبناء الطريق الجديدة الذين التقتهم «السفير»، يميلون إلى قناعة: «في مدينة القصير، وليس بالريف، توجد مجموعات مسلحة غير تكفيرية. هؤلاء أبرياء فكيف يُقتلون؟».
يتمسك جمهور «حزب الله» برأي مفاده أن كل الدول المعادية للمقاومة، أرسلت مقاتلين وأسلحة منذ عام ونصف عام، بينما كان الحزب مكتفياً بالدعم السياسي الشفهي. ولما بلغ الأمر حدّ عنقه، وتحديداً تجاه سلاح المقاومة، اضطر إلى دخول المعركة. التكفيري وغير التكفيري، وفق قناعة الجمهور، يريدان المشاركة في القضاء على سلاح المقاومة.
في المقابل، يردّ سكان الطريق الجديدة المعارضون لسياسة الحزب في سوريا، على قناعة الموالين للحزب، بسؤال: «من قال إن المعارضين لبشار الأسد كانوا، لو استلموا الحكم، سيتآمرون على سلاح المقاومة؟ كلنا نعرف أنهم فاوضوا الحزب في البداية، وأخبروه أنهم لن يمسوا سلاحه. ما يحدث الآن هو أن الحزب ينفذ مشروعا إيرانيا، يمنع سقوط عائلة الأسد».
وسط ذلك، وبينما اللغة المذهبية تغلي في الشارعين السنّي والشيعي، ثمة مِن المذهبين مَن يـــريد أن يستيقظ من كابوس لم يعرفه لبنان يوماً.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى