الشيخ علي سلمان.. صرخة ستبدد سكون السجون

“في مثل هذه الليلة، عادةً ما يقف في هذا المكان رجل من رجالات مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

من نسل مدرسة المعصوم، ورعاً وتقوى وعفة لسان وطهارة قلب، وتضحية وعمل”.

“كلما يخطر وارد أن لا يكون الشيخ عيسى بيننا أنا لا أستطيع أن أتحمل ذاك المشهد، اللهم لا ترني يوماً لا أجد فيه بقربي سماحة الوالد الشيخ عيسى أحمد قاسم حفظه الله، لأنّ في عمره الرشاد والخير لأهل هذه الأرض وللإسلام والمسلمين”.

ثم بكى..

وأطلق دموعه وهو يقف على منبر الشيخ في ذلك الظرف الإستثنائي..

وكأنّه قد عاد بالذاكرة الى ليلة الحادي عشر من محرم عام 1986، في تلك الليلة استفاق فيها جرح الموالين لأهل البيت في البحرين بعد ذبح إمامهم الغريب في أرض كربلاء ليخرجوا في مسيرات عزاء في منطقة الديه، ليأتي جلاوزة نظام “الطائفية البغيضة” وينتهكوا الحرمات ويعتدوا عليهم.

وعلى الفور سرى كالهشيم نبأ أنّ الشيخ عيسى قاسم سيلقي خطاباً مساء في الدراز.

كان لذلك الخطاب الساخن الأثر الكبير في نفس ذاك الشاب الجالس بقرب المنبر، وقرر أن يكون رجل دين..كان ذلك الشاب علي سلمان أحمد..

فانتقل لتحقيق حلمه بالدراسة الحوزوية إلى سوريا، ومنها الى ايران، إذ كان حينها يعرف جيدًا صعوبة رجوعه بعدها الى البحرين، بسبب سوء العلاقات الايرانية الخليجية، إبان حرب الخليج الأولى بين العراق وايران.

في مدينة قم، حيث الحوزة العلمية، اختار سلمان درب الاسلام السياسي، كان واضحًا لمن يدخل غرفته هناك بروز الموسوعة السياسية للكيلاني، في مكتبة الشيخ الشاب.

ثم بعد احتلال الكويت من قبل النظام العراقي آنذاك، وتحرير الكويت، عاد سلمان مع العائدين في العام 1992 الى البحرين, وخاض غمار العمل السياسي مشاركًا في الانتفاضة التسعينية التي ضمّت قوى يسارية وليبرالية وإسلامية، وهدفت لنيل الشعب مطالبه الدستورية، والتي تمثلت بـ:

إعادة الديمقراطية من خلال إعادة انتخابات المجلس الوطني الذي تمّ حله في 1975 بطريقة مخالفة للدستور، وكانت هذه الانتفاضة السبب في اعتقال الشيخ سلمان أكثر من مرة بين عامي 1993م و1994م، ومن ثم جرى إبعاده للإمارات العربية المتحدة في نهاية 1994م، ومنها انتقل إلى لندن.

عام 2001م عاد الشيخ علي سلمان إلى وطنه بعد طرح مشروع الميثاق الوطني، لينخرط في العمل السياسي كأمين عام لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية.

ومع موجة ما يسمى بالربيع العربي كانت ثورة البحرين لؤلؤة الثورات وأكثرها إشراقًا.

فهي الثورة السلمية التي ضمت مختلف شرائح الشعب، ورفعت شعارات مطلبية محقّة متمسكة بشعار السلمية في الحراك والتظاهر.

فما كان من نظام الفرعون الأصغر في ممالك الشيوخ المتهاوية إلّا أن مارس أشكال القمع والاعتقال للشباب والنساء والأطفال، إضافةً الى سياسة التعتيم الاعلامي الممنهج في عالم اللاقيم، عالم تعصف به “أزمة ضمير” وأخلاق، يحكمه القطب الأوحد بفراعنته الصغار ولكن “يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا”.

وصل الشيخ الذي يؤمن بمنطق الدولة والمؤسسات والحراك السلمي الفاعل الى مبنى المباحث للتحقيق معه صباح الأحد الأحد 28 ديسمبر 2014

بشكل روتيني اعتاد الشيخ أن يقف له بالمرصاد صادحاً بكلمة الحق ومطالب الوثيقة الوطنية التي اتفقت عليها القوى والجمعيات السياسية المعارضة في المملكة..

وبعدها تلقت عائلة الشيخ علي سلمان اتصالاً هاتفياً لمدة ثوانٍ أخبرهم أنه تم اعتقاله ولا يعلم عن مكان احتجازه وانقطع الخط.

وجهت السلطات البحرينية للشيخ علي سلمان تسع تهم هي “التحريض على كراهية نظام الحكم، والدعوة لإسقاطه بالقوة وإقناع الشباب أنّ الخروج على النظام جائز شرعًا، وإهانة القضاء والسلطة التنفيذية، والتحريض علانيةً على بغض طائفة من الناس، والاستقواء بالخارج وبث بيانات واخبار كاذبة من شأنها اثارة الذعر والإخلال بالأمن، والمشاركة في مسيرات وتجمعات تتسبب في الأضرار بالاقتصاد.”

اعتقال الشيخ السلمان يطلق صرخة عبرت كل جدران التعتيم الاعلامي والسياسي على قضايا هذا الشعب المطلبية. تعتيم شارك فيه الصديق فضلًا عن العدو لاعتبارات لا تخلو أحيانًا من مراعاة لعدم تسييس القضية أو تأطيرها طائفيًا.

فاليوم ما عاد السكوت عذرًا لأي حر في أي بلد كان، وبات الواجب بأقلّه وأكثره بأن لا تترك القضية سجينة “قصر الامارة” كما تركت قبلها قضية الشيخ النمر في العوامية رهينة عفو من لا يدري ما العفو.

كان الله معك يا أبا مجتبى..

لن تكون وحيدًا، فما الكوفة اليوم هي الكوفة، وما الناس اليوم كأهل ذاك الزمان، وما باب “طوعة” الا قلوبنا التي افترشت لك اليوم كلّ سجادة صلاة لتدعو لك في ليلها أمهات هذا الوطن، وما السيوف أمام قصر الطاغية إلّا كلمة الحق التي سنقولها من لبناننا المقاوم.. ويشكل اللقاء العلمائي يوم غد في مطعم الساحة عند الرابعة أحد أوجهها.

محمد حمود | سلاب نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى