الشرق الأوسط وخارطة أخرى تتشكل بعيدا عن اي خطط واستراتيجيات

رائد الجحافي | خاص موقع جنوب لبنان

الشرق الأوسط الجديد بدأت تتشكل ملامحه اليوم ولكن هذا الشرق الأوسط الجديد لم يولد وفق خارطة الشرق الأوسط التي رسمتها واشنطن، بل قد تكن سببا في التحول الذي سيطر على المشهد العام للشرق الأوسط ان لم يكن قد طراء بالفعل واصبح في طور اكتمال النمو بآخر مراحله.

ثورات الربيع العربي كانت بداية التحول وفق المخطط الأمريكي الذي اضهرت ثورات مصر وتونس واليمن وليبيا نجاحا لها لكن الحسابات الأمريكية في سوريا اخفقت وتعثر ذلك المشروع الغربي اذ تحطم على أسوار الشام وبسبب صمود الشعب السوري والجيش العربي السوري وتماسك المجتمع السوري سياسيا واجتماعيا أدى إلى ارباك البيت الأبيض وحلفاء واشنطن الذين سارعوا إلى فتح خزائنهم المالية واطلاق العنان للجماعات الارهابية بالتحرك ولملمة عناصرها على مستوى دول العالم وارسالها إلى تركيا للتدريب ومن ثم ادخالها إلى سوريا للالتحاق في الجيوش الارهايية التي تسعى للاطاحة بالنظام السوري وضرب الجيش السوري والمقاومة هناك ومع تعثرها في الوصول إلى الحسم ساعد ذلك على ضخ المزيد من الأموال تجاه الجماعات المتطرفة وتسهيل تحركاتها وتشجيعها وتسليحها بمختلف انواع الأسلحة الحديثة وبسبب عناد تلك القوى المعادية للمقاومة العربية الاسلامية حاولت واشنطن انتزاع قرارا من مجلس الأمن الدولي يجيز بالتدخل عسكريا لضرب سوريا وفق النموذج الذي حصل مع ليبيا، لكن لم تتمكن من ذلك لاعتبارات توازن القوى، شعرت عندها واشنطن بخطر الانفراد بقرار شن ضربات على سوريا.

انزعجت كل من السعودية وتركيا وقطر وألحت على واشنطن بضرب سوريا وساد العلاقة الأمريكية السعودية بعض التوتر حيث اتهمت واشنطن بالمماطلة وعدم الجدية في ضرب سوريا، سارعت واشنطن اقناع الرياض بعواقب القيام بضربات عسكرية على دمشق لاعتبارات الموقع الجغرافي لسوريا وقربها من اسرائيل بالاضافة إلى التهديد الايراني للقوات الأمريكية ومصالحها في الشرق الأوسط التي ستصبح عرضة لتدخل طهران بالاضافة إلى موقف روسيا الداعم لدمشق وقوة حزب الله الذي يعتبر أي ضربة لدمشق تهديدا للمقاومة واحتمال قيامه بضرب تل ابيب فالمسألة ستصبح بالنسبة للمقاومة اللبنانية مسألة حياة أو موت.

تمكنت واشنطن من اقناع الرياض في الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي اوياما للرياض مطلع العام الجاري وبحثا امكانية التخلص من سوريا بطريقة أخرى تضمن بقاء واشنطن بعيدة، ووجدت واشنطن وحلفائها ان استمرار دعم الجماعات الارهابية هي اسهل الطرق لها وما عليها الا تقديم كافة وسائل الدعم والتسهيلات للمقاتلين ومساعدتهم في مختلف الأطر العسكرية والمالية والدبلوماسية والسياسية وكانت أولى خطوات واشنطن وحلفائها هي سحب السلاح الكيميائي من يد النظام السوري وهي الخطوة التي منحت الرياض دافعا قويا في استمرار دعم المقاتلين وهو ما اعده محللين سياسيين مخرجا لموقف واشنطن للتنصل عن تهديداتها بضرب سوريا ولتبرير موقفها أمام حلفائها في المنطقة العربية.

الدعم الواسع واللامحدود للجماعات الارهابية اسهم في بناء قوة لتلك الجماعات ليس داخل سوريا فحسب بل في كل الأقطار العربية والاسلامية وحتى في بعض الدول الغربية ومكنها من التحرك وفتح افق اتصال مع بعضها كما مكنها من التنقل واجراء لقاءات ومشاورات بمنأى عن الحلف الأمريكي الداعم للارهابيين واصبحت تلك الجماعات تتمتع بقوة شبه مستقلة بعيدا عن ارادة الحلف الأمريكي السعودي.

ومع قيام دول بحجم مصر ثم تونس تحت حكم الاخوان المسلمين شعرت بعض دول الخليج كالسعودية والامارات بخطر الأخوان المسلمين ومن تمدد تلك الحركات إلى دول الخليج التي لا تتوافق انظمة الحكم الملكية فيها مع فكر تلك الجماعات وهو الأمر الذي جعل الحلف الأمريكي السعودي باستثناء قطر من اعادة التفكير في تلك المسألة وهو ما عجل من سقوط الأخوان في مصر وما كان من الحلف الأمريكي السعودي الا الاسراع بالضهور العلني والوقوف إلى جانب السيسي كبديل للأخوان المسلمين، لكن خطة الحلف ابقت على الجماعات الارهابية في سوريا وشرعت في بحث امكانية اللجوء إلى خطة جديدة تضمن تحقيق تقدم على الأرض وحسم الموقف في سوريا واستخدام ورقة الطائفية في العراق وضهور الجماعة التي اطلقت على نفسها الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) التي تسعى للاطاحة بالنضام السوري وضرب الجيش السوري والمقاومة هناك واللجوء إلى استخدام وسائل جديدة أكثر عنفا وارهابا وجاءت سياسة الحلف الأمريكي السعودي بهدف اثارة الفتنة الطائفية وامكانية الوصول إلى لبنان وضرب المقاومة العربية في لبنان، لكن الحسابات الأمريكية السعودية اخفقت مجددا باندلاع حرب غزة مع اسرائيل حينها ويموجب ما أظهرت المؤشرات على الأرض أن الحلف الأمريكي السعودي فقد صلاحيات السيطرة على جماعة داعش وفقد قدرته على ادارتها وتوجيهها وفق ما يناسب الخطة المرسومة اليوم هذا بالاضافة إلى اخفاق التنظيم الاسلامي داعش في تحقيق اي انتصارات على الأرض وادراك الثنائي الأمريكي السعودي اقتراب موعد سقوط داعش وهزيمتها أمام سوريا ولبنان وتقهقرها أمام قوات البشمرجة في العراق ترافق ذلك الأمر مع حسم شيعة اليمن المعارك الدائرة في محافظة عمران لصالحهم وتوجيه ضربة قوية لمليشات حزب الاصلاح اليمني والقوى القبلية الموالية للسعودية هناك وتهديد بسقوط العاصمة اليمنية بأيدي جماعة أنصار الله الشيعية فسارع الحلف الأمريكي السعودي باستثناء قطر إلى تغيير مواقفها.

عاد التحالف الأمريكي السعودي إلى تبديل موقفه وسارعت الرياض إلى محاولة دعم الجيش اللبناني ضد مقاتلي داعش خوفا من سقوط شعبية حلفائها السنة في لبنان وتحاول واشنطن اليوم البحث عن امكانية توجيه ضربات ضد حركة داعش في العراق والشام.

وبينما خسرت اسرائيل معركتها مع غزة وانتصار المقاومة هناك تشعر السعودية بقلق يالغ من احتمال تمدد داعش وتحولها إلى خطر يهدد الأسرة الحاكمة في المملكة السعودية.

خطر داعش على الأسرة الحاكمة السعودية يتمثل في وجود البيئة الحاضنة لتلك الجماعات التي تنطلق من فكر طائفي كحامية لفكر السنة المشبع بعقائد الوهابية التكفيرية ووجود رقعة واسعة من أنصار ذلك الفكر المتطرف في السعودية بالاضافة إلى التحالفات التي قد تقوم بين داعش والحركات الاسلامية المتطرفة الأخرى كعناصر القاعدة التي تعد السعودية الحاضن والمصدر الرئيسي لها، هذا بالاضافة إلى التصريحات التي اطلقها زعيم داعش ابو بكر البغدادي مؤخرا الذي اعلن عن توسيع الدولة الاسلامية التي يسعى إلى تحقيقها على امتداد الجزيرة العربية.

وبينما تسعى السعودية اليوم لانقاذ نفسها من هذا الخطر المحدق بها تحاول واشنطن الخروج ولو بأقل الخسائر بعد فشل خارطة الشرق الأوسط وتشكل خارطة أخرى خارج حساباتها وبعيدا عن رغباتها.

ويبقى أمام واشنطن وحلفائها فرصة أخيرة قد تلجى إليها لتحقيق مكسب ايجابي يتمثل في امكانية تغيير سياستها في المنطقة العربية من خلال ايجاد قنوات اتصال مع النظام السوري والتعاون للقضاء على الجماعات الارهابية ومساعدة دمشق في اعادة ترميم ما دمرته الحرب وترميم العلاقة بين دول المنطقة العربية، وايجاد مصالحة مع ايران وبين كل من ايران والسعودية في المقام الأول ولو على أساس التعايش بين الجميع على اساس المصلحة العالمية العليا لتحقيق أمن واستقرار المنطقة والعالم وبحث سبل ايجاد تسوية للصراع العربي الاسرائيلي، ما لم فان كل الأطراف لن تصل إلى تحقيق أي استقرار لها. بل قد تكن سببا في التحول الذي سيطراء على المشهد العام للشرق الأوسط ان لم يكن قد طراء بالفعل واصبح في طور اكتمال النمو بآخر مراحله.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى