السعودیة تحفر قبرها بیدها

بفضل المساندة والدعم الکاملین من السعودیة، بدأ المجتمع الدولي یحصد العاصفة التي نثرت بذورها الولایات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط خلال الأعوام المنصرمة.

فقد تمّ التعرّف علی العقل المدبر للهجوم الإرهابي علی السفارة الایرانیة في بیروت في أواخر العام المیلادي الماضي، والذي کان مدعوماً من الریاض.

ومن جانبهما، فانّ سوريا والعراق غیر محصّنیْن من الحریق الذي لا نهایة له والذي أشعلته السعودیة عن طریق دعم ومساندة الإرهابیین. دور النظام السعودي في زعزعة الأمن والإستقرار في المنطقة ونشر إرهاب الدولة ومساندته للمقاتلين الذین یقومون بقتل المئات من المدنیین الأبریاء في سوريا والعراق، أصبح في مقدّمة الأخبار، إلی حدّ انّ المسؤولین السعودیین أنفسهم لم یعودوا ینکروا هذه الحقائق، بل یحاولون بشتّی الوسائل تبریر ما یقومون به خاصّة فيما يتعلق بالأعمال المدمرة وسیاساتهم.

فالریاض تنفّذ خطّة تعرّض السلام والأمن العالمییْن للخطر الولایات المتّحدة التي تزعم أنّها حاملة لواء الحرب علی الإرهاب منذ أکثر من عقد من الزمان، تجد نفسها محبطة بسبب عدم تمکّنها من أن تنأی بنفسها عن العنف في المنطقة والموجّه من قبل العربیة السعودیة التي کانت ولاتزال تدعمها (اي أميركا) بدون تردّد منذ عدّة عقود.

یبدو أنّ تبعات السیاسات الأميرکیة ـ السعودیة الخاطئة في المنطقة قد إمتدّت لتصل إلی روسیا الإتّحادیة، لذا علینا أن نستعرض سیاسات العربیة السعودیة خلال الأعوام القلیلة المنصرمة.

في الثالث عشر من کانون الأوّل / دیسمبر 2013، أبدی سفیر السعودیة لدی بریطانیا، محمّد بن نوّاف بن عبد العزیز نهجاً انتقامياً غريباً ازاء القضايا الاقليمية.

ففي محاولة من أجل صرف الأنظار عن التورّط السعودي في العنف الدائر في المنطقة، أشار الأمیر بإصبع الإتّهام إلی الرئیس السوري بشّار الأسد قائلا: “الأسلحة الکیمیائیة شئ ثانوي في آلة القتل لدی الأسد”!.

ربّما نسي الأمیر بن نوّاف الحقیقة الناصعة والتي مفادها أنّ جمیع أعمال الإرهاب، صغیرها وکبیرها، والحروب في المنطقة إلی جانب الصراعات الطائفیة، تموّل وتسلّح من قبل الریاض.

أکثر تهدید جليّ للسلام في المنطقة یتّضح حینما یدّعي الأمیر السعودي من أنّ ایران موّلت وسلّحت میلیشیات في العراق، ومقاتلي حزب الله في لبنان إلی جانب الحوثیین في شمال الیمن والمعارضة في البحرین.

“لدینا مسؤولیات عالمیة، إقتصادیة وسیاسیة، ونحن في الواقع مرکز الطاقة في العالم، سوف نعمل من أجل التعهّد بمسؤولیاتنا، مع أو بدون دعم من حلفائنا الغربیین” هذا ما أضافه في مقالته.

وفي مقالته في صحیفة نیویوركتایمز،أشار الأمیر السعودي لنقاط أخری، تستحق إثنتان منها أن تفصّلا للقارئ:

1 ـ یصف الأمیر المنطقة بطریقة تبدو وکأنّ المملکة لاتعلم أنّ التحدّي الرئیس في المنطقة ینبع من المساعدات المالیة والإستخباراتیة وتقدیم السلاح من قبل الریاض للإرهابیین الناشطین في سوريا والعراق.

والأزمة السورية التي أوشکت علی الدخول في العام الرابع، تحوّلت إلی مأساة إنسانیة أکثر من 150000 شخص قُتلوا کما أُصیب أکثر من 400000، ناهیك عن أکثر من 5200000 لاجئ في لبنان وترکیا والعراق والأردن هذا الوضع المشؤوم وغیر الإنساني ما هو إلا نتیجة مباشرة وحتمیة لتدخّل العربیة السعودیة في شؤون المنطقة.

وفي الوقت ذاته، نحن نعلم جیّداً أنّ العربیة السعودیة والولایات المتّحدة تفضّلان الإطاحة بالرئیس السوري بشّار الأسد، لکنّهما منقسمتان بجدّیة حول البدیل.

لهذا السبب نجد أنّ الأزمة السورية طال أمدها وبدأت الخلافات بین واشنطن والریاض تطفو علی السطح.

وخلال أحادیث خاصّة، رفض الأميرکیون طلباً سعودیاً أن تحکم سوريا مجموعة ملتزمة بالفکر الوهابي الرجعي، والسبب أنّ هذا الأمر سوف یبطل جمیع محاولاتهم ومجهوداتهم في إقامة شرق أوسط جدید.

کما أنّ العراق أیضاً یشهد إعمال ارهاب بشكل يومي، هدفها الرئیس الطائفة الشیعیة.

ومن المعروف أنّ النظام السعودي تلقّی هزیمة نکراء في العراق بعد الإطاحة بصدّام حسین حیث تلت تلك العملیة إقامة حکومة منتخبة بطریقة دیمقراطیة.

وإنتقاماً لهزیمتها في العراق، إختارت الریاض المذابح والمجازر في هذا البلد، في محاولة لإضعاف حکومةالسیّد نوري المالکي وفي نفس الوقت، ومن خلال المساهمة في إذکاء النار والتحریض في دمشق، تسعی العربیة السعودیة للتعویض عن إخفاقها في العراق والحصول علی توازن إقلیمي لصالحها بکلمات أخری، تحصل علی سوريا مقابل فقدانها للعراق!

والسؤال هو: هل المسؤولون السعودیون يدركون أنّه حینما یتمّ البحث عن جذور الإرهاب والعنف وعدم الإستقرار تتوجّه أصابع الإتّهام مباشرة صوب الریاض؟ من المخجل للعربیة السعودیة أن توصف بأنّها الداعم الرئیس للإرهاب في المنطقة والسبب أنّها مرکز إنطلاقة الإسلام حیث قام نبيّ هذا الدین بالدعوة إلی الوحدة بین المسلمین والرأفة والعطف تّجاه الآخرین.

صورة آل سعود بعیدة جدّاً عن قیم الإسلام ولیس هناك أيّ تطابق بین الإسلام الحقیقي وسیاسات النظام السعودي.

من المعروف أنّ آل سعود یتکوّنون من أمراء أثریاء، البعض منهم تلقّی تعلیمه في الجامعات الغربیة، وهؤلاء ینکرون قیم ثقافیة وإجتماعیة کالعدالة الإجتماعیة والکرامة الإنسانیة والقضاء علی الفقر والفساد ولا يؤمنون بالحرّیة والدیمقراطیة وحقوق الإنسان.

آل سعود لیسوا منسجمین مع هذه القیم، والسبب أنّهم لو تعهّدوا بهذه القیم فانّ ذلك یعني إضعاف مرکزهم وبسبب ثرائهم الفاحش من البترودولار ووجود الکعبة المشرّفة في الحجاز، فانّ آل سعود تشجّعوا علی محاربة هذه القیم المنصوص علیها في الإسلام.

تحالف آل سعود الإستراتیجي مع الوهّابیین ینبع من حقیقة مفادها أنّ الوهّابیین یعترفون بتعریفهم المتحجّر للإسلام ویكفرون سواهم من المسلمین.

کما أنّ الوهّابیین یعارضون الحداثة وكل جديد بالطبع، نحن نعلم أنّ منع السیّدات من قیادة السیّارات یطبّق في السعودیة فقط، وأنّ الأمراء السعودیین یعیشون في فیلات وقصور فخمة في أوروبا والولایات المتّحدة هذه السیاسة المعروفة بالکیل بمکیالین، جعلت من المسلمین یرتابون من السعودیة.

2 ـ أمّا النقطة الثانیة التي وردت في مقالة الأمیر السعودي، فتتعلّق بمعارضته الشدیدة لأيّ تقارب بین ایران والغرب، وعلی الأخصّ الولایات المتّحدة الأمریکیة.

العربية السعودیة قلقة من ان التغییرات في المنطقة تصبّ في صالح ایران، وأکثر من ذلك، السعودیة قلقة جدّاً من أنّ قوة ايران الاقليمية، یمکن التفسیر الایراني للإسلام الذي جاء بعد إنتصار الثورة الإسلامیة عام 1979 أن یتفوّق علی التزمّت والتحجر السعودي.

هذا الدبلوماسي السعودي، الذي ربّما یصبح من أصحاب القرار في بلاده مستقبلاً، یجب علیه أن یوضّح لماذا تتخیّل العربیة السعودیة من أنّ بقائها یعتمد علی الطائفیة والعنف في منطقة الشرق الأوسط؟ لماذا تتخیّل السعودیة أنّ قوّة ایران ستؤدّي إلی إضعاف الریاض؟ لماذا یرفض السعودیون إعادة النظر في سیاساتهم في المنطقة لصالح التعاون والتنسیق مع دول الجوار بدلاً من دول بعیدة جدّاً عن المنطقة کالولایات المتّحدة الأمریکیة وبریطانیا وفرنسا وکندا؟

هذه الدول البعیدة إنتهکت سیادة الخلیج الفارسي والدول الساحلیة المطلّة علیه وذلك عن طریق إقامة قواعد عسکریة في هذه الدول کما أنّ هذه الدول الغربیة تستمرّ في النفخ في نار الخلافات بالمنطقة.

السعودیة، حیث تحتضن الکعبة المشرّفة وقبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، علیها أن تکون ملزمة بإعادة النظر في الکثیر من تصرّفاتها، مثل التعاون مع ایران بدلاً من تبني سياسة “ایران فوبیا”، وإحترام الحکومات الشعبیة في المنطقة بدلاً من نشر العنف، إلی جانب تحمّل الطوائف والمذاهب الإسلامیة الأخری بدلاً من سياسة العداء بين المذاهب، وإنفاق ثرواتها علی الصحّة والرفاهیة بدلاً من تمویل العنف.

ولو قامت العربیة السعودیة بإستثمار الملیارات من الدولارات التي تدفعها للمجموعات الإرهابیة کلّ عام في الدول الإسلامیة الفقیرة، سوف تتحسّن صورتها في المنطقة.

الیوم، یُوجّه اللوم إلی العربیة السعودیة بسکب الزیت علی نار العنف والتكفير في منطقة الشرق الأوسط. فالصورة غیر السيئة التي تنتشر في العالم عن هذا النظام تزيده سوداوية یوماً بعد آخر.

علاوة علی ذلك، فانّ شعلة الثورات إنتقلت إلی أبعد حدّ، أي إلی الجارة الشرقیة للسعودیة، أي البحرین، ویقول القرآن الکریم أنّ الحکومة التي تعتمد علی الثروة والقوّة والأکاذیب لن تبق، فالجیل القادم من الحکّام السعودیین یُتوقّع منهم أن یعیدوا النظر في السیاسات الحالیة ویلعبوا دوراً ایجابياً وبنّاءاً في منطقة الشرق الأوسط.

بلا شكّ، فأن العنف المستمرّ في سوريا والعراق یمکن أن تتمّ السیطرة علیه، لو رغبت الریاض بذلك. وفي هذا الصدد، فانّ المجموعات المتخلفة التي لطّخت صورة الإسلام ستعید النظر في تكوينها العقلي وسوف تتهیّأ الأرضیة للتعاون والوحدة بین الدول الإسلامیة.

بقلم: أمیر دبیري مهر/ باحث مقيم في أميركا
ترجمة: محمود عسکر

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى