” السجّان المقنّع بـ البشريّة “

أيّها السجّان المقنّع بـ البشريّة
أطلق سراح عصفور البريّة
افتح له باب زنزانة قفصك المغرور ليطير
افتح له نافذة منزلك المترف، نافذة المعتقل المتعالي، الذي تتفاخر بأنّك تملك مفتاحه الذهبيّ
أطلق سراحه من قبر الخنوع والعبوديّة… ولا تذلّه بعد الآن بعلبة ماء وحفنة طحين، وأسياخ معدنيّة مصبوغةٍ بلون اللؤم غرزتها خناجرَ ملتمعةً أمام رقّته وجماله في القفص الحاقد
لا تذلّه بعد الآن بمصابيح الثّريّا التي تسجنه برماح أضوائها الملوّنة بالقهر والمنّ والأذى
اتركه وحيداً يحلّق في الفضاء ويسبح في الغيوم
اتركه يطير مطمئناً فوق رؤوس الأطفال العابرين الدروب القرويّة المسالمة إلى المدارس في الصباح
اتركه يعزف ألحانه على أوتار الفجر وأوتار الغروب
اتركه يسكر من عبير الرياحين المنسيّة
اتركه بأمانٍ يرفرف حول المنازل الريفيّة الضاحكة، يوقظ أصحابها المساكين بزقزقاته الربّانيّة، يأكلُ من بقايا لُفافات الزعتر لصغار الضيعة المطروحة من أيديهم الناعمة على مداخل البيوت الكريمة، يأكلُ من بيادر القمح والشعير الوفيّة، ومن ثمار الشجر البريّ الأصيل، ومن برغل الفلاحين وبذور محاصيلهم ،وكشكهم، وتينهم، الذي ينام حالماً على سطوح دورهم الطيّبة
اتركه ينتشي بقطرات الماء من جداول الشتاء الحنون، وينابيع الصيف النقيّة السخيّة
اتركه ينام بسلام في مداخن مدافئ الفقراء وفي حضن التنور الطيّب الصابر
دعه يحطُّ مواسياً على شبابيك الأرامل والثكالى
دعه يداعبُ أحلام يتيمٍ على نافذته الحزينة
دعه يتمتّع بجناحيه طائراً متنقّلاً بين بساتين أضرحة الشهداء في مقابرهم التي لا تموت
دعه يلاعب أوراق الخريف الحرّة، ويغازل النحل المُجِدّ وفراشاتِ الربيع وهي تتراقصُ على مسارحها المزركشة بالحياة
دعه ينام في عشّه الذي نسجه مَرِحاً من قشّ البراري
دعه يموت طليقاً تبكي عليه طيور السماء وفراشات الأرض، وتندبه الرياح، وتدمع عليه أمطار الشتاء، وتدفنه أوراق الشجر الحزينة
دعه يموت حرّاً ولا تبكِ نفاقاً عليه
مات حرّاً
ولم ترمِ بجثته البريئة في برميل النفايات أو في الشوارع السوداء الحاقدة.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى