الخالصي يحذر من مخاطر الهجمة التلمودية الصهيونية التي تقودها أمريكا والغرب لإحتلال العراق

بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل

توطئة:

انتشر مؤخراً كتاب بعنوان: (لو كررت ذلك على مسمعي فلن أُصدقه) للإعلامي الفرنـسي الشهير (جون كلود موريس)، عن (منشورات بلون الفرنسية)، يسلّط الضوء فيه على الأسباب الحقيقة للغزو الأمريكي للعراق، مبيناً فيه عدداً من الوثائق التي تثبت ان الدمار الشامل الذي أُلحق بالعراق كان نيابةً عن الصهاينة في العراق، وبعنوان (الدفاع عن الديمقراطية) و (البحث عن أسلحة الدمار الشامل)، بينما يوضح الكاتب ان الحقيقة انها حرب تحمل الصبغة الدينية المسيحية الصهيونية الأكثر عنفاً وتطرفاً، وان (جورج دبليو بوش) كان يبحث نيابة عن حلفائه – اليهود الصهاينة (اسرائيل)- عن “يأجوج ومأجوج”!!، لأنه كان شخصاً مؤمناً فعلاً بالمذهب الصهيوني، بكل أبعاده الدينية والفكرية والإيديولوجية والسياسية.

مقدمة:

منذ أكثر من عشرين سنة وبالتحديد عام 1999م، أصدر مكتب المرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد مهدي الخالصي (دام ظله) بياناً من ستة صفحات؛ حذر فيه سماحته (دام ظله) من مخاطر الهجمة التلمودية الصهيونية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الغربي لإحتلال العراق بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، وجاء هذا البيان تحت عنوان: (العراق بين الخطرين القائم والقادم، وموقف العرب منه)، ويومها صدر هذا البيان مترافقاً مع إعداد الرئيس الأميركي (جورج دبليو بوش) لمجزرته الكهنوتية الخرافية على أرض العراق، حيث حذّر سماحته (دام ظله) قبل أربع سنوات من وقوع كارثة الإحتلال وتنفيذ اللوبي الصهيوني لمخطط السيطرة على العراق والمنطقة من هذا الخطر القادم والغاية منه، من خلال قراءة معمقة للواقع ودراسة تاريخية للأحداث.

ومن المفيد إعادة قراءة هذا البيان اليوم؛ خصوصاً بعد صدور الكتب والوثائق التي تتحدث عن تلك الفترة؛ لاسيما الكتاب الأخير الذي صدر عن (منشورات بلون الفرنسية) للكاتب الإعلامي الفرنسي الشهير (جون كلود موريس) الذي سلّط فيه الضوء على الأسباب الحقيقة للغزو الأمريكي للعراق، هذه الرؤية تكاد تتطابق مع ما كتب قبل عقدين من الزمن في البيان الذي نتحدث عنه، لذا نرجو قراءة البيان مع ما كتبه هذا الكاتب ليعرف أبناء العراق حقيقة ما جرى، ويعرفوا أيضا دور المرجعية الدينية المجاهدة التي وقفت مع العراق ومحنته قبل الإحتلال وبعده للذكرى وللاعتبار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

نص البيان:

العراق بين الخطرين القائم والقادم وموقف العرب منه

آية الله الشيخ
محمد مهدي الخالصي
مرشد الحركة الإسلامية في العراق

مكتب الإمام الخالصي
2 ربيع الأول 1420هـ
16/6/1999م

لا يحتاج المعني بالوضع السياسي في المنطقة إلى ذكاء خارق ليدرك بوضوح أنّ الوضع الذي تخطط له أمريكا لما بعد صدام هو أسوأ بكثير من الوضع القائم فعلاً، رغم شروره الكثيرة. ومن البديهي أن تكون الأنظمة القائمة في المنطقة وشعوبها في مقدمة المدركين لهذه الحقيقة، والمتوجسين خيفة من التنين الأمريكي ذي الرأس الصهيوني، والأنياب النووية، الجاثم بظله الثقيل في المنطقة، فالحكّام قبل غيرهم يدركون بوضوح أنّ نظام البعث في العراق جزء من الآلية الأمروصهيونية لتنفيذ المآرب العلمانية المعادية للإسلام والعرب، فهم لا ينسون أبداً يوم كانت أمريكا تجبرهم على دعم صدام والانفاق الهائل على مشاريعه، لا سيّما حربه العدوانية على الجمهورية الإسلامية الفتية، وهم يعلمون أيضاً أنّ صداماً، ما زال إلى اليوم، رغم كل السيناريوهات المضللة، مطلباً صهيونياً أمريكياً، لاستخدامه بعبعاً لإرعاب الأنظمة العربية وابتزازها، وذريعة للوجود الأمريكي العسكري الهائل في المنطقة، بدعوى حماية النعاج من الذئب العربي، مقابل إطلاق الذئب الصهيوني ليرعاها على هواه. والأخطر من ذلك لاستخدام مغامرات النظام، لتحقيق الهدف الصهيوني الاستراتيجي، في تحويل معركة الأمّة مع عدوها الصهيوني، إلى معركة بين مكوّنات الأمة نفسها، استنزافاً لطاقاتها، وإلهاءً لها عن معركتها الحقيقية. وممّا أصبح لا يخفى على الأنظمة في المنطقة أنّ المخطط الصهيوأمريكي لما بعد صدام يرمي إلى أحد أمرين؛ إما إقامة نظام علماني حديدي شديد العداوة لكل ما هو عربي وإسلامي، على غرار نظام اتاتورك العسكري الديكتاتوري الجاثم على قلب الشعب التركي لما يزيد عن سبعين سنة، بكل ما يعرف عنه من التحالف مع الكيان الصهيوني وعموم أعداء المنطقة، والمعادي في ذات الوقت لتوجهات الشعب التركي وإرادته حتّى في اختيار أخصّ خصوصياته، من حروف الكتابة حتى اللباس، وأمثولة المرأة الشجاعة (مروة القاوقجي) المنتخبة بإرادة الأمة، ووفق الأصول الديمقراطية مائلة للأعين، وكذلك امثولة حزب الفضيلة، وحزب الرفاه، ممثل أكثرية الشعب التركي، وقائده نجم الدين أربكان، مائل للعيان.

فمن السهل أن تدرك شعوب المنطقة والأنظمة فيها، أنّ نظاماً يأتي بقانون أمريكي، سيكون سيفاً مسلطاً على رقاب أنظمة المنطقة وشعوبها، ورقماً مضافاً للتحالف التركي ـ الاسرائيلي ـ الأمريكي لإخضاع الأمّة برمّتها للإرادة الصهيونية، حتّى في مصادر رزقها ومياهها، كما يفعل النظام العلماني في تركيا بالتجاوز على مياه دجلة والفرات، لتحويل العراق وسوريا إلى صحراء، وتشريد شعبييهما في الآفاق.

أمّا الأمر الآخر المحتمل وفق (القانون الأمريكي) السيء الصيت هذا، فهو التمهيد لحرب أهليّة في العراق، يتم بواسطتها تدمير ما يتبقى من الكيان العراقي بعد صدام، وهذه المرة بيد الشعب العراقي نفسه، تمهيداً للحلم الصهيوني ومقدمة لتقسيم العراق، ليس بقرار خارجي بل بيد ابناءه أنفسهم، على غرار ما فعلوه في افغانستان، ووفق نموذج الاحتراب الكردي في شمال العراق المشمول بالمظلة الأمريكية، وبقيادة مباشرة من ضباط الموساد الاسرائيلي.

وللصهيونية، على مدى تاريخها، باعٌ طويل في إشعال الحروب لاستنزاف الطاقات ولبيع الأسلحة لجميع الأطراف، ولإيجاد المبرر للتدخل في شؤون الجميع، بدفع الأطراف للاحتماء بالعدو الخارجي خوفاً من الإبادة على يد الخصم الداخلي.

وازاء هذه الأخطار المحتملة في المستقبل المجهول، من الطبيعي أن تنتهي بعض الأنظمة العربي إلى القناعة بأنّ الاقتراب من نظام العراق، والتعايش معه، رغم كل سيئاته، هو أقرب للحكمة من مواجهة المستقبل المظلم. إنّ (المجهول) مرفوض، حتّى مع احتمال كونه (زَيناً)، فكيف بمجهول واضح (شَينهُ)؟!، المثل العراقي يقول: “شَينٌ تعرفه خيرٌ من زَينْ لا تعرفُه” ولا مناقشة في الأمثال، مع التأكيد هنا أنّ هذا العذر غير مقبول لدينا للتقرب من النظام، إذ بإمكان الأنظمة لو كانت جادة وحرّة في تصرفاتها، أن تدعم الجهات المخلصة ذات الجذور الحقيقية داخل الوطن، بغية التغيير إلى الأحسن، عوضاً عن انتظارٍ مجهولٍ لا يملكون التحكم في اتجاهه.

لا شكّ أن الراكضين وراء السراب الأمريكي، المتلوثين بمشروعها اللامشروع، من أدعياء المعارضة، يساهمون بقسط وافر، في تكوين هذا التصور الخاطئ لدى الأنظمة، وفي تبرير اندفاعها للدفاع عن صدام. إضافة إلى دورهم القذر في تشويه سمعة المعارضة برمتها واتهامها بالعمالة للأجنبي، وإبراز صدام بطلاً يُقارع طواحين أمريكا وحده.

على كلّ حال اقتنع هؤلاء الحكّام أن المشكل يكمن في أمريكا وسياستها الحمقاء في المنطقة، وأنّ الخطورة تأتي منها بالدرجة الأولى، وأنّ النظام في بغداد في أحسن أحواله، جزءٌ من اللعبة وليس رأس الأفعى، فقد أدرك هؤلاء أنّ صداماً لم يهاجم إيران إلّا بأمر من أمريكا، وأنّه لم يغزُ الكويت إلّا بإغراء من سفيرة أمريكا، وبالتالي يعلمون أنّ أمريكا، حتّى مع زوال صدّام، ستلعب ذات اللعبة باستخدام حاكم آخر في المنطقة ليلعب دور البعبع، إذا اقتضت المصلحة، ولإدامة الابتزاز والوجود العسكري والتحكم في شؤون المنطقة. وأي حاكم في المنطقة يمتنع عن قبول هذا الدور إذا اُغريَ به؟! وعلى فرض جدّية أمريكا في تغيير صدام، وهي غير جادة حتّى الآن، فإنّ النظام الذي يأتي بقانون صادر في أمريكا، سيكون رهين أمريكا، ومن الطبيعي أن يذهب بقانون آخر، ومن شأن نظامٍ كهذا، أن يُلقي الرعب في قلوب حكّام المنطقة، أكثر من وجود صدام، لأنّ قانوناً كهذا، لو اصبح سابقةً دوليةً، و جزءاً من النظام العالمي الجديد الذي تنفرد فيه أمريكا بالهيمنة، يعني في الحقيقة، إلغاء القانون الدولي، وجميع منظماته، وتحويلها إلى دوائر أمريكية، ويكون العالم أمام نظام دولي تقول فيه أمريكا “أنا القانون!!” وبالتالي يكون بإمكانها، وبإرادتها المنفردة، إصدار قانون مماثل للإطاحة بأي نظام لا يعجبها، فإذا كانت أمثال هذه الممارسات في ما مضى تُجريها أمريكا بالمؤامرات والدسائس الخفية، مع ما كان يكلّفها ذلك من مال وجهد ومغامرة، كما فعلت للإطاحة بنظام الدكتور مصدق في إيران، ونظام الليندي في تشيلي، فمن حق الأنظمة أن تخشى عواقب الممارسات الأمريكية إذا مكّنها الوضع الجديد من تنفيذ مآربها علناً وبلا رقيب، وبالاستناد إلى سابقة دولية في إصدار قانون بإرادتها المنفردة، لتجييش الجواسيس والعملاء، لتحرير هذا القطر أو ذلك. ولهذا السبب أيضاً نعتقد بأنّ هذا القانون لن يُكتَب له النجاح ولن يكون قادراً على تحقيق شيء لأنّه يصطدم مباشرة مع القانون الدولي ومع مبدأ أساس من مبادئ السيادة التشريعية للدول.

ولئن كانت الهراوة الأمريكية الغليظة تمنع بعض الدول من التصريح بالاعتراض الآن، فإنّ ذلك لن يدون، وإنّ الانفراد بالهيمنة مناقض لمنطق التاريخ، وإنّ الوحدانية لا تليق إلّا بالله، ومن نازع الله في الوحدانية بطش الله به وهو قاصم الجبّارين.

من جانب آخر فإنّ أمريكا بانفرادها بالأمور على الصعيد الدولي، تكون قد قضت على الديمقراطية والتعددية، في النظام الدولي ومؤسساته، فأنّى لها أن تُقيم في العراق نظاماً تعددياً ديمقراطياً يرعى حقوق الشعب والجيران!، وهل أقامت مثل ذلك النظام في الدول الخاضعة لمشيئتها؟!

وختاماً، فإنّ إنهاء هذه العلاقة المؤيدة للنظام، والمبنية على المخاوف المشروعة، لا يمكن تحقيقه إلّا بقيام جبهة عريضة للمعارضة العراقية المخلصة، تعلن بصراحة ووضوح رفضها للمشروع الأمريكي، وأي مشروع يرفض الهيمنة على القرار العراقي المعراض، وتُثبت لجميع الأطراف لا سيّما لشعوب المنطقة، وجودها ونزاهتها، وبذلك تكسب ثقة الأطراف المعنية، وثقة الشعب العراقي نفسه، وتصادر من المخدوعين بالنظام أعذارهم ومبرراتهم، وتؤدي دوراً تاريخياً في إنقاذ العراق والمنطقة من الخطر القائم، وتصونه من الخطر القادم؛ بإذن الله.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى