”  الحسابُ لا يصادقني “

الحسابُ مادّةٌ جهلتها فعاديتها، مع ميلي المبالغ فيه إلى الرسم ولعب الكرة، فقد كان الشرود يلتهمُ انتباهي عندما يشرح معلّم الرياضيات شيئاً من قواعدها ومسائلها ونظريّاتها، أنظرُ إلى حركاته النشيطة أمام السبّورة بمقلتيّ الحالمتين بزوال كابوس الحصّة الدّرسيّة التي توقّف الزمن فيها، وأسمع صوته المجلجل الذي يدخلُ من أذنٍ ويخرج من الأخرى بسلام.

كنت أقولُ في سرّي ما أروع المدرسة، لكن من دون دروس الحساب الذي يحاكي صحراء قاحلة افترسها الجفاف، فلم أكن بقادر على كبح جماح خيالي وأحلامي التي تأخذني بعيداً بعيداً عن أكوام الأرقام وسجون الدوائر وزنزانات الأشكال الهندسيّة.

وفي طفرة من طفرات الزمن استوعبت مسألةً اقتحمت عنوةً دماغي بعد أن أصغيت دقائق لشرح معلمي– رحمه الله- لها، وكان قد طلب منّا التطبيق عليها كتابيّاً من خلال سؤال كلّفنا الإجابة عليه، فغصت فرحاً بإجراء التطبيق على دفتري الذي زيّنته بعشرات الرسومات العشوائيّة التي كنت أتسلّى بإنجازها أثناء عشرات الحصص الحسابيّة الماضيّة وأنا في عالم الشرود والخيال، وكنت منهمكاً منتشياً بقدرتي الحسابيّة المولودة حديثاً التي ستسمح لي برفع إصبع يدي معلناً انتصاراً رقميّاً باهراً سيفاجئ أستاذي وزملائي الذين ألفوا منّي صمتي وصيامي الدائم عن رفع سبّابتي للإجابة في حصّة الرياضيات وكأنّ على رأسي الطير، ورحت لبرهةٍ أتخيّلُ أصوات التصفيق لي في القاعة، وبشاشة وجه معلمي بعد أن أجاهر بالحلّ الصائب، وسعادتي عندما أزفّ الخبر العظيم لأفراد أسرتي الذين ملّوا من نتائجي الكالحة التي لا نجم فيها في مادّة الحساب.

وبينما أنا أعصر تفكيري وأحدّق في الورقة أمامي على المقعد العجوز وإذ بيدٍ تنهال على وجهي بصفعات وعلى كتفي بلكمات وتقبض على خصلة من شعري لتجبرني على الوقوف، وقتها التمعت نجوم الظهر أمامي، مع وابل من صراخ وشتم من معلمي الغاضب الذي أعطى وقتاً محدّداً للإجابة وأنا خالفته لأنّني لم أنتبه لما قاله فكان ما كان، وأذكرُ أنّني لمحتُ في عينيه الصادقتين- رحمه الله- وبعد دقائق دموعاً تعبّر عن ندمه لتسرعه ومبالغته في ضربه لي بعد أن علم أن انشغالي عنه هذه المرّة كان حقّاً في سبيل المشاركة في حلّ المسألة التي شاهد صحّة الإجابة عليها فوق ورقةٍ انسكبت عبراتي الحزينة فوقها.

تحيّة لروحك أستاذي المربّي….كم أذكرك في كلّ خسارة أخسرها….في كلّ مسألة حياتيّة لا أعرف جوابها……في كلّ إخفاق يداهمني بسبب ضعفي في علم الحساب

كم أحتاج إلى يدك الطاهرة لتلكمني عندما لا أنتبه…..كم أحتاج يدك المباركة لتصفعني عندما لا أحسبُ حساباً لغدر بعض من سميتهم مخطئاً أصدقاء….كم أشعرُ بالندم لأنّني لم أستمع لنصائحك فأهملتُ مسائل الجمع وفشلت في جمع قروش بيضاء لزمن أسود….كم أنا نادم لأنّني لم أتعلّم منك مسائل الطرح لأطرح المنافقين من حياتي……كم أحتاجُ يدك المقدّسة المعمّدة بالطباشير لأنحني إليها فأقبّلها وأضعها فوق جبيني.

رحمة الله على روحك الصافية يا حبيبي…يا معلمي…يا أستاذ الحساب.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى