الحرب الاهلية : راجعة… ولكن .

أربعون عاما …والاسباب لا تزال غير محسومة

على الرغم من أن الحرب الاهلية التي شهدها لبنان في العام 1975، ليست سوى حلقة ضمن سلسلة مواجهات وحروب شهدها لبنان في تاريخه… ولكل منها ظروفها وسياقها وأسبابها واهدافها. مع ذلك، تبقى حقيقة أن تلك الحرب شكلت نقطة تحول ومحطة فاصلة في التاريخ اللبناني الحديث، وما زال العديد من مفاعيلها حاضراً في الواقع السياسي اللبناني الحالي.

على خط مواز تباينت الآراء في تحديد بداية تلك الحرب، باختلاف خلفية وموقع هذا الطرف أو ذاك، والحقيقة أن عدداً من الأحداث التي تم تسليط الضوء عليها كنقطة بداية، أو كعامل أساس ساهم في تفجير الحرب الاهلية في لبنان، كل حدثٍ منها كان له موقع وتأثير في بلورة أصل قرار الحرب وتحديد مساراتها.. أو على الأقل كان مؤشرا كاشفا وتمهيديا لمسار الاحداث اللاحقة.. وهو ما ينطبق على اتفاق القاهرة (1969) لتنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، خروج المقاومة الفلسطينية من الاردن إلى لبنان، معارك الجيش اللبناني مع المقاومة الفلسطينية في العام 1973، اغتيال المناضل معروف سعد …

مع ذلك، لا يلغي كلُّ ما تقدم خصوصية حادثة البدء في “بوسطة عين الرمانة” يوم الثالث عشر من نيسان 1975، لجهة أنها كانت الشعلة التي توالت في أعقابها الصدامات الداخلية. وكما في بداية كل مواجهة وحرب في لبنان والعالم، فإن الشرارة تبقى حادثة معزولة إن لم تكن مقرونة بسياقات وظروف داخلية و/أو خارجية لها الدور الحاسم في بلورة وتحديد أصل الحرب ومساراتها. والتصويب على حادثة الـ”بوسطة” لا يُقلِّل من حقيقة أن الحرب مرت بعدد من المحطات التي شكلت كل واحدة منها منعطفاً وبداية جديدة لمرحلة جديدة للحرب.

ليس بعيداً عما تقدم، اختلف اللبنانيون ايضا في قراءة الحرب؛ أسبابها وأهدافها. باختلاف الخلفيات الفكرية والسياسية لكل جهة انتموا. فمنهم من ذهب إلى حصر الأسباب بالخارجية، في مقابل من نظَّر لأسباب داخلية بحتة.. لكن الأحداث التي تلت حادثة عين الرمانة المذكورة كشفت الكثير من أبعاد تلك الحرب. وأسقطت نظريات وثبَّتت أخرى. والواقع أن وجود أسباب خارجية لا يلغي وجود أخرى داخلية، ولا العكس من ذلك. بل كما في الكثير من المحطات الامنية والسياسية التي مر بها لبنان في سنواته الاخيرة، كان لكل منها سياقاتها وأبعادها الداخلية والإقليمية، والأمر نفسه ينطبق على ما مرَّ به لبنان في فترة السبعينات والثمانينات، وما قبلها.

إلى ذلك، ينبغي التأكيد على حقيقة ليس خافية على أحد وهي أن انفجار الحرب في السبعينات لا يمكن فصله أبداً عن المخطط الأميركي – الإسرائيلي الذي هدَف إلى تدمير المقاومة الفلسطينية آنذاك. وكما هو معروف فإن ذلك الهدف بات أكثر إلحاحاً مع بدء المسار السياسي الاقليمي في مرحلة ما بعد حرب العام 1973، وتُوج سياسيا باتفاقية كامب ديفيد وعسكريا باجتياح العام 1982. ثم أخذ الصراع الدموي في لبنان أشكالاً ومسارات وأبعاداً بفعل مستجدات محلية واقليمية ودولية. حتى تحوَّلت كل محطة ومنعطف إلى بداية جديدة للحرب وصولاً إلى اتفاق الطائف.

بعيدا عن المقارنة بين الظروف الاقليمية والمحلية الحالية، وتلك التي كانت سائدة خلال العام 1975، لكن يمكن القول أن ما كان متوفّراً في ذلك الوقت هو الإرادة السياسية في خوض المعارك العسكرية بأيدي القوى اللبنانية، ونتج عن ذلك نشوب حرب ضروس استمرت سنوات طويلة. أما ما هو قائم الآن قد يكون أخطر بكثير من تلك المرحلة، خاصة فيما يتعلق بالظروف الاقليمية، وطبيعة وحجم التهديد المحدق بلبنان.

مع ذلك، فإن الحديث المتزايد عن أن اللبنانيين استخلصوا العبر من تجربة الحرب، أمر مبالغ به. خاصة وأن الوقائع التي شهدها لبنان تؤكد أن بعض اللبنانيين مستعدون للانخراط في كل المخططات لسحق المقاومة في لبنان والنيل منها. ومن دون استبعاد حضور سلبيات الحرب ومشاهدها في الوجدان العام، والأكيد أيضا أن هذا العامل ليس هو الذي حال حتى الآن دون تجددها. بل إن موازين القوى وحضورها في حسابات الأطراف اللبنانية أدى إلى هبوط العقلانية – بقدر – على طبقات سياسية لبنانية محدَّدة.

وبعبارة أكثر مباشرة، فإن حكمة من يملك القدرة وحرصه على السلم الاهلي، في مقابل مردوعية من لا يتهيب اللجوء إلى اي أسلوب ولكن يفتقد إلى القدرة، هو الذي أنقذ لبنان، بقدر، حتى الآن.

جهاد حيدر | العهد

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى