الجيشُ والحشد الشعبي ذراعا العراق

كثيرا ماتردد وسائل الإعلام الخاضعة للأنظمة الفردية الوراثية التي تمنت سقوط العراق تحت براثن داعش ومعها بعض المتسكعين على أبوابها من حثالات النظام الصدامي المقبور مقولة إن (الحشد الشعبي هو ميليشيات شيعية غير قانونية وغير دستورية أوجدتها الحكومة لمحاربة أهل السنة.) و(إن جرائمها فاقت جرائم داعش) وعلى هذا الأساس يجب حلها لـ( أنها تشكل خطرا كبيرا على وحدة الشعب العراقي !!!). ولا أدري متى كانوا حريصين على وحدة الشعب العراقي؟

ولم تكن تصريحات عادل الجبير وزير خارجية آل سعود ببعيدة عن هذا السياق حين أقضت مضجعه ومضاجع أسياده في الرياض عملية تحرير الفلوجة من براثن الوحش الداعشي. والغرض الرئيس من وراء هذه التهمة الكاذبة الظالمة التي ظاهرها الدفاع عن أهل السنة وباطنها خلط السم بالعسل والعمل على تمزيق جسد العراق وتحويله إلى كانتونات طائفية تدور في دوامة دموية وفق نظرية جون بايدن وإعادة داعش إلى المناطق المحررة ومدها بأسباب القوة والبقاء.

وقد أثبت حكام آل سعود ومن يتبعهم تعاملهم السيئ مع العراق وإنهم مع داعش قلبا وقالبا، ولا هم لهم سوى دق إسفين بين المكونات العراقية. ويعملون بكل مايملكون من خبث وقذارة ووضاعة أن يشعلوا فيه حربا أهلية. ويتناغى مع هذا الهدف بعض العملاء الأذلاء الذين أصيبت قلوبهم ونفوسهم المريضة بالطائفية ويعتقدون إن استيلاء داعش على العراق هو الطريق الوحيد الذي يمهد لهم الرجوع إلى الحكم الفردي في ليلة ظلماء مرة أخرى بدعم من الأنظمة التي تتربص بالعراق.

وقد ذهبوا إلى أبعد من هذا للوصول إلى هدفهم وباتوا اليوم يمنون أنفسهم بحرب شيعية شيعية مستغلين ماقدمته وتقدمه الأحزاب الشيعية من عرض سيئ على الساحة السياسية العراقية. وهم يدركون تماما إن داعش تنظيم إرهابي دموي لايعترف بأي مذهب وإن تشبث قادته ببعض النصوص الدينية التي يسخرونها لتمرير أجندتهم الدموية. ويعاملون البشر على أساس الرضوخ لإرادتهم الإلغائية ومبايعة زعيمهم المجرم الضال المدعو أبو بكر البغدادي وكل من لايفعل ذلك هو مباح الدم والعرض والمال مهما كانت هويته ومذهبه.

ومصيبة هؤلاء الذين يدعون إن الدواعش حماة لأهل السنة الشرفاء الذين امتزجت دماؤهم بدماء إخوانهم من المكونات الأخرى ولا يكفون أبدا عن الضرب على وترهم المعهود كلما ظهروا في فضائية طائفية وهو(إضطهاد السنة وتهميشهم في العراق) فهم يكررون هذه الكذبة لآلاف المرات حتى يصدقها الناس، وجلهم من بقايا حزب البعث الصدامي المقبور وهم إما أن يكونوا من رواد فنادق عمان وقطر وأربيل ولم يقدموا شيئا يذكر لطائفتهم التي يذرفون عليها دموع التماسيح.

وإما من أطلق ساقيه للريح حين اجتاح الدواعش مناطقهم ، وعاثوا فيها فسادا ، وإما من انضم إلى الدواعش ليعيد للسنة حقوقهم حسب زعمه وهو يشاهد بأم عينيه كيف تقتل داعش أهل السنة وتقوم بتهجيرهم من بيوتهم وتجعل الباقين دروعا بشرية أثناء المعارك. وقد وجدت الفضائيات الطائفية ضالتها فيهم ليبثوا من خلالها أحقادهم الطائفية. ولم تساهمموا قيد أنملة في دفع الشر الداعشي عن مناطقهم. ويجاهرون علنا بعدم اعترافهم بالدستور العراقي ولا بالحكومة العراقية التي تكافح داعش .

ورضوا أن يقدموا خدماتهم المجانية للأنظمة المعادية للعراق وعلى رأسها النظامين السعودي والقطري على أمل أن يحصلوا على بعض مكاسبهم السابقة بعد إسقاط الحكومة عن طريق إرسال قطعان الإرهاب إلى داخل العراق ليقتلوا الأبرياء ويدمروا البنى التحتية،ويحرقوا الحجر والشجر.

وأقامت لهم هذه الأنظمة المؤتمرات المعادية التي يتجمع فيها شراذم حزب البعث الهاربة مع العناصر الإرهابية التي وقفت على المنصات وأطلقت أبشع الهتافات الطائفية، وادعت إن عصابات القاعدة ومن بعدها داعش هم ثوار(الربيع العربي) الذي سينقذ العراق من حكومته الطائفية.وأصدرت مؤسستهم الدينية عشرات الفتاوى التي تؤجج الفتن الطائفية داخل العراق وتم تهريب آلاف الكتب التي تكفر الشيعة عبر الحدود . واستمرت المقاطعة السياسية لأعوام طويلة. وصرفت المليارات من الدولارات لأجل ذلك.

أما ماتدبره في الخفاء فقد يشيب لهوله الولدان. وقد كشف موقع ويكيلكس عن بعض تلك الخفايا التآمرية بنشره الوثائق السرية عنها رغم كل محاولات الحكومة العراقية المستمرة والفاشلة لجعل العلاقات طبيعية بينها وبين دولة آل سعود ودولة آل ثاني وآل خليفة وهلم جرا أساسها الإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ومنها الزيارات التي قام بها المسؤولون من رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس النواب رغم علمهم بأن أنهارا من دماء العراقيين سفكت من قبل مرتزقة هذه الأنظمة الورائية الطائفية التي ترعى الإرهاب في العراق .وهاهي حكومة آل سعود تخطط لإقامة مؤتمر آخر في أراضيها تتجمع فيه هذه الشراذم الطائفية لتبحث (مصير أهل السنة) في العراق لأن ملكهم يعتبر نفسه ولي أمر السنة في العالمين العربي والإسلامي.

وأنا كمواطن عراقي مستقل لاأدافع عن الحكومة العراقية ولا عن وسائل إعلامها التابعة لأحزاب لاتفكر بمصلحة المواطن العراقي المقهور ولا تستطيع توفير الأمن له بقدر مايلهث أفرادها ومعظم أعضاء مجلس نوابها للحصول على المزيد من المناصب والمكاسب والإمتيازات. وأعتبرها وكثير من العراقيين مثلي إنها حكومة فساد ومحاصصات وصراعات مستمرة في الداخل.

وحكومة إستجداء وتراجعات وضعف وتخاذل في تعاملها مع دول الجوار.والشعب العراقي الذي هو من أذكى شعوب العالم يدرك جيدا حجم التآمر على وطنه بعد أن تمرس بالسياسة وخبر دهاليزها وأتذكر هنا كلمات قرأتها لعالم الإجتماع المعروف المرحوم الدكتورعلي الوردي يقول فيها:

(لعلني لاأغالي إذا قلت أن الشعب العراقي في مرحلته الراهنة هو من أكثر شعوب العالم إن لم يكن أكثرها ولعا بالسياسة وانهماكا فيها .فكل فرد فيه هو رجل سياسة من الطراز الأول .فأنت لاتكاد تتحدث إلى بقال أو عطار حتى تجده يزن لك البضاعة وهو يحاورك في السياسة أو يسألك عنها.وقد يحمل الحمال لك البضاعة فيحاول في الطريق أن يجرك إلى الحديث في السياسة وهو يزعم إنه لو تسلم مقاليد الأمور لأصلح نظام الحكم بضربة واحدة.) من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص381.

هذا ماكان عليه الشعب العراقي في زمن الدكتور علي الوردي الذي كان يبني كلامه على دراسات ومشاهدات فكيف في هذا الزمن الذي يتهجم فيه السفير السعودي ثامر السبهان ضابط المخابرات على الحشد الشعبي ثم يذهب بعد أيام إلى سجن الناصرية ويقابل قتلة سعوديين محكومين بالإعدام تلطخت أياديهم الآثمة بدماء العراقيين ويقدم لكل واحد منهم ألف دولار وكيلو من العسل المصفى تقديرا لجهودهم الإجرامية ويعدهم بـ(الفرج والخلاص ) تحت سمع وبصر الحكومة العراقية ورئيسها.

والشعب العراقي يرى ويسمع كل ذلك ويتساءل من هو المسؤول الذي سمح للسبهان بهذه التجاوزات الخطيرة التي تنتهك سيادة العراق وتتعدى على أبنائه وعلى مرجعيته؟ وما الذي يجنيه العراق من بقاء هذا السفير الذي لايرعى أبسط اللياقات الدبلوماسية ، ويشجع على الإرهاب في البلد المضيف؟ وأية حكومة في العالم تقبل بهذا التعدي غير هذه الحكومة العراقية التي وصلت إلى أدنى درجات الضعف والهزال أمام الأنظمة التي تسيئ للعراقيين .؟ فهل يريد عادل الجبير وثامر السبهان أن تغزو داعش العراق ولا تحرك المرجعية الدينية التي تعتبر صمام الأمان للعراقيين ساكنا وهي ترى بغداد على قاب قوسين أو أدنى من السقوط.؟ وهل كان على أبناء العراق أن يبحثوا في بطون الدستور والقوانين لكي يجدوا نصا قانونيا يسمح لهم بالتطوع لصد الهجمة الداعشية الشرسة.؟ وهل يوجد وطن في العالم يتعرض لعدوان شرس ويرد عليه من خلال الأنظمة والقوانين التي تسمح له بذلك.؟ وأوجه السؤال لعادل الجبير وأسياده ماذا قدم ( التحالف العربي )العرمرم الذي تزعمته السعودية وادعت إنه أقيم لمحاربة داعش.؟ لاشك إن الأيام أثبتت إنه تحالف ورقي دعائي لاقيمة له مطلقا.

إن المرجعية الرشيدة حين أصدرت فتواها لم تذكر كلمة سني أو شيعي بل طالبت العراقيين بكل مذاهبهم وأديانهم وقومياتهم أن يهبوا للدفاع عن وطنهم. وكل التجارب الجديدة تمر بأخطاء فردية لايمكن أن يقاس عليها.وربما يوجد من له مصلحة في صنع بعض الأفلام المفبركة وإرسالها إلى الفضائيات المعادية نتيجة لهذه الصراعات المستمرة بين الكتل السياسية لتأليب الرأي العام العربي ضد الحشد الشعبي الذي يخوض اليوم أشرف معاركه المقدسة مع أشقائه في القوات المسلحة العراقية. وكمواطن أرفض رفضا قاطعا الإعتداء على أي إنسان بريئ على الشبهة ولابد أن تكون للقضاء اليد العليا في توجيه التهم لمن تحوم حوله الشبهات بارتكاب جرائم إرهابية. ولكن أقول إن أبسط إنسان في العراق يعلم إن وطنه تعرض لغزو داعشي شرس إبتلع ثلث مساحته في عدة أيام نتيجة للخيانات والفساد الذي كان ينخر في جسد المؤسسة العسكرية العراقية والتآمر الخارجي المحموم من هذه الأنظمة بالتواطؤ مع المحافظ السابق أسيل النجيفي.

لقد وجدت القوى المعادية ضالتها في تشويه سمعة الحشد الشعبي لأن هؤلاء الفتية الشجعان جاهدوا بأموالهم وأنفسهم للذود عن تربة العراق المقدسة باخلاص وتفان قل نظيره ، وحققوا إنتصارات باهرة ضد الدواعش الأشرار بإيمانهم وعزيمتهم واندفاعهم، وقد أصبحوا قوة أساسية في الحفاظ على أمن العراق هم يشكلون اليوم بإمكاناتهم البسيطة مع الجيش ذراعا العراق الضاربان بعد أن قلبوا أحلام أعداء العراق السوداء وأصابوهم بإحباط مابعده إحباط. ونتيجة لهذا الإحباط الشديد الذي أصيبوا به أشهروا كل أسلحتهم الخبيثة ضده. وشتان بين أبناء العراق الشرفاء في الحشد الشعبي الذين يهبون أرواحهم لتحرير أرضهم من دنس الدواعش الأوغاد وبين من رضي بالذل والخنوع لحكام يحملون في قلوبهم ودمائهم جبالا من الأحقاد على العراق. ولو كان هؤلاء العملاء يحاسبون أنفسهم على مايفعلون لمرغوا جباههم في التراب.

إن الحشد الشعبي اليوم بحاجة إلى تجهيز أكثر فعالية وإلى مساواة شهدائه وجرحاه بشهداء القوات المسلحة.وإلى قانون يصدره مجلس النواب ليبقى الدرع الحصين للوطن، والذراع الآخر له نتيجة الأخطار الكبرى المحدقة بالعراق.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى