الجمالیة عند العلامة الطباطبائي رضوان الله علیه

حسام مین باشی

إن معرفة الکائن البشري بالطیبات من الامور والأحداث تعود الی زمن بعید و دهر داهر عندما وجد انه هناک مظاهر طبیعیة و امور و احداث و نکهات و الوان و غیرها تعجبه واخری لاتعجبه .فقسمها بالطیبات و السیئات و ابتدع مفردات للتعبیر عن إعجابه أو انزعاجه ثم ولاءه واستنکاره للکائنات و الاعمال و الاحداث کافة.

من أهم هذه المفردات هي کلمة الجمال التي یستخدمونه العرب للتحدث عن :« الحُسنُ في الخُلق والخَلق » حسب معجم القاموس المحیط الشهیر،و قد ورد حدیث مشهور عن النبي( صلی الله علیه و آله و سلم) في موضوع الجمال الذي ذکره کتب الاحادیث الاسلامیة الشهیرة للشیعة و السنة بهذا المضمون ««إن الله جمیل و یحب الجمال» .

اما مصطلح الجمالیة أو علم الجمال یطلق الی أحد فروع الفلسفة الذي یتناول جوهر الجمال و طبیعته وهوما یستوعب الافکار الانسانیة نحو الجمال. ونظرا للفوائد الکبیرة التي تکمن في علم الجمالیة وعلاقته المباشرة بالفن و الثقافة اردنا ان نفتح مرایا للاستطلاع علیها و ذلک من وجهة نظر العلامة طباطبائي الراحل الذي کان عالما دینیا و فیلسوفا مهتما بالروحانیة و له مکتوبات قیمة بهذه الشؤون مثل “المیزان في تفسیر القرآن” (تفسیر المیزان) و رسائل و تعلیقات و… (بالعربیة )و کتاب “مبادئ الفلسفة واسالیب المذهب الواقعي و القرآن في الاسلام “و…( بالفارسیة) .

لقد بذل العلامة الطباطبائي جهود کبیرة لاستخراج مفاهیم ذات قیمة عالیة و مفیدة من الآیات القرانیة و اتبع اسلوب خاص تحت عنوان تفسیر القرآن بالقرآن، و موضوع الدراسة في تفسیر المیزان یعود الی مسألة الانثناء و التقارن في آیات القرآن ولعلها هي التي دافعة لکتابة تفسیر المیزان کما یقول العلامة في تفسیرها لآیة } اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ } (الزمر:23) انه« کتابا متشابا یعني بعض اجزائه تشبه بعض اجزائه الاخری، وهذا التشابه لیس هو المتشابه الذي یقابل محکمه ،إذ هناک المتشابه صفة بعض الآیات وهنا التشابه یشمل القرآن کله،والمثاني جمع المثني ،بمعنی المنعطف ،اي بعض الآیات تنعطف علی بعض آخر،أو بعبارة أوضح ،بعض الآیات تفسر آیات اخری دون أي اختلاف.( الطباطبائي 17:256 )

کان العلامة الطباطبائي یعتقد ان الجمال هو عبارة عن انسجام و تلاؤم الاجزاء مع بعضها البعض ،مع انه یعتقد ان الانسجام یجب ان یتلاءم مع الاهداف الوجودیة للاشیاء حتی یظهر الجمال ،و لذلک یقول العلامة هکذا « حقیقة الحسن و الجمال هي ان تنسجم الاجزاء مع بعضها البعض وأن تتناسق المجموعة هذه مع الهدف الذي وراءها.إذن جمال الوجه في تناسق اجزاءها مثل العینین و الحاجبین والأنف والحلق مع بعضها البعض و لکن تناسق حسن العدالة یعود الی الغایات التي یتابعها أي مجتمع مدني حیث أن یتمتع کل صاحب الحق من حقه.و کذلک حسن کل الاشیاء….(الطباطبائي 16:256)

و في قضیة مورد الجمال في الکون و الارض کان العلامة یعتقد انه یستند الطیبات کافة الی الرب سبحانه و تعالی و السیئات کافة تعود الی الاعمال المفوّضة السیئة للانسان . ویعتقد انه لا کائن یتصف بالرداءة لان الرب جلّ وعلی اعتبر خلق الکائنات حسنا کما یکتب في تفسیر (أَلَّذِي اَحْسَنَ کُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ السجدة آیة 7) انه «یرافق الجمال الخلق فلامخلوق الا انه جمیل ولاجمیل الا ان خلقه الرب سبحانه و تعالی» فاذا لاحقنا هذه الآیة مع آیة (اللهُ خالِقُ کُلِّ شَيْءٍ )(الزمر 62)وجدنا انه: اولا الخلق توأم الجمال فکل مخلوق جمیل لان الرب خلقه وثانیا : أن کل ما یعتبر سيئا مثل الذنوب و الممارسات الفضیعة لیس مخلوق الحق سبحانه و تعالی ….(الطباطبائي 16:254)

و بشأن طریق الحصول علی الجمال یکتب العلامة انه:« لا عبد یحصل علی الجمال و الحسن الا أن یجد ان ما لدیه من الحسن و الجمال، هو نموذج یبین کمال الخلق الالهي وحسنه و جماله الذي لاحصر له فیعود کافة الی رحمة الرب سبحانه و تعالی ….» (الطباطبائي نفس المصدر).

مما سبق نستنتج انه کان العلامة یهتم بالجمالیة و ذلک لاثبات وجود الرب والتعبیر عن مقاصد الشریعة التي تتمثل في ارشاد المؤمنین الی انجاز الطیبات و التجنب عن الجهل والضعف والغرور کما یعلن العلامة في مکتوباته بصراحة انه کل الکائنات جمیلة و الرداءة تعود الی اعمال اختیاریة سیئة للانسان.

ختامة.

المصادر:

  • المیزان في تفسیر القرآن للعلامة طباطبائي.
  • موقع حوزة للاعلام (پایگاه اطلاع رسانی حوزه) مقالة “مظاهرالجمال في تقارن مفاهیم القرآن ومفرداته و تکرارها “للاستاذ غلامرضا الفدایي العراقي”.
  • موقع مجمع العلوم و الثقافة الاسلامیة(پژوهشگاه علوم وفرهنگ اسلامی) موسوعة القرآن الموضوعیة مقالة ” دیدگاه علامه طباطبائي در حوزه زیبایی شناسی و اخلاق”(موقف العلامه طباطبائي من الجمالیة و الاخلاق) للاستاذ حسن خرقاني الاستاذ المساعد في جامعة رضوي للعلوم الاسلامیة.

ولد العالم السید محمد حسین الطباطبائي في 1369 الهجري القمري بمدنیة تبریز و یعتبر من اعظم علماء الشیعة  خاصة یُعرف بکتابه المیزان في تفسیر القرآن و کان عالما مهتما بالروحانیة و الفلسفة  و له کتب عدیدة في العلوم الاسلامیة و نقد الحضارة الغربیة ایضا  (نقد مبادئ المذهب الواقعي) و توفي العلامة في سنة 1981 المیلادیة و افکاره مصادر لاستلهام اهل الدین و الثقافة في ایران الاسلامیة. و قد بث القناة الاولي  من التلفزیون الایراني عدة حلقات من البرامج التلفزیونیة  تکریما لحیاته و اسالیبه في الحیاة الدینیة  قبل اشهر .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى