الثّأر من حزب الله إعلامياً…وأبواق ’وحشية’ لتشويه صورة حزب الله

لطيفة الحسيني

لم تحتمل غرفة العمليات الاعلامية المعادية للمقاومة الأصداء الواسعة التي لاقتها وصية شهيد “الدفاع المقدس” مهدي ياغي خلال الأسبوعين الماضيين.. فوصية مهدي خرقت الأوساط المنهاضة لخطّ حزب الله وحلفائه.. حرّكت مشاعر الكثيرين ممّن كانوا يهاجمون شهداء المقاومة منذ قيامها.. اتُخذ القرار بالردّ، والبداية كانت عبر مقال “لقيط” لكاتب في صحيفة “النهار” يتعرّض للشهيد، فشلت الخطة وكانت كلمات مهدي أقوى من حروف صحافي لم يجرؤ على الإعلان عن نفسه، فتمّ الانتقال الى مرحلة ثانية من التحريف الممنهج لإثبات عدم إنسانية وأخلاقية حزب الله، هذه المرة بالصوت والصورة.. على عجل، عثر المشرفون على الغرفة نفسها على فيديو غير معروف المصدر، وبدأوا بتلفيق تهم وحشية لمجاهدي المقاومة تنال من سمعتهم، نشر موقع “لبنان الجديد” الشريط، وسارعت محطة “العربية” الى تلبية النداء وتبنّي هدف الفيديو.. المهمّة تشويه صورة المقاومة بما توفّر وصولاً الى شهدائها. كيف ذلك؟ من خلال بثّ فيديو يدّعي قيام مقاتلي حزب الله في سوريا بإعدام أسرى من المجموعات التكفيرية.

المسافة الزمنية بين نشر هذا الفيديو المزعوم الذي يحوي الكثير من الشبهات والشكوك، وبين تناقل الآلاف لفيديو وصية الشهيد مهدي ياغي قصيرة.. بسهولة يمكن الربط بين الحدثين رغم اختلاف معانيهما.. الحملة انطلقت يوم الاثنين الفائت مع مقال ورد في صحيفة “النهار”، يتناول وصية مهدي مقلّلاً من حجم تأثيرها على كلّ من شاهدها الى حدّ القول إن “ظاهرة أسطرة الشهيد الذي قاتل الى جانب نظام بشار الاسد عند جمهور كبير، لا يمكن إلّا أن تؤسّس لمزيد من الشروخ السياسية والثقافية”.

الاكتفاء بمقال “النهار” التحريضي للثّأر ممّا أحدثته وصية مهدي لدى رأي عام واسع لن يرضي من يدير غرفة العمليات المعادية للمقاومة، ولهذا كان السبيل الى البحث عن وسائل أخرى أكثر تشويهاً لصورة حزب الله، فلجأت قناة “العربية” السعودية الى سلاح التصوير.. عثرت من مكان مجهول على فيديو تظهر فيه مجموعة من المقاتلين على أنهم تابعين لحزب الله، وهم يعدمون عناصر يفترض أنهم من مجموعات المعارضة السورية.

أعطت “العربية” ضوءاً أخضراً للمحطات الحليفة في مشروع العداء لقوى المقاومة في المنطقة، وقبل ذلك، أعادت بثّه خلال نشراتها الى أن خصّصت “مساحة هواء” له لتغطية “الحدث” مستضيفة أحد المنظّرين لمناقشته حول خطورة الشريط.. تنبّهت قنوات أخرى للفيديو الذي يجب استغلاله سريعاً في المعركة التي تخوضها ضدّ حزب الله والنظام السوري، فسارت على الدرب نفسه.. كعادتها “المستقبل” بثّت المشاهد وكلّفت مقدّمها “المتطرف” نديم قطيش استحضار جرائم مشبوهة للترويج لفكرة أن حزب الله يقدّم مشاريعه على صورته.. الـMTV كسرت مقاطعتها لعرض مشاهد القتل في سوريا، وبثّت الشريط أيضاً فضرب الصفة الأخلاقية لحزب الله في ميدان المعركة الهدف، ولا طريق الى ذلك إلّا من خلال ذاك الفيديو.. “بوق عوكر” علي الأمين كتب هو الآخر بطبيعة الحال عن الفيديو فتّوقع “آثاراً سلبية لهذا المقطع على الداخل اللبناني، نظراً لما تتّسم به اللقطات من وضوح”، مدّعياً أن “المقطع سيزيد من حدة العداء في الداخل اللبناني، ويعزز فكر التكفير الذي يسمح بإلغاء الآخر، وهو خطاب تمكن من فكر الكثير من الجماعات الإسلامية، ويتيح إصدار فتاوى للقتل”، مردفاً “تدخل الحزب في سورية يفتقد المقومات الأخلاقية والتبريرات السياسية”.

صحيفة “الشرق الأوسط”  كانت أبلغ تشويهاً ساوت بين تنظيم “القاعدة “وحزب الله من حيث الصورة، تعاطت مع المشاهد على أنها دقيقة ولا تحتمل الشكّ، لتسأل “ما الفرق بين حزب الله و”القاعدة” في سوريا؟”، وتكمل في السياق عينه “بكل تأكيد أن لا فرق بين إرهابيي السنة وإرهابيي الشيعة، فجميعهم يقتلون السوريين تحت مبرر “في سبيل الله”، والمستفيد الوحيد هو الأسد الذي يتاجر بجرائم “القاعدة” لتبرير جرائمه، والقول للغرب إنه يقاتل المتطرفين، بينما يستعين الأسد بحزب الله من أجل حماية حكمه رغم أنه لا فرق في وحشية جرائم حزب الله عن جرائم “القاعدة”.

صحافيا أيضاً، لـ”الحياة” حصة في الحملة على حزب الله من بوابة المقطع. يقول حسام عيتاني في مقالته “دعونا إذاً من استغلال فلسطين والمقاومة و”الجرح النازف في الجسد العربي” ولنعترف أن غالبية ذلك كان تورية لصراعات عميقة لا تجد الا التعابير الطائفية للظهور، فلا تبخل الجماعات عندئذ بالتكليفات الشرعية والفتاوى اللازمة لقتل الجرحى والاسرى وذبح الاطفال او تأييد من يخنقهم بالسارين”. كذلك استغّلت “السياسة” الكويتية وموقعي “إيلاف” السعودي و”القوات اللبنانية” الفيديو ليسوّقوا لوحشية مزعومة ينتهجها حزب الله في سوريا.

لم يكن مفاجئاً أن تعمد كلّ هذه القنوات الى استثمار الفيديو، بل كان متوقعاً مؤخراً بعد أن حظيت وصية الشهيد مهدي ياغي بكمٍّ هائلٍ من التأثر والإعجاب ولاسيّما عند جمهور مناوئ لخطّ المقاومة.. قد يكون لردة فعل إحدى الشخصيات المعادية لـ”الدفاع المقدس” دليلٌ على منطقية الربط بين وصية مهدي والفيديو الاخير، فهي تسأل عفوياً “أليس مهدي ياغي موجوداً بين تلك المجموعة التي قتلت عناصر المجموعات المسلّحة؟”.

من يعرف حزب الله جيداً وتابع مسيرته على مدى أكثر من عشرين سنة يُدرك مبادئه في ميدان القتال، يتحسّس خطوطه الحمراء التي وضعها في مواجهته الأعداء وعملائهم.. فهو أرجأ اغتيال العميل الاسرائيلي عقل هاشم لتجنّب عائلته القتل، كما أن الأمين العام السيد حسن نصر الله أعلن أكثر من مرة تأجيل عمليات نوعية للمقاومة انسجاماً مع أخلاقياته وحدوده الشرعية قبل تحرير الجنوب عام 2000 وخلال عدوان تموز 2006. وليس بعيداً، في سوريا نقل الحزب 35 جريحاً من مسلحي المجوعات التكفيرية في القصير وأغاثهم رغم المواجهة بين الجانبين.. وكلام أحد الجرحى الموجّه الى الحزب كان معبّراً بهذا الخصوص “جازاكم الله خيراً يا حزب الله.. تقاتلنا وها انتم تهبون لنجدتنا في الوقت الذي تركنا الجميع”.

يتوقع البعض المزيد من محاولات تهميش صورة المقاومة في لبنان وسوريا وأينما حلّت، وما أقدمت عليه قناة “العربية” ومن لحقها، لا يعدو كونه “نقطة في بحر” ضرب الانطباع الأخلاقي لحزب الله الذي شرع فيه علانية جيفري فيلتمان عندما أفصح أمام الكونغرس عن أنه أنفق 500 مليون دولار لاستهداف سمعة الحزب.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى