التقارب الروسي الامريكي في سوريا .. توافق الضرورة

خاص الوكالة العربية للأخبار | ضمن إطار المصالح المتناقضة، هناك حدود للتوافق و الاختلاف بين موسكو و واشنطن خاصة في القضايا المتعلقة بالشأن السوري، لا سيما بعد معادلات الانتصار التي فرضتها الدولة السورية و جيشها، و تحجيم الخطر الارهابي و وضعه في أطر جغرافية ضيقة، فقد فرضت تلك المتغيرات توافق إقليمي و دولي على ضرورة عودة الاستقرار إلى سوريا، لكن مع بقاء الباب مواربا كـ وسيلة لضمان التوصل لتوافقات سياسية دولية و اقليمية، فضلا عن امكانية الاستثمار في مرحلة إعادة الإعمار، و بناء شبكة اقتصادية تطمح دول العدوان على سوريا أن تكون إحدى أضلعها.

الخلاف بين واشنطن و موسكو يحمل في جزئياته تناقضات جمة، فـ بالإضافة للمواجهة السياسية و الدبلوماسية، اتخذت المواجهات بين الدولتين أشكال و مناحي أخرى، لامست حد المواجهة العسكرية، حيث أنه خلال فترة ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبعد التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا عام 2015، و وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام 2016، قامت واشنطن بتوجيه ضربات مباشرة للجيش السوري و حلفاؤه، الأمر الذي اسفر عن ارتقاء شهداء من الجانبين السوري و الروسي، و هذا يؤكد بأن واشنطن اتخذت خطوات حاسمة تُجاه التدخل الروسي في سوريا، و قد بدا واضحا أن التخبط الأمريكي المترافق مع قرار الانسحاب من سوريا، و العودة السريعة عن القرار بأثر رجعي، اسفر عن الاتفاق بـ بقاء عدد من الجنود الأمريكيين في سوريا، و الاحتفاظ بتمثيل عسكري و ضغط سياسي شرقي الفرات، في منطقة تعتبر الأغنى بالموارد بالنسبة لسوريا، و قد حرصت سياسة الإدارة الأميركية الجديدة على عدم تمكين روسيا من استثمار وجودها العسكري في سوريا، و تحويل منجزاتها العسكرية مكاسباً سياسية تُفضي لحل سياسي في سوريا، و بالارتكاز على ما تم تحقيقه خلال سنوات الحرب المفروضة على سورية.

الاستراتيجية الروسية في سوريا و آلية سحب البساط من واشنطن.

منذ عام 2000، سعى بوتين إلى استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى، مُجسداً سياستها ضد الولايات المتحدة في شكل لعبة محصلتها صفر خسائر، معتمدا بذلك على استراتيجية الاحتواء للسياسات الأمريكية الصادمة، كل ذلك من أجل وضع روسيا كثقل مواز للغرب في الشرق الأوسط، ما أثمر عن غرق أمريكي و استنزاف في المستنقع السوري، حيث بدا واضحا أن واشنطن لم تعد قادرة على التصدي للسياسات الروسية الهادئة و الهادفة، فقد باتت خيارات واشنطن في سوريا لا تعتمد على تحصيل أي مكاسب سياسية، بقدر ما باتت وسيلة للبحث عن سُبل كفيلة بالحفاظ على الصورة النمطية للولايات المتحدة الأمريكية في العالم، تلك الاستراتيجية الروسية دفعت محور أستانا إلى سحب أوراق عديدة من محور واشنطن و حلفاؤها، بل أجبرتهم على الرضوخ للاستراتيجية التوافقية بين سوريا و روسيا و ايران، و ضرب الجيوسياسية الأمريكية المرتبطة بمسار جنيف، الأمر الذي تُرجم تردداً أمريكيا حرم الولايات المتحدة من الاضطلاع بدور قيادي، وساهم في الوضع الذي أصبحت فيه الدولة السورية أكثر تماسكاً وتصميماً على ضرب الأهداف الأمريكية البعيدة و القريبة و التصدي لها وفق اسس سياسية.

واشنطن و ضمن الصورة النمطية المرتبطة بالسطوة العسكرية و السياسية، ظنت بأن انهيار الدولة السورية وشيكاً، لذلك بدأت بتحشيد عسكري و سياسي مترافق مع دعم فصائل إرهابية لتنفيذ أجندة يُراد منها ضرب الداخل السوري، و من ثم الانتقال للضغط السياسي في مرحلة انهيار الدولة داخليا، لكن صمود الدولة السورية و مؤسساتها السياسة و العسكرية، فرضت معادلات اقليمية و دولية وجدتها موسكو مواتية لضرب السياسية الأمريكية و التصدي لها ليس في سوريا فحسب، بل العمل على الانخراط في مواجهة كاملة مع واشنطن اقليمياً و دولياً، و عليه لم تُفلح واشنطن بتطوير الصراع في سوريا، فكانت الاستجابة السياسية الأمريكية لما تم فرضه سورياً و روسياً و إيرانياً، على هيئة عقوبات ضد سوريا و حلفاؤها، مع محاولات يائسة للاستمرار بالضغط السياسي المبني على تواجد عسكري رمزي في سوريا.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى