الامام الحسن.. غدرته الأمة ورمته ببغيها بعد أن حقن دماءهم

الكثير الجاهل والساذج والحاقد من المؤرخين والكتاب والباحثين المتأثرين بتاريخ ودعايات وروايات بني أمية، يظلم الامام الحسن بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام بخصوص توقيعه “معاهدة الصلح” مع طاغية زمانه أبن الطلقاء “معاوية بن أبي سفيان” في 26 ربيع الأول سنة 41 للهجرة حقناً لدماء المسلمين ودفعاً للفرقة والنفاق والتشتت والانقسام، والحيلولة دون اندحار الرسالة النبوية الشريفة لما رآه عليه السلام من مؤامرات خبيثة كان قد خطط لها أبن آكلة الأكباد لإعادة الأمة الى عصر الجاهلية وفرض سطوة أمية عليها كما قالها الطليق والده أبو سفيان لمّا تولّى عثمان الخلافة: “تلاقفوها يا بني أمية تلاقف الكرة بيد الصبيان فو الذي يحلف به أبو سفيان فلا جنة ولا نار ولا معاد ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا وتزكوا وإنما قاتلتكم لأتآمر عليكم” – الجوهري: السقيفة 39 ـ 40، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/ 44، المقريزي: النزاع والتخاصم 31 .

بعد استشهاد أمير المومنين الامام علي بن أبي طالب (ع) بسيف القاسطين والمارقين والمنافقين والخارجين عن دين الله سبحانه وتعالى، بويع الامام الحسن (ع) بالخلافة في الكوفة. مما أزعج “معاوية” فبادر الى وضع الخطط لمواجهة الموقف، وأرسل الجواسيس الى الكوفة والبصرة لتحريض الناس على الامام (ع) وإيجاد الفوضى حيث نجح في ذلك بفعل الاعلام الأموي المسموم والضال ما دفع بالكثير من “اصحاب” وأعداء الامام الحسن بن علي (ع) للتخطيط والعمل على اغتياله إرضاءً لأبن صاحبة الرايية الحمراء وبث الدعايات المسمومة والمغرضة مما أدى الى انقلاب الواقع والحقيقة وانتصار الشر على الخير كما هو مألوف لدى عرب الجاهلية والقبلية على مر السنين والقرون.

أدرك ريحانة الرسول (ص) أبعاد المؤامرة، وكشف الجواسيس، فأرسل الى معاوية يدعوه الى التخلّي عن انشقاقه. وأرسل معاوية رسالة جوابية يرفض فيها مبايعة الامام الحسن (ع)، وتبادلت الرسائل بين الامام (ع) والطاغية الخارج على الدين والملة معاوية، فتصاعد الموقف المتأزّم بينهما حتى وصل الى حالة إعلان الحرب.

سار الامام الحسن (ع) ورغم كرهه الشديد لذلك حقناً لدماء المسلمين من هذه الفتنة الأموية، فسار بجيش كبير حتى نزل في موضع متقدم عرف بـ”النخيلة” فنظم الجيش ورسم الخطط لقادة الفرق؛ ومن هناك أرسل طليعة عسكرية في مقدمة الجيش على رأسها “عبيد الله بن العباس” و”قيس بن سعد بن عبادة” كمساعد له؛ لكن مجريات الأمور والأحداث جرت خلاف المتوقع؛ وفوجىء الامام المجتبى (ع) بالمواقف المتخاذلة من انصاره وقادته والمقربين له، منها:

  1. خيانة قائد الجيش “عبيد الله بن العباس” الذي التحق بركب “معاوية” لقاء رشوة تلقاها منه رغم أن الأخير كان قد قتل أثنين من أبنائه.
  2. خيانة زعماء القبائل في الكوفة الذين أغدق عليهم معاوية الأموال الوفيرة فأعلنوا له الولاء والطاعة وعاهدوه على تسليم الإمام الحسن (ع) له.
  3. قوّة جيش العدو في مقابل ضعف معنويات جيش الامام (ع) الذي كانت تستبد به المصالح المتضاربة.
  4. الدعايات والاشاعات التي أخذت مأخذاً عظيماً في بلبلة وتشويش ذهنية المجتمع العراقي.

وأمام هذا الواقع الممزّق وجد الامام الحسن بن علي (ع) أن المصلحة العليا تقتضي عقد “معاهدة صلح” مع طاغية محتال من المؤلفة قلوبهم الحاقدين على الدين والأمة “معاوية” حقناً للدماء وحفظاً لمصالح المسلمين والدين الاسلامي الحنيف.

فوقع “معاوية” على “معاهدة الصلح” الذي وضع الامام الحسن (ع) شروطه بغية أن يحافظ على شيعة ومحبي وأتباع أهل البيت (ع) وترك المسلمين يكتشفون ماهية “معاوية” الحقيقية بأنفسهم ليتسنى للامام الحسين (ع) فيما بعد كشف الغطاء عن بني أمية وتقويض دعائم ملكهم.

فأقبل “عبد الله بن سامر” الذي أرسله معاوية الى الامام الحسن (ع) حاملاً تلك الورقة البيضاء المذيّلة بالإمضاء وإعلان القبول بكل شرط يشترطه الامام (ع) وتمّ الإتفاق على وقف القتال حيث نصت “وثيقة الصلح” بما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

“هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلّم اليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة رسول الله، وليس لمعاوية أن يعهد الى احد من بعده عهداً، على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من ارض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم.

وعلى أنّ أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه.

وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لاخيه الحسين ولا لاحد من اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غائلة سوء سرّاً وجهراً، ولا يخيف أحداً في أفق من الآفاق. شهد عليه بذلك فلان وفلان ، وكفى بالله شهيداً” (المدائني في شرح النهج ج 4 ص 8 ؛وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194؛وابن كثير ج 8 ص 41؛ والاصابة ج 2 ص 12 و13؛ وابن قتيبة ص 150؛ وابن أبي الحديد ج 4 ص 15؛ والدينوري ص 200).

فرماه أصحاب النفوس الضعيفة والدنيئة من غالبية الأمة الجاهلة للحق والحقيقة والناكرة للجميل ببغيهم واتهموه (ع) دون خجل أو وجل بأنه “مذل المؤمنين”!! متجاهلين وصايا الرسول الأكرم (ص) بقوله “الحسن والحسين إمامان إن قاما أو قعدا” – دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي الجزء1 صفحة37، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ) صفحة156، المولوي صديق حسن خان القنوجي في (السراج الوهاج في شرح صحيح مسلم)، والبيهقي في (الرسالة في نصيحة العامة[4])، وتفسير ابن كثير[6] ومصابيح السنة، للبغوي[7]؛ وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم “إنّ ابني هذا سيّد وإنّ اللّه سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين”- منهاج السنّة 2 / 121، و كشف الغمة – ابن أبي الفتح الإربلي – ج 2 – ص 142 – 143وما بعدها، و مناقب آل أبي طالب – ابن شهر آشوب – ج 3 – ص 185وغيرها من المصادر الكثيرة؛ مما جرح قلبه الشريف عليه السلام ليرد عليهم بقوله:-

  1. أرى والله أنّ معاوية خير لي من هؤلاء يزعمون انّهم لي شيعة ، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي (الاحتجاج : ج2 ، ص20).
  2. والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وأؤمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي ، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما ( المصدر السابق).
  3. لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلاّ قُتِل(علل الشرائع : ص211).
  4. والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمنّ عليّ فيكون سنّة على بني هاشم آخر الدهر لمعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت(المصدر السابق).
  5. والله ما سلّمت الأمر إليه إلاّ إنّي لم أجد أنصاراً ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه (علل الشرائع ص12).
  6. لكنّي أردتُ صلاحكم وكفّ بعضكم عن بعض ” وقوله في جواب حجر بن عدي: “وما فعلتُ ما فعلتُ إلاّ إبقاء عليك والله كلُّ يوم في شأن” (شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد : ج16 ، ص15).
  7. ولكنّي خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو ثمانون ألفاً تشخب أوداجهم دماً، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمُه (المصدر السابق).
  8. علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (ص) لبني ضمرة و… أولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفروا بالتأويل (المصدر السابق).

لم يكتف معاوية بهذا القدر من الفرقة بين المسلمين ولم يكف الأذى عن سبط الرسول (ص) وريحانته (ع) حتى مكر مكراً بأن دس السم الى الامام الحسن (ع) بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث طمعاً بأن تصبح زوجة يزيد ملك بنو أمية المقبل، ليقضي الامام المجتبى (ع) نحبه شهيداً مسموماً ويدفن في بقيع الغرقد بعذ أن رفضت عائشة السماح بدفنه الى جوار جده الرسول الأعظم (ص) .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى