الاردن ، اربعة فى واحد

فى الاردن ليست هناك سياسة خارجية بالمعنى المعروف و المتداول بل هناك شغل سياسى بالقطعة و باليومية كما يقال ، عبد الله الثانى يسير على نفس اتجاه المرحوم الملك حسين و بنفس الارتباك و الازدواجية ، اليوم الشعب منقسم و مشتت التوجه و التفكير فهناك من هو مع المقاومة فى عنوانها السورى و هناك من هو مع المؤامرة فى عنوانها التركى القطرى السعودى و هناك من يهرول للتطبيع مع العدو و يستنكر فى كتاباته عدم وقوف الاردن مع الكيان فى مواجهة الجمهورية الاسلامية الايرانية و هناك من يريد ” تصفية ” القضية الفلسطينية و هناك من يقف معها مبدئيا و بدون خلفيات ، ليبرز السؤال القائل لماذا كل هذه اللخبطة و المواقف المتضاربة و لماذا لا توجد سياسة خارجية اردنية واضحة المعالم يمكن أن تجمع كل هذا الشتات الفكرى المتنافر و لماذا بقى الاردن يعيش تحت طائلة الاحداث منذ سنوات و لماذا لا توجد توجهات واضحة تعطى المتابع نظرة موضوعية على ماهية السياسة الاردنية و كيفية تعاملها مع كل الاحداث المتعاقبة فى المنطقة و فى العالم بصورة عامة .

هناك سؤال وجيه يطرح : من هو حليف المملكة فى تلك القطعة الجغرافية التى تحيط بتراب الاردن و لماذا يضطر الملك عيد الله الثانى دائما على الجلوس على عدة كراسى هزازة فى نفس الوقت و لماذا يرى المتابع دوما أن العرش الهاشمى على وشك السقوط و أن الطقس السياسى ضبابى و مشوش و يطرح كثيرا من الاسئلة و من الشكوك و ربما الاتهامات الخطيرة بالخيانة و العمالة ، بطبيعة الحال الجواب صعب و محير فى نفس الوقت و تاريخ النظام فى التقلب السياسى المزاجى معلوم للجميع فهذا النظام هو من ساند فى العلن على الاقل نظام الرئيس الراحل صدام حسين و لكنه من انقلب عليه فى السر و هذا النظام هو من وافق على الخطة المصرية فى حرب 1973 و قبلها فى حرب 1967 و لكنه كان من الذين اعلموا اسرائيل بها قبل الموعد كما جاء على لسان الملك حسين نفسه ، ربما كانت العلاقات الاردنية السورية دائما مثار تحول و جدل بين النظامين و لكن اللافت أن الاردن و نتيجة الضغوط السعودية قد اضطر هذه المرة الى الوقوف الى جانب مؤامرة اسقاط و تصفية نظام البعث الحاكم فى سوريا بل و شكل التراب الاردنى مساحة لتمرير الجماعات الارهابية و الاسلحة اضافة الى التعاون بين المخابرات الاردنية و الخليجية و التركية سواء على مستوى جمع المعلومات او على مستوى تسهيل بعض الضربات ” الجراحية ” التى نفذتها عناصر الموساد فى سوريا .

رفع العلم الصهيونى فى عمان هو أحد العناوين المهمة فى السياسة الاردنية و هو يأتى نتيجة تنازلات اردنية بلا مقابل و من يطالع الاتفاق بين الجهتين الاردنية و الصهيونية يدرك أن امضاء ذلك الاتفاق قد تم الترتيب اليه بعناية شديدة من الجانب الامريكى بحيث تمت المصادقة على كل بنوده دون حذف او محاولة تدخل من العاهل الاردنى الراحل و هنا وضع النظام نفسه فى مواجهة كل القوى الحية الرافضة للتعامل مع اسرائيل و للتطبيع مع هذا الكيان الغاصب و بالنهاية فرض الملك حسين هذا الاتفاق المهين على الشعب الاردنى ليجد نفسه معرضا للتوبيخ الشعبى فى كل مناسبة و مع كل حدث يتعلق بالهجمات الصهيونية المتكررة على الشعب الفلسطينى و بالذات عند محاولة بعض القيادات و الشخوص الصهيونية المارقة انتهاك حرمة المسجد القدسى ، نفس الشيء فى علاقة النظام بالجانب الايرانى لان الجميع يدركون اليوم أن حالة العداء قد فرضت على العائلة الهاشمية من اطراف خليجية و اخرى صهيونية أمريكية مقابل الدعم المالى النفطى و حماية العرش من المخابرات الامريكية الصهيونية ،بطبيعة الحال عندما يخرج الملك عبد الله الثانى مشيرا الى ما سماه بالهلال الشيعى المقصود منه سوريا ، حزب الله ، ايران فان هذا التوصيف يضعه فى مواجهة طيف كبير من الشعوب العربية و فى حالة عداء مع جمهور المقاومة الذى يتهم الملك علانية بالخيانة سواء للقضية الفلسطينية او لقضية القدس و يتساءلون لماذا تم احراج الملك من الجانب الامريكى فى مسالة القرار الامريكى الجديد بنقل السفارة الامريكية الى القدس الشريف .

المتابع لنشاط المخابرات الاردنية يجد نفسه أمام عدة أسئلة و عدة نقاط استفهام فهناك شق من هذه المخابرات لا ينظر بعين الرضا التام لسياسة النظام المناوئة للنظام السورى على اعتبار ان المعلومات التى توفرت سنة 2011 كانت قاطعة فى أن هناك من يحاك ضد سوريا لإسقاط النظام و ليس غيرة على مصالح و طموحات الشعب السورى و هناك شق يذهب الى أن حماية النظام من السقوط لا تكون إلا بالضرب بقوة ضد كل صوت معارض للنظام مهما كانت الاسباب و المبررات الموضوعية و هناك شق يبغى تنفيذ الخطط الامريكية الصهيونية الخليجية دون تردد حتى يتم الانتهاء من موضوع الانظمة المعارضة للسياسة الامريكية و يستقر الحال على انظمة خاضعة بالكامل للضغوط الامريكية و للخوف من العدو الصهيونى ، علاقة المخابرات بالجماعات المتطرفة فى الاردن و فى كثير من البـــلدان العربـية و الاجنبية لم تعد سرا و الاردن الذى ” انتج ” قيادات راديكالية بعضها قاتل فى الشيشان على سبيل المثال و البعض الاخر كان وراء نشأة ظواهر ايديولوجية تكفيرية متطرفة تريد مخابراته استغلال هذه الجماعات فى مقاولات تحت الباطن لفائدة انظمة الخليج او الموساد او المخابرات الامريكية تماما كما كان يحدث فى السبعينات ، المثير ان هذه الجماعات نفسها هى من قامت بعدة عمليات ارهابية داخل الاردن و فى مقر المخابرات الاردنية ” بالبقعة ” منذ فترة فى خير مثال على التناقضات التى يعيشها الاردن مما دفع احد الكتاب للقول ” قبل ان نكافح الارهاب فى الخارج علينا مكافحته فى الداخل و ان نصارح انفسنا بأننا امام خيارات صعبة ” …

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى