الإمام جعفر الصادق (؏) سيد العلم والعرفان والتقى – القسم الأول

أهل بيت النبوة (؏) لمحة تأريخية موجزة :

بسم الله الرحمن الرحيم:

( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )1

عن أبن عباس رض قال :

سمعت رسول الله (ﷺ) يقول :

( أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين (؏) مطهرون معصومون )-2

وقال رسول الله (ﷺ) :

( في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين , وانتحال المبطلين , وتأويل الجاهلين . ألا وأن أئمتكم وفدكم إلى الله . فانظروا من توفدون.)-3

وفي صحيح مسلم عن زيد ابن أرقم قال :

( قام فينا رسول الله (ﷺ) خطيبا بماء يدعى ( خما ) بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه , ووعظ وذكر ثم قال:

(أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب . وأنا تارك فيكم الثقلين : أولهما كتاب الله . فيه الهدى والنور , فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي . )-4

وقال سيد البلاغة العربية الأمام علي (؏):

(أنظروا أهل بيت نبيكم (ﷺ) فالزموا سمتهم أي (طريقهم) واتبعوا أثرهم , فلم يخرجوكم من هدى , ولم يعيدوكم في ردى , فأن لبدوا فالبدوا أي (أن أقاموا فأقيموا ), وأن نهضوا فانهضوا , ولا تسبقوهم فتضلوا , ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا.) -5

وله أيضا (؏):

(عترته خير العتر , وأسرته خير الأسر , وشجرته خير الشجر , نبتت في حرم , وبسقت في كرم , لها فروع طوال وثمر لاينال .) -6

والإمام هو المؤتمن على شريعة رسول الله (ﷺ), ورمز للمسلمين من بعده. لأنه المستوعب الأمين لقيم الإسلام المحمدي والعارف بأحكامه. يصون الشريعة من الانحراف والزيغ والأهواء. ويعمل جاهدا بكل مايملك ومستعد للتضحية بنفسه من أجل إنقاذ الدين من الوعاظ المحرفين أتباع الطغاة الذين يسخرون الدين لتثبيت ملكهم العضوض المبني على الظلم والإنحراف عن قيم السماء .

وأئمة أهل البيت (؏) ضربوا المثل الأروع في محاربة الفساد والإنحراف. وهم الذين ضحوا بأرواحهم الطاهرة من أجل بقاء دين جدهم رسول الله (ﷺ)نقيا خاليا من كل الشوائب والتشويهات التي علقت به من بعده والجود بالنفس أغلى غاية الجود .

وحين يقرأ الباحث المنصف آيات التطهير والمباهلة والصدق والمودة وأهل الذكر وحديث الثقلين والمنزلة والغدير والكثير من الأحاديث المتواترة التي أجمعت عليها كل الفرق الإسلامية يدرك جلال وطهر ومكانة هذه الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء , وهذا الكلام ليس دعوة للغلو كما يدعي من جرفته الضلالات التأريخية , وحجبت عنه رؤية نور الشمس , وانساق وراء دعوات وعاظ حكام الظلم والجور والفساد الذين اصطدمت انحرافاتهم مع بهاء تلك النجوم الساطعة أبدا هداة الحق واليقين والتي سارت على هدي القرآن العظيم وسنة نبيه الهادي الأمين .

بسم الله الرحمن الرحيم :

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )-7

عن الأمام الصادق عن أبيه عن آبائه (؏) قال :

( قال رسول الله (ﷺ) من أحبنا أهل البيت فليحمد الله على أول النعم . قيل : وما أول النعم ؟ قال (؏):

( طيب الولادة. لايحبنا إلا من طابت ولادته .)-8

وعلى هذا الأساس يمكننا القول أن من استيقن الحق وعرفه ثم انحرف عنه وأنكره فهو من الجاحدين لتلك الحقائق التأريخية الساطعة والدامغة إلى يوم الدين .

والإمام جعفر بن محمد الصادق (؏) سادس أئمة أهل البيت (؏) هو أحد تلك النجوم الساطعة التي لايخبو أوارها مادامت الأرض والسماء وهو حجة في العلم والعرفان والتقوى والزهد والكمال الروحي والإنساني.

إسمه جعفر وأبوه محمد الباقر ( باقر العلم )(؏) وجده الإمام علي بن الحسين سيد الساجدين وزين العابدين وصاحب الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق . وأمه ( أم فروه ) فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (رض ) ولد في المدينة المنورة يوم الجمعة أو الاثنين بعد طلوع الفجر السابع عشر من ربيع الأول يوم ميلاد جده الأعظم محمد بن عبد الله (ﷺ) سنة 83ه ومن ألقابه :

الصادق , الفاضل , الكافل , القائم , الصابر , الطاهر . والصادق أشهرها لصدقه في الحديث .

وهذا الإمام العلم يستحق من كل باحث إسلامي وغير إسلامي منصف أن يتوغل في شخصيته العرفانية العظيمة ليستخرج منها الدرر واللآلئ التأريخية لتكون ذخيرة وزادا لأجيالنا الإسلامية بعد القرآن العظيم والسنة المحمدية الغراء .

لقد ترك الإمام جعفر الصادق (؏) للأمة الإسلامية تراثا علميا وإيمانيا وتشريعيا وعرفانيا ثرا في رؤاه ومحتواه ويمكن أن يطلق عليه كل مسلم متنور بعيد عن التعصب والتأثير عما يطلق هنا وهناك من تعتيم على هذه الشخصية بأنه ( أبو المذاهب ) بحق لأنه هو ذلك الإمام الذي أنار تأريخ الأمة الإسلامية بغزير علمه وثراء فكره ونور تقواه وعظيم زهده وكان (؏) مدرسة لكل أصحاب المذاهب الأخرى ومنهم مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي وأبو حنيفة النعمان صاحب المذهب الحنفي حيث يقول مالك في حقه : (مارأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق فضلا وعلما وعبادة وورعا.)9 وقال أبو حنيفة النعمان الذي درس في مدرسته سنتين كاملتين قوله المعروف: (لولا السنتان لهلك النعمان).

لقد فاق تلامذة الإمام جعفر الصادق (؏) في تلك الجامعة الكبرى التي أنشأها على الأربعة آلاف من الرواة فقط وكتب عنه أكثر من أربعة آلاف كاتب . وكانت فترة إمامته (؏) من أخصب الفترات علما ومعرفة وفقها وأطلق عليها العلماء: (العصر الذهبي للحركة العلمية ) والمصادر كثيرة لمن يريد أن يطلع ويبحث .

وكان الإمام (؏) رائدا في العلوم الطبيعية كالطب والفيزياء والكيمياء وهو مؤسس المذهب الجعفري الذي اقترن باسمه والذي يعتنقه اليوم ملايين المسلمين في شتى أنحاء الأرض وقد ألف العلامة المرحوم الشيخ محمد جواد مغنيه كتابا ضخما أسماه ( الفقه على المذاهب الخمسه ) وألف السيد هاشم معروف الحسني أربع مجلدات عنوانها المعروف (تأريخ الفقه الجعفري ) وهناك آلاف الكتب التي لايمكن حصرها في هذا المقال الصغيرعن تأريخ هذا المذهب العظيم الذي ينكره البعض عن جهل تارة وعن تعصب أعمى تارة أخرى نتيجة التعتيم الشديد الذي أمر به حكام تلك الفتره على حركة الإمام جعفر الصادق (؏) وجامعته الكبرى .ومن البلية أن يدعي بعض الذين أعماهم الحقد الطائفي البغيض بأن الشيعة هم ( أصحاب بدع.!!!) و(إن علماءهم يقرون بتحريف القرآن) والكثير من التهم الجاهزة الظالمة التي لاتستند على أساس علمي وهي من أكبر مصائب الأمة الإسلامية ومن أسباب ضعفها وتمزقها وهؤلاء ظلوا يخوضون في جهالتهم،ولو فتحوا أذهانهم ،واطلعوا على أقوال العلماء الحقيقيين المنتمين إلى هذا المذهب لما أطلقوا تهمهم الجاهزة. وكل المذاهب تضم بين من ينتمي إليها أشخاص مغالون ولا يؤخذ بآرائهم الشخصية التي فيها الكثير من الشطط.

وبالإضافة إلى هذا التعتيم على علم الإمام جعفر الصادق (؏) وجامعته فقد فقدت الكثير من الآثار العلمية نتيجة الغزوات التي تعرضت لها المنطقة الإسلامية في مختلف المراحل التأريخية.

قال الشيخ المظفري :

( ماروي عن الإمام جعفر الصادق (؏) بلا واسطة ثمانون كتابا وبواسطة سبعون كتابا وأخذ عنه العلم والحديث أكثر من أربعة آلاف رجل حيث ساهم مع أبيه الإمام الباقر (؏) في تأسيس جامعة أهل البيت (؏) في المسجد النبوي الشريف وقاما (؏) بنشر العلم والمعرفة وبثهما بين الفقهاء والمفسرين والمحدثين فعليهما تتلمذ أهل الفقه, وعنهما أخذ رواة الحديث , وبهما استظل ظل العلم والمعرفة , ) – 10

ووصفه المؤرخ اليعقوبي فقال :

(كان جعفر الصادق أفضل الناس وأعلمهم بدين الله . وكان أهل العلم الذين سمعوا منه إذا رووا عنه قالوا بالحرف الواحد : ( أخبرنا العالم ) .- 11

وتحدث الأستاذ محمد فريد وجدي صاحب معارف القرن العشرين فقال : ( أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب هو أحد الأئمة الأثني عشر على مذهب الأمامية كان من سادات أهل البيت النبوي (؏).)

أشارات :

  1. سورة السجده – الآية 24
  2. ينابيع الموده –ج2 –ص316
  3. المراجعات ص21
  4. فضائل الصحابه ج4 – ص1873
  5. نهج البلاغة – ص 173- الشريف الرضي
  6. نهج البلاغة ص168- الشريف الرضي
  7. سورة يونس – الآية 35
  8. البحار م7- ص389
  9. من كتاب الأمام الصادق (؏) (فصل الموقع العلمي للإمام)
  10. نفس المصدر السابق .
  11. نفس المصدر السابق

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى