الإرهاب… وانقلاب السحر على الساحر …

شهد العالم ويشهد اليوم ازديادا في وتيرة الأعمال الإرهابية ، وبخاصة في المناطق التي تعيش خللاً بنيوياً وجيوبوليتيكيا يترجم صراعات داخلية في دولها على السلطة وأشكال أنظمة الحكم ، وهذه الأعمال في معظمها تحمل عنوانا عريضاً هو “منظمة القاعدة ” والحركات الإسلامية التكفيرية المتطرفة المرتبطة بها بشكل او بآخر ، فمن الفيليبين واندونيسيا الى ميانمار الى الهند الى أفغانستان الى باكستان الى اليمن فالصومال وكينيا ومن نيجيريا الى مالي ومن الجزائر الى تونس وليبيا ومصر وسورية والعراق ولبنان وتركيا والقوقاز يبدو ان هذا الحزام الناري يشتعل ويهدد بتفجير المنطقة وغيرها من الدول.

ومن المفارقة ان معظم هذه الدول إسلامية ، وهي إما دول بترولية أو محاذية لدول نفطية وتشكل ضرورة جيواستراتيجية لمرور خطوط انابيب النفط والغاز باتجاه البحار والغرب.

كثرة من المفكرين والسياسيين وقادة الدول ترى ان مفهوم الإرهاب في عالم اليوم اصبح وجهة نظر ، ذلك ان هناك مجموعة من الدول الكبرى تتعامل معه بمعايير مزدوجة انطلاقا من مصالحها أو وفق استراتيجياتها الوطنية او الدولية. حتى ان بعض هذه الدول متهمة برعايتها للإرهاب وتمويله وتدريب عناصره ومن ثم استخدامه للوصول الى أهداف سياسية واقتصادية، أو لإثارة النعرات الطائفية والمذهبية في مجتمعات ودول أخرى لتغيير أنظمة الحكم المعادية له وتمكين انظمة جديدة موالية من الوصول الى سدة الحكم.

كما أن البعض يرى ان إلصاق صفة الإرهاب ببعض الدول والحركات التحررية والأحزاب الوطنية أو المنظمات السياسية انما يتم وفقا لرأي “منظومة العالم الجديد” ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفرد الولايات المتحدة الاميركية والغرب الأوروبي بقيادة العالم و”إدارته” واستنادا لموالاتها لهذه القيادة او ممانعتها لها وان الإرهاب بالنسبة لهذا البعض هو كل ما كان استقلالاً في”الإرادة ” عن هذه “الإدارة ” ،أو أن “من ليس معنا فهو ضدنا” ، أو هو كل خروج وتميز عن النظام العالمي الآحادي ونموذجه وثقافته.

ويجادل بعض المفكرين أن الإرهاب اليوم هو الوجه الآخر للعولمة وهيمنة القطب الواحد فكلاهما تطرف : عنف السياسات مقابل عنف الاعمال الارهابية ، الغنى الفاحش مقابل الفقر المدقع ،عنف الهيمنة واستغلال الشعوب مقابل عنف الهوية وممانعتها لمحاولة الإلغاء من قبل الآخر. كما يجادل البعض الآخر ان الارهاب هو حرب الفقراء، وهو استخدام العنف كحرب نفسية لصنع الدعاية وزرع الرعب وثقافة الخوف ولفت الأنظار.

من هنا يرى البعض ان هذه المنظمات تستخدم الإرهاب بهدف ترويع الناس والحكام للوصول الى اهدافها وإقامة سلطتها للحفاظ على ثرواتها الوطنية بعد القضاء على الأنظمة السياسية العلمانية القائمة وبناء امبراطوريتها الإسلامية المزعومة أو هويتها الوطنية.

ولكن البعض الآخر يجادل ان بعض هذه المنظمات الإرهابية هي “صناعة دولية” بهدف “خلق التبرير لمحاربتها”، فمن خلال محاربة الإرهاب يتم التدخل في شؤون الدول والشعوب بهدف تغيير الأنظمة المعارضة في العالم أو إخضاعها لهيمنة الدول الغربية واستمرار سيطرتها على ثروات هذه الدول من نفط وغاز وموارد اخرى، وتأمين المرور السلس والآمن لهذه الموارد الى الغرب، ولكن الواضح ان بعض هذه المنظمات قد “عادت الى جاهليتها الأولى”، وانحرفت عن الأهداف التي صنعت لتحقيقها ، أو انقلبت على صانعها وباتت بفكرها الإلغائي ، وممارساتها الهمجية خطرا يستهدف دول من صنعتها ، ومعظم دول العالم دون مراعاة لدين او فكر انساني حضاري او سياسي واضح.

إن عنف الإرهاب الذي أفرزته حملات الحرب ضده أو أفرزته المجتمعات المعاصرة وبخاصة تلك التي نادت بالربيع العربي والثورات العربية من مجموعات تكفيرية تعمل تحت شعار الدين وتمارس ابشع عمليات الإرهاب وترفض كل القيم الإنسانية والمواثيق الدولية ، وتستبيح كل المحرمات والحريات يفرض على المجتمع الدولي بشكل عام ، وعلى كل دولة بشكل خاص ان تعمد الى وضع استراتيجيات مباشرة وغير مباشرة وتعمل مع غيرها للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة التي باتت تهدد الحضارة والمجتمعات وأصبح من الضروري التصدي لها ومحاربتها أمنيا وعسكريا وإعلاميا ، من جهة ، والعمل على القضاء على اسباب تولدها من خلال التعليم والتنمية الاقتصادية والبشرية والفكرية ، ووقف الفضائيات التي تساهم في نشر الجهل والتخلف والأفكار الدينية المتطرفة والمتعصبة ، والعمل الجدي الصادق من قبل الدول المتقدمة في المساعدة على إقامة الحكم الرشيد والعادل في المجتمعات والدول التي تشكل بيئة حاضنة ولاّدة لمثل هذه الأفكار والأفراد، بدلاً من رفع الشعارات الفارغة عن حقوق الإنسان وتطبيق المعايير المزدوجة في التعامل مع الإرهاب ، و”الدفع المادي” على قيام “الثورات المعلّبة” والمسلحة ، ونشر “الديمقراطيات الافتراضية” تارة بألوان زهور الربيع ورائحتها ، وطورا بألوان قوس قزح ، والتي لم يظهر من طيف ألوانها الا ما كان بلون النار، وبرائحة الدم ..

احمد علو – البلد

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى