الأبعـــاد الخـفيـــه وراء اسـتهـداف مـسـيحـيي العـــراق والشــــرق

د احمـد الاسـدي | موقع جنوب لبنان

بـدايـــة يجـب الـتـأكـيــد عـلـى إنَ المـسـيـحييـن بـالعـراق ودول المنطقــة لـيـس طـائفـة او مكـون او أقـليــه مجتمعـيــة بـل إنـهـم عـراقييـن وســـوريين ولبنـانيين وفـلسطينيين واردنيين وايـرانيين , ومـوضـوعـة الأقـليـات والطـوائــف وإنْ كـان البعـض مـنـا يســتخـدمهـا بـحـسـن نـيــه ولإغـراض تـوصـيفـيـه دارجـــه , لكـن هـنـاك مَـنْ حــاول ويحـاول تـكـريسهـا لأغـراض دنـيئــه تـصـب اولا وآخـرا فــي خـدمـة المشـروع التفتيتـي التفكيكـي لـدول المنطقـة عـلـى اسـاس دينـي ومـذهـبي وعـرقي , بـل ومنـاطـقـي احيـاننـا عنـدمـا تـغـيـب عـوامـل التقســـيـم الاخـــرى , والـذي يحـاججنـا بـواقعيـة أطـيفــة مجـتامعـاتنـا وتــنـوع ألـوانهـا فـلا انكـار لنـا علـى ذلـك , ولكـن هـذا الـتـنوع بالنسبـة لنـا تكـامـلي وليس تـقسـيمـي , والتـلـون تجـانسـي وتمـاثلـي وليس تنـافــري وتضـاددي , ومـن هنـا فـإنَ الانصهـار فـي بـودقــة الـوطـن يجـب أنْ يكـون عـنـوان خطـابنـا حـتى نفـوت الفـرصــة علـى اصحـاب الغـايـات , الذيـن يتحيننـون الفـرص حـتى على مفـرداتنـا اللغـويـة الدارجـة لـتعميـق جـروح الانقسـام فـي خـواصـرنـا و التي خطـتهـا سنـوات ازمـاتنـا المـريـرة بـمـاضي الأمس الغـابـر وحـاضـر اليـوم العقيـم .

لا تعـارض مـع مـُسـلـمـة تـقـويميــة الــرسـالات السـمـاويـة لبعضهـا فـي طـبيعـة نـزولهـا وتشـريعهـا وتصـحيحيـتهـا لمـا ســبقهـا , ولـكنهـا فـي نـفس الـوقــت تـكميليــة وليس الغـائيـة , فـالمسيحيــة لا تلغـي اليهـوديـة والاسـلام لا يلغـي الاولـى والثـانيـــة , بـل العكس هـو الصـحيـح تمـامـا , فـالاســلام يـثبـتهمـا ويفـرض علـى جمهـورة الايمـان بـمـوسـى وعيسـى عليهمـا السـلام وكـل الانبيـاء والـرسـل الـذيـن حملـوا رسـائـل ودعـوات ربـانيـــة للبشــر , وهـذا التكـامــل وإنْ حـاول ادعـيـاء الأسـلام تحميلـــه اهــواء تـفسـيـراتهـم واجـتهـاداتهـم , يبقــى الأســاس للتعـامـل بيـن الاديــان , وعنصـر تقـاربــي وتسـامحـي بينهـا وليس اقصـائـي وتكفيـري , مثلمـا يحـاول البعـض البنـاء عليــه واسـتغـلالـه لإسـتهـداف مـسـيحـيي العـراق وسـوريـة تحـديـدا والشــرق جمعــا .

ليس مـِنْ بـاب الـوطنيـات الفـارغــه والشـعـارات الديمـاغـوجـيــة , عـشـنـا فـي العــراق طـفـولتنـا وشـبـابنـا وكنـا جـزءا مِـنْ مـرحــلــة تاريخيــة فيهـا مِـن َالاخطـاء والخطـايـا , والشمـول والاسـتبداد ’ والتغييب والالغـاء والانفـراد السـلطـوي , وضـيـاع اتجـاه البـوصلـة الـوطنيـة , وتكـريس ثقـافــة الصنميــة , والانقيـاد الأعمـى وراء الحـاكـم , والتمـلق المقيـت لصـاحب السطـوة والنفـوذ , وتســيـد ألإمعــه والجـاهـل والمتخـلف والسـمج ثقـافيـا والمنحـرف فكـريـا والشــاذ اصـلا وجــذور , ولكـن بـالرغـم مــِنْ هــذا كلــه بـقيـت قــيمنـا الأخـلاقيــة وأواصـر تـلاحمنـا المجتمعـي عـصيــه علـى الاخـتـراق , حـيث المسـيحـي والصـابئـي المنـدائـي والأيـزيـدي ذو مكــانـه لا تخـتلف عـن اي مـواطـن آخـر في الشـارع , واحــتـرام وتفـاعـل فـي الـوسط المجتمعــي يتقــدم بــه فـي بعـض الاحيـان عـلـى الآخـريــن , فـالطـالب علـى سبيـل المثـال لا الحصـر يـتبـاهـى عنـدمـا يكـون مـدرســه او معلمـه مسـيحيـا او صـابئيـا , وكـاتب السطـور لا تزال ذاكـرتـه زاخـره والحمـد لله , فمـدرس اللغـة الانكليـزيـة فـي دراستــه المتـوسطـة مـسيحيـا , ومـدرس الـريـاضيـات صـابئيـا منـدائيـا , والكيميـاء كـرديـا ســنيــا , وواقـع الحـال هـذا ينطـبـق علـى الجميــع , وهـو قـاعـدة عـامـة بالتعـامـل والتفـاعـل الاجتمـاعي , وبكـل تـأكيـد , لكـل قـاعـدة شــذوذ ,ولكن يبقــى هذا الشــذوذ إنْ وجـد , فهـو مبتـور ومنـبـوذ ولا قيمــه لــه مجتمعيــا , وعـليــه فـمِـنْ غـيـر المعقـول أن تطفـو كـل هـذة الكـراهيـات والأحـقـاد والضغـائـن والعـداءات الـى السـطـح فـي ليلـة وضحـاهـا , ويصـبـح المسـيحـي والصـابئي والأيـزيـدي مستهـدفـا اجتمـاعيـا ودينيـا , ويـُخيـر مـا بيـن الجـزيــة او التهجيـر القسـري او حــد الســيف , ويـَغـدر ابـن الشـارع والمنطقـة والمدينــة بمَـنْ تقـاسـم معـه رغيـف خبـزه وشـاركـة افراحـه واحـزانــه ومعيتــه فـي المجتمـع عبـر كـل هــذا التـاريـخ , ويصـبـح نهـب بيتـه وامـوالـة وســبي نسـاءه مـبـاحـا شـرعـا وعـرفـا , وكـل هــذا يمـارس تحـت عبـاءة الاســلام ( والاسـلام المحمـدي بـراء ) وبسـيف شـريعتـــه ( وشـريعـة الله بـراء ) , فـالأمـر لــه ابعـاد خفيــه ابعــد مِـنْ مـوضـوعـة الديـن والـتديـن , اوالتجهيـل الفكـري الـذي يـرافـق مـوجـة التكفيـر التي تعـصـف وتكتسـح العـقـول فـي الشـــارع , حـيـث يـقـف البعـد الســـيـاسـي والطمـوحـات الانفصـاليــة عنـد البعـض فـي مقـدمــة هــذة الابعــاد , فمشـروع التفـكيـك التقسـيمـي لا يمكـن لحـسـابـاتـه أن تســتقيـم وتفـرض حـالهـا كـأمـر واقــع فـي ظـل وجـود تجـانس وتكـامـل مجتمعـي اثـني عـرقـي او تـعـددي ديـني وتنـوعـي مـذهـبــي , ونجـاح الاخـتـراق فـي شــق الصـف العـربي علـى اسـاس سنـي شـيعـي فـي اعـقـاب احـتـلال العـراق عـام 2003 , ودخـول المنطقــة مـرحلــة صـراع المحـاور قــد منـح اصحـاب النـزعـات الانفصـاليـة هـذه زخـمـا اضـافيــا , وهــيـأ امـامهـم الارضيــة الخصبــة لـغـرس بــذور الفـرقـة والاحقـاد والـدفـع نحــو تـأسيس كـانتونـات عـرقيـة ودينيـة ومـذهبيــه تعمـل علـى الغـاء الأنسجـة الاجتمـاعيـة , وتكـرس واقـع الانفـراد العـرقي والديني , عـن طـريق التهـديـد والقــتـل والتهجيـر للمكـونـات الاخـرى , ولعـل البـُـعـد الاخـر و الأخطـر على مســيحـيي العـراق وســوريـة ولبنـان وفلسطيـن يكمـن فـي الغـاء هـويتهـم الـوطنيــة , الـذي يصـب اولا وآخـرا فـي إطــار تـثـبيـت الهـويـة اليهـوديــة لـدويلــة اســرائيــل , خصـوصـا وأن الصهيونيـة العالميـة قــد نجـحت الـى حـد مـا في تعـويـم الهـويـتيـن العـربيـة والاسـلاميــة للمـسـلميـن , واغـرقتهـم فـي مسـتنقـعـات القطـريـة مـِن ْجـانب والمـذهبيـة مِـنْ جـانب آخـر .

مـشـروع الـتـآمـر والاسـتهـداف الـذي تتعـرض لــه البنـى المجتمعيـة فـي العــراق وسـوريـة ولبنـان وإن تنـوعـت صفحـاتــه ووسـائلــه , لكـن الهـدف يبقــى واحـــد , وصـاحـب الأجنـده والغـايــة المـُـبيتـــه واحــد, حـيث الصهيـونيـة العـالميـة وربيبتهـا اسـرائيـل تـديـران دفــة قيـادة الاحـداث وبـرمجتهـا وفـق مـايحـقق هـدفهمـا التدميـري لـدول المنطقـة المنـاهضـه لمشـروعهـم التوسعـي الاحـتلالـي , لكـن علينـا أنْ لا نـُـغـيب مـن حـسـابـاتنـا فـي العـراق تحـديـدا , الـدور القـذر الذي تطـلع بـه القيـادات البـرزانيـة الكـرديــة المتحـالفـة مـع قـوى الارهـاب التكفيـري وأذرعــها الداخليــة والـدول الـراعيــة والداعمـة لــهـا , ويجـب تعـريتهـا امام الـرأي العـام والتصـدي لطمـوحـات اصحـابهـا والتثقـيف بالضـد مـن تـوجهـاتهـا ومحـاولاتهـا لحـرف وتشـويــة الحـقـائـق , و استمـاتتهـا بفـرض وصـايـة الأمـر الـواقـع الشـاذ علـى الشـارع .

23 تـمــــوز 2014
[email protected]

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى