اسرار ما يجري في اليرموك…فهل آكل السم طابخه؟

ملخص اسرا ر ما يجري في اليرموك دفع الفلسطينيون مجددا ثمن الحسابات السياسية والعسكرية الخاسرة التي سار اليها بعض قادة حماس» عبر «اكناف بيت المقدس». فهل آكل السم طابخه؟

دمشق – وكالات : سطع في الإعلام خلال الأيام الماضية القليلة اسم “كتائب أكناف بيت المقدس على أرض الشام”، في أول ظهور إعلامي لهذه الجماعة التي تتمركز في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب العاصمة السورية دمشق، وتخوض معارك ضارية مع مجموعات من تنظيم الدولة “داعش” التي تحاول السيطرة على المخيم.

قبيل الأحداث الأخيرة ومحاولات داعش السيطرة على المخيم، لم يكن هناك من يسمع بكتائب أكناف بيت المقدس سوى من يهتم بشأن المخيمات الفلسطينية في سوريا ومن يقطن فيها من اللاجئين، ولكن مع بدء هجوم داعش بدأ اسم الكتائب يتردد في وسائل الإعلام وبدأ يسمع الفلسطينيون الكثير عنها.

تأسست كتائب أكناف بيت المقدس على أرض الشام، وهو أسمها الكامل الذي تُعرف به في سوريا، قبل فترة قصيرة من بدء الحصار المشدد على المخيم في أوائل مارس/ آذار 2013، حيث تعرض المخيم لموجات حصار متعدد بدأت في السادس والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول 2012، ثم مع مرور الأشهر بدأ يشتد مع إغلاق النظام السوري والقيادة العامة لكافة مداخل ومخارج المخيم في يوليو/ تموز 2013.

بيت المقدس

شاركت الكتائب في بداية الأحداث بسوريا مع المعارضة في مواجهة النظام السوري بمناطق جنوب دمشق، وبدأت بحماية المخيم من الهجمات التي كان يتعرض لها باستمرار بعد أن امتدت إليه الأحداث بدءا بقصف المخيمات وتجمعات للاجئين كانوا يفرون من مناطق قريبة إلى المخيم بهدف اللجوء والاحتماء فيه.

تقول مصادر ان الكتائب تشكلت من عناصر غالبيتها فلسطينية كانت تنتمي لفصائل مختلفة لكن أكثرهم كانوا من حركة حماس الذين دعموا “الثورة السورية”، إلا أن مصادر أخرى قالت ان تلك العناصر تركت فصائلها وعملت تحت قيادة جديدة بمسمى كتائب أكناف بيت المقدس بعد أن رفضت الفصائل تشكيل وحدات حماية تحت مسمى واحد في ظل النزاع السياسي لمواقف الفصائل المختلفة من الأحداث التي كانت تجري في البلاد.

وتضم الكتائب نحو 200 مقاتل، ويتم دعمهم من الجبهة الإسلامية المعارضة في سوريا، وأخذوا على عاتقهم حماية مخيم اليرموك، كما تقول مصادرنا التي أشارت إلى أنهم يتزودون بالسلاح والذخيرة من المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها الجبهة الإسلامية وجيش الإسلام وجبهة النصرة.

يتزعم “محمد زغموت” الشهير بـ “أبو أحمد المشير” الذي عمل مرافقا لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، قيادة الكتائب إلى جانب “نضال أبو العلا” الشهير بـ “أبو همام” والذي عمل مرافقا أيضا لنائب رئيس المكتب السياسي السابق موسى أبو مرزوق أثناء وجوده في سوريا، يضاف إليهما بهاء صقر الذي كان يعمل في مرافقة مشعل أيضا ثم انفصل عن كتائب بيت المقدس.

أصبح زغموت وأبو العلا مع بداية الأحداث في جنوب دمشق من أكثر المطلوبين للنظام السوري بعد اتهامات بحقهما بمحاولة جلب السلاح وتقديم خدمات لتدريب مقاتلين من المعارضة بالتنسيق مع طارق حمود صهر مشعل، وثم بدأت عملية ملاحقتهما داخل المخيم قبل أن يتم بدء الهجمات وفرض الحصار.

ونفت مصادر أن تكون رواية جلب السلاح بالتنسيق مع صهر مشعل دقيقة، مبينةً أنه كانت ملفقة وتهدف لخلق “جهة عدو” داخل المخيم لتبرير التدخل بعد موقف حماس السياسي من “الثورة السورية” ما صعد الأوضاع هناك على فترات حتى وصل المخيم إلى ظروف صعبة ولم يعد لأحد القدرة على السيطرة عليه سياسيا وأمنيا بعد أن نجحت مجموعات من المعارضة في السيطرة على مناطق مجاورة للمخيم والتمدد على حدوده الجنوبية.

وحول الأحداث الأخيرة، تشير المصادر إلى أنها تعود لمبايعة أمير جبهة النصرة “أبو جعفر” لتنظيم الدولة “داعش” وبعد عملية اغتيال القيادي في حماس يحيى حوراني في المخيم حاولت مجموعة من أكناف بيت المقدس اختطاف عناصر مشتبه بها بالوقوف خلف العملية ومعها بدأت اشتباكات محدودة في المناطق الجنوبية للمخيم، قبل أن تتدخل داعش بعد مبايعة مقاتلي النصرة لها، ومعها بدأت المعارك حتى سيطرت على غالبية المخيم على الرغم من المقاومة العنيفة للكتائب. في حين لم تقدم أي من جهات المعارضة الأخرى أي دعم للقتال ضد داعش.

ليس واضحاً ما إذا كان انقضاض التكفيريين على أنصار حركة «حماس» في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، سيدفع القيادة التي يمثلها خالد مشعل، الى القيام بمراجعة جادة لمسار موقف الحركة التي عصفت بها رياح «الربيع» الإقليمية، أو أغرتها، فشتتت رؤيتها كما ينتقدها كثيرون.

ومنذ رفع خالد مشعل علم «الثورة» السورية في مهرجان شعبي في غزة في كانون الاول 2012، بدا كأن «حماس» أعادت عقارب الساعة نحو عشرين سنة الى الوراء، لترتكب الخطأ ذاته الذي اتهم كثيرون ياسر عرفات بارتكابه عندما وقع الغزو العراقي للكويت.

ومثلما تضررت مصالح منظمة التحرير الفلسطينية وقتها، وحوصرت سياسياً وإعلامياً خصوصاً في دول الخليج، ولحقت اضرار جسيمة بأحوال العائلات الفلسطينية في العديد من الدول، تطلبت سنوات عديدة لترميمها، فإن موقف «حماس» ساهم، وبإصرار غريب، بالتسبب بالنكبة التي ألمّت بفلسطينيي اليرموك منذ اكثر من عامين، عندما لم تكتف بخروجها عن الخط السياسي الذي كانت تنتمي اليه طوال عشرين سنة في محاور المنطقة، وإنما ذهبت الى حد الانخراط في مواقف علانية في لحظة احتدام مشهد الدم السوري، ثم التورط، كما يتهمها كثيرون، في حمل السلاح مساندة للفصائل المسلحة التي تشكلت في وجه الدولة السورية.

قبل اقل من اسبوع، اقتحم مسلحو تنظيم «داعش» مخيم اليرموك، جار دمشق. وعلى الرغم من انه يقع على بعد ثمانية كيلومترات عنها، الا انه تحول على مرّ سنوات منذ ما بعد النكبة الفلسطينية، الى امتداد ديموغرافي وطبيعي للعاصمة السورية، وسكنه السوريون ايضا، واندمج فلسطينيوه في نسيج الحياة السورية بكل تفاصيلها.

وكان اول ما فعله «داعش» بعد اقتحام المخيم بالتواطؤ مع مجموعات مسلحة تابعة لـ«جبهة النصرة»، الانقضاض على جماعة «اكناف بيت المقدس»، الفصيل الفلسطيني الذي يعتبر ذراعاً لحركة «حماس» والذي كان أسّسه مقربون من خالد مشعل نفسه، بعد وقوع ابغض الحلال بينه وبين النظام في دمشق قبل اكثر من عامين.

«اكناف بيت المقدس» نشأ من صفوف حماس ذاتها، واستقطب المئات من شبان المخيم ومن فصائل فلسطينية اخرى، وساهم وقتها بالتحالف مع تنظيمات اسلامية مسلحة من البيئة السورية، في ضرب غيره من القوى الفلسطينية داخل اليرموك، ما اشعل حربا تسببت في تهجير عشرات الاف المدنيين منه.

بالامس، عُلقت رؤوس مسلحين من «اكناف بيت المقدس» ذبحهم مسلحو «داعش» بعد اختراق المخيم. آخرون من هذا الفصيل «الحمساوي» التحقوا بالغزاة الجدد، وآخرون سلّموا انفسهم الى قوات الجيش السوري، خارج المخيم، المرشح ليتحول الى النقطة الاكثر خطورة، على ابواب العاصمة السورية، ويخلق موجة تهجير جديدة لمن تبقّى من الفلسطينيين، المتراجع عددهم الان فيه الى اقل من 20 الف نسمة، بعدما كانوا نحو 150 الف شخص.

وقد تم التعرف أمس على هوية شخصين كان تنظيم الدولة “داعش” قد نشر صورتهما بعد قطع رؤوسهما في مخيم اليرموك وتبين أنهما خالد أبو عدي وهو قائد كتيبة أحرار جيش التحرير المنشقة عن جيش التحرير الفلسطيني، وعامر الرشيد من مقاتلي أكناف بيت المقدس.

فهل ستتعظ «حماس»؟ هل من سبيل لاحتواء الضرر؟ هل تقوم قيادة مشعل، ولو متأخرة، باصلاح ما كان يمكن تلافي خرابه قبل نحو ثلاثة اعوام؟

حتى الان، لا يبدو ذلك متاحا. مرّ نحو اسبوع على الغزو «الداعشي»، و «أكناف بيت المقدس» لم تسلم من خيانة «النصرة» لها، ولا تبدو قادرة على حماية من ادعت سابقا انها ستحميهم من ابناء المخيم. حتى ان مصير محمد زغموت «ابو احمد المشير» (المرافق السابق لخالد مشعل) ونضال ابو العلا «ابو همام» (المرافق السابق لموسى ابو مرزوق)، مازال مجهولا.

لكن الاكثر اثارة للانتباه، ان بيانا قويا لم يصدر عن «حماس» بينما صار «داعش» يسيطر على 80 في المئة من اليرموك. واكتفى اسماعيل هنية ببيان قبل ثلاثة ايام يدعو فيه الى «حقن الدماء وتحييد المخيم».

وتذكر مصادر مطلعة للسفير بأن قيادات الحركة رفضت مع بداية الاحداث السورية واقتراب النيران من المخيم الفلسطيني الاكبر في البلاد، تحييد المخيم عن الصراعات السورية، ورفضت الاستجابة لتدخلات كثيرة ناشدتها «النأي بالنفس» عن المواجهات المسلحة التي كانت آخذة بالتصاعد والانتشار.

وتقول المصادر إنه في ظل هذا الرفض «الحمساوي» لمناشدات «رفاق السلاح والتدريب والدعم» التاريخيين، تحول «غالبية مقاتلي الحركة الذين تلقوا تدريبات في سوريا ولبنان على مرّ السنوات، الى قوة رئيسية الى جانب الجماعات المسلحة في منطقتي اليرموك والسيدة زينب»، قبل ان يتوجهوا لمقاتلة مسلحي «الجبهة الشعبية – القيادة العامة» وغيرها، داخل المخيم نفسه، لينشأ بذلك «اكناف بيت المقدس»، على انقاض المخيم ودماء اهله.

وتشير المعلومات الى محاولات عدة بذلت من جانب القيادة السورية و «حزب الله» وايران والسلطة الفلسطينية وغيرها، قوبلت بالرفض من جانب التنظيم الجديد الذي فرض سطوته على اليرموك،بعدما كان سخّر كل خبراته التدريبية في تصنيع الصواريخ والعبوات والسيارات المفخخة لصالح الجماعات السورية المسلحة في اكثر من منطقة سورية ملتهبة، بما في ذلك اساليب حفر الانفاق كما جرى في مناطق الغوطتين الشرقية والغربية وطريق المطار في شبعا، بالاضافة الى بلدة السبينة.

ولم تكشف معارك تحرير مناطق مثل السيدة زينب وعقربا والدبابية والحسينية وغيرها سوى عن انخراط كبير لـ «اكناف بيت المقدس» في الاشتباكات مع الجيش السوري، سواء في الشعارات والاعلام التي كان يتم العثور عليها، او، وهو الاكثر خطورة، في مصانع العبوات الناسفة والصواريخ المحلية الصنع، التي تحمل اسم التنظيم.

وعلى الرغم من ان الجيش السوري نجح منذ عامين في تطويق المخيم الا انه لم يدخله، ولم تتوقف الجهود لتحييد اليرموك وانجاز مصالحات تتيح استعادة الوضع السابق، بينما يقول المصدر المطلع ان تنظيم «الاكناف» الذي يعد حوالي 300 داخل المخيم (كان يبلغ تعداده اكثر من الف مقاتل في مرحلة سابقة وكثيرون يتواجدون في جبهات اخرى كما في القلمون والغوطة)، ظل يراوغ لمنع تحقيق تسوية مستقرة في المخيم، وفي البلدات المجاورة التي جرت فيها مصالحات مع النظام، كما في بيت سحم وببيلا ويلدا، وزاد على ذلك باحتضان عناصر «النصرة» الذين انسحبوا من تلك البلدات الى داخل اليرموك نفسه.

وكما بات معلوما الان، فان مسلحي «النصرة» هؤلاء، وهم من الفلسطينيين والسوريين والاجانب، قاموا بمبايعة «داعش» المحاصر في بلدة الحجر الاسود، التي تجاور المخيم، ومن هناك دخل نحو 400 مسلح من مقاتلي عصابات «الدولة الاسلامية» ليلا الى داخل اليرموك، وانضم اليهم نحو 200 من «النصرة»، بينما استخدم «داعش» كما جرت العادة، اسلوب ضخ الكثير من الاموال لكسب التأييد والمبايعة.

وهكذا اصبح المخيم بين ليلة وضحاها، مسرحا مرشحا لصراعات عدة. فـ «جيش الاسلام» دخل المعركة ضد «داعش» على خلفية ثأرية مما جرى معه في الغوطة الشرقية حيث يحاول «داعش» التمدد على حسابه. اما تنظيم «احفاد الرسول» وغيره فقد دخلوا المعركة للحفاظ على المصالحات التي جرت ومنع تمدد «داعش» الى ببيلا وبيت سحم والذي من شأنه ان يقضي على وجود هذه الفصائل والبيئة التي كانت حاضنة لهم هناك.

وهكذا، دفع الفلسطينيون، مجددا ثمن الحسابات السياسية والعسكرية الخاسرة التي سار اليها بعض قادة «حماس» عبر «اكناف بيت المقدس». بالامس، جرت اعدامات ضد مسلحين فلسطينيين ومدنيين داخل المخيم. اما العلم الفلسطيني، فقد جرى انزاله عن اسطح المنازل، والدوس عليه بالاقدام من قبل «الدولة الاسلامية» التي تريد تحرير روما اولا، بينما يرفع مشعل علم «الثورة السورية»… في غزة!

وفي موازاة ذلك، دخل امس مسلّحون من «جيش الإسلام» وهو تنظيم سوري يقوده زهران علوش، على خط المواجهة إلى جانب «أكناف بيت المقدس»، قادمين من جهة الأحياء الملاصقة لليرموك في جنوبي العاصمة، في أطراف يلدا وببيلا وبيت سحم، وشاركوا في إحدى معارك أدت أيضاً إلى مقتل أعداد كبيرة من مسلّحي الطرفين، ففيما قال مصدر مقرب من «أكناف بيت المقدس» إن عدد القتلى والجرحى من الطرف المقابل بلغ 70 مسلّحاً، أعدم مسلّحو «داعش» عدداً من أسرى «الأكناف» لديها، كرد فعل على الهجمات المعاكسة للأخيرة وحلفائها، فيما ذكرت مصادر إعلامية أن 60 شخصاً من «الأكناف» سلموا أنفسهم إلى الجيش السوري، على دفعات خلال اليومين الماضيين.

يقول مصدر محلي فلسطيني لـ«الأخبار» إن «عدد الفلسطينيين والسوريين الذين أعدمهم داعش يوم أمس نحو عشرين شخصاً، ليبلغ العدد الإجمالي خلال الأيام الثلاثة الماضية 37 مدنياً، كلهم أعدموا بطريقة قطع الرؤوس».

وفي أول ظهور إعلامي لمسؤول في “كتائب أكناف بيت المقدس”، منذ اندلاع المعارك في اليرموك، كشف قائد كتائب الأكناف “أبو أحمد المشير”، لـ”زمان الوصل” عن أحد أسباب سيطرة التنظيم على المخيم والذي تمثل بعنصر المباغتة، التي تعرضت له “الأكناف” بعد زحف المئات من مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” من قرية الحجر الأسود نحو المخيم بتواطؤ من “جبهة النصرة” حسب قوله.

واتهم “المشير” الأخيرة بالتماهي والتحالف مع التنظيم، مضيفا: “لقد غدرت بنا النصرة، ولم يكن بمقدور الأكناف صد هجوم من هذا النوع”.

وكان قائد كتائب الأكناف “أبو أحمد مشير” أصيب بطلق ناري أثناء تصديه لتنظيم “الدولة”، ما اضطره للخروج إلى نقطة طبية في دمشق تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية بهدف العلاج، معللا ذلك بعدم تمكنهم من نقل جرحاهم إلى بلدة يلدا للعلاج، بسبب الطوق الذي يفرضه تنظيم “الدولة” على مواقعهم، وإقدام التنظيم على تصفية جرحاهم.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى