اتفاق منبج أنقذ دي ميستورا

ناصر قنديل | كانت كل مؤشرات جنيف ومحادثاتها تتجه نحو بلوغ الاستعصاء برفض جماعة الرياض بدعم تركي سعودي لإدراج السلة الرابعة المخصصة لمناقشة الحرب على الإرهاب، بالتوازي مع السلال الثلاث المخصصة لصيغة الحكم والدستور والانتخابات، التي لم تلبِّ في أيّ من بنودها تطلّع وفد الرياض لفتح باب البحث بمسمّى هيئة الحكم الانتقالي ومستقبل الرئاسة السورية.

وكان حساب وفد الرياض ومن ورائه تركيا والسعودية، ربط الفشل بغياب الحضور الأميركي وبما يسمّونه التصعيد الإيراني والعجز الروسي، وفقاً لمعادلة الخطاب التركي السعودي المشترك ما بعد فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورضوخه لروزنامة المؤسسة الأميركية بتجميد خطوات التعاون مع روسيا لوقت آخر، وتموضع تركيا على هذا الأساس عند موقف مشترك مع السعودية يجمّد مساعي التسويات ويصعّد بوجه إيران، تمهيداً لتبلور الخطوة الأميركية اللاحقة، وهذا ما ترتّب عليه تراجع اندفاعة أستانة التي كانت تتقدّم.

في لحظة درامية غير متوقعة وجد الأتراك أنفسهم أمام الحاجة للاحتماء بمعادلات استانة بدلاً من تجميدها أو الإطاحة بها، وذلك لتفادي مواجهة مع الجيش السوري ومن ورائه روسيا، والقبول باعتبار الانتشار الذي سينفذه الجيش السوري شمال سورية في مناطق الأكراد وقراهم لعزلها عن الأتراك وجماعاتهم جزءاً من التفاهم الضروري مع موسكو ورعايتها لأستانة ومندرجاته، علماً أنهم ذهبوا إلى الباب بالأصل، لأنه باب يوصلهم لعنق المناطق الكردية ولم يكن قتال داعش بكل آلامه إلا ضريبة يدفعونها لبلوغ هذا الهدف، لكنهم أمام الخيارات الصعبة والحاجة للحفاظ على قواعد التعاون مع روسيا تقبّلوا الأمر بكل ما فيه من مرارة وشعور بالخسارة بعد أكلاف عالية في معركة الباب.

بدلاً من الإطاحة بأستانة صار تسويق تفاهم منبج يستدعي تسويق أستانة، والحفاظ عليه كإطار قابل للحياة، وعنوانه مكافحة الإرهاب. وصار هذا العنوان سلّم النجاة للأتراك من إحراجات الهزيمة، فتغيّرت التعليمات إلى جنيف، وصارت بدلاً من الرفض، القبول بالسلة الرابعة وبند مكافحة الإرهاب، حتى بعدما توضح بالتفصيل أن لا مكان فيه لحشو أسماء فصائل لم يذكرها القرار 2254، كما حاول وفد الرياض بداية بالحديث عن حزب الله، فالإرهاب الذي ستناقش مكافحته محصور بالنصرة وداعش ومَن يقاتل معهما، وليس ثمة أولوية لورقة توت تتغطّى بها جماعة الرياض، كالتفسيرات الماورائية التي تحاول منحها للبند السياسي وتصويره قبولاً بدعوتها للانتقال السياسي وهيئة حكم انتقالي.

حركة الجيش السوري نحو تدمر بنجاح، وتوقيت ناجح، وتقدّمه شمال شرق حلب، وثباته في دير الزور، أنشأ مثلث قوة يحاصر الرقة، ويتيح تشكيل ثنائية مع الجماعات الكردية، تغيّر الموازين الاستراتيجية في شرق سورية، وبالاستناد للاستعصاء التركي الكردي وعجز الأميركيين عن حلّه، رغم مساعي مدير المخابرات الأميركية في أنقرة، مشهد للجغرافيا العسكرية جعل تفاهم منبج بين الجيش السوري والأكراد تحوّلاً نوعيّاً يفرض نفسه بقوة على الجميع، ونقل أستانة ومكافحة الإرهاب كعنوان إلى مرتبة لا يسهل التملّص منها، حتى صار المطلوب أن يحمل الهزيمة أحد فريقين، تركيا أو جماعة التفاوض «الرياضية» في جنيف، فرُمي حمل الهزيمة على الأضعف، وتراجع وفد الرياض بأوامر الباب العالي، تسهيلاً لتفاهم منبج، مع تذكير تركي بسيط للمفاوضين، لا تنسَوا مَن الذي يشتغل عند الآخر!

جاءت المعونة لدي ميستورا من الجيش السوري هذه المرّة.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى