إيران تخوض حربًا وجوديّة بوجه المحور الإسرائيليّ-التكفيريّ

تتحكّم بالمنطقة مجموعة اعتبارات رئيسيّة وجوهريّة، تتصادم تحت عنوان واحد الحرب على الإرهاب، والذي في بعض هوامشه يحاول بعض اللاعبين الإقليميين استخدامه كورقة ضغط، فيما هو في حقيقته تخطّى حجمه الطبيعيّ المرسوم له ليبيد الحضارات التي تأسس عليها المشرق العربيّ، وهو خلاصة أشور وبابل والسريان وما إليهم من آثار رسمت على الصخر.

وفي معرض هذا الكلام، يذكر صديق للبطريرك الراحل إغناطيوس الرابع حديثًا شخصيًّا قاله له ذات مرّة في دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركيّ في وادي النصارى، بأنّ الصخر ينطق بهويتنا، والإنسان يكتسب هويته من الوجود.

تنظيم “داعش” الإرهابيّ الذي سيطر على منابع النفط بين العراق وسوريا، لا يشن حربًا على المكونات ويفرض شريعته هو برؤية عابرة، إنما يستلذّ بذبح الحضارة المشرقيّة التي منها انطلقت تلك المكونات وسطعت، أي يشنّ حربًا على أصل وجودها الزمنيّ والثقافيّ والحضاريّ، ليلغي بهذا معنى تكوينها الإلهيّ.

من هنا، لم يعد الإرهاب التكفيريّ مجرّد ورقة أو حالة تمرّدت، بل هو أخطر تنظيم وُلِد من الرحم الإسرائيليّ ليبيد الجذور حماية لموجوديّتها في الدرجة الأولى وتأمينًا لتوغّلها في مراحل مقبلة بهذه السياقات من النيل إلى الفرات.

سيشتدّ استهلاك إسرائيل لتلك الأوراق في ظلّ الصراع مع إيران، ولكنّ الأولى تدرك أن رهانها في ذلك الاصطفاف الذي زجّت ذاتها به، تجوّف كثيرًا، بعد امتلاك إيران مواقع القوّة على الأرض من لبنان إلى أفغانستان، مرورًا بسوريا والعراق واليمن والبحرين وفلسطين أيضًا.

ذلك أنّ إسرائيل وبخاصّة رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو في القراءة الاستراتيجيّة للامتداد الإيرانيّ بل للإطلالة الإيرانية الجديدة، تأبى ذلك الامتداد بالسياق العقائديّ الخاصّ جدًّا والضيّق، وهي مدركة أنّ الدور الإيرانيّ يتجاوز الحدود المذهبيّة بطلاقة واضحة وآفاق واضحة، رانيًا لترسيخ موجوديّته في معظم المكوّنات المشرقيّة في شراكة كاملة، والانطلاق من شرعيّة الشراكة المنفتحة والقارئة إلى المساحة الدوليّة، وبتصوّر قارئ استراتيجيّ موغل فقد أثبت قوّة تلك الشراكة على الأقل في سوريا والعراق ولبنان واليمن، على الأقل في الأوراق التي يتم التفاوض أو التجاذب حولها سواءً كانوا على الطاولة أو في الميدان.

ترسيخ الموجوديّة حتمًا يحتاج لتأمين حدود جيو-سياسيّة واضحة، ما بين العراق واليمن في بعد استراتيجيّ. ففي العراق تدور معارك شرسة بوجه تنظيم “داعش” يقودها قائد “فيلق القدس” قاسم السليماني مباشرة على الأرض، والعراق كما الموصل طريق رابط ما بين الخليج العربيّ والمشرق العربيّ في الحدود السياسيّة والتجاريّة-النفطيّة والأمنيّة.

وتخوض معركة بواسطة الحوثيين في اليمن ببعد جامع واضح يقطع الطريق من هناك على أيّ تمدّد إرهابيّ قريب على حدودها. وبوضوح أكثر إنّ إيران تملك عناصر القوّة على الأرض ما يؤهّلها لاستظهار مشيئتها كلاعبة لها خصوصيّتها الخصبة على الأرض مقابل إسرائيل التي بدأت تفقد تلك الخصوبة على المستوى الدوليّ.

وببعض الوقائع التي نمي بها، دعت الحكومة الإسرائيليّة برئاسة نتانياهو البواخر التجاريّة بعدم المرور من باب المندب، مهدّدة بضرب المفاعل النوويّة، لكون ضرب تلك المفاعل سيهدّد بإقفال باب المندب. وباب المندب ليس مجرّد حديقة خلفيّة للسعوديّة، بل يمتاز بموقع استراتيجيّ كبير يصل بحر العرب بالبحر الأحمر وينتهي عند قناة السويس أيّ عند البحر الأبيض المتوسّط.

ماذا تعني دعوة إسرائيل في سياقها وحقيقتها إذا صحّت؟ فهي تحاول فتح حرب شاملة بهذه الدعوة-التهديد، محاولة منها لخلط الأوراق وقلب الطاولة، كما تحاول التماهي مع السعوديين بالتشديد على الخطورة التي تمثّلها إيران بعد سيطرتها الكاملة والمباشرة على مضيق هرمز في الأساس وتخشى، تاليًا، من تمدّد الحوثيين من اليمن الشماليّ باتجاه اليمن الجنوبيّ والسيطرة على مضيق باب المندب فتتحكّم إيران بمنابع ومصافي النفط والغاز.

بعض المعلومات كشفت أنّ الإسرائيليين لم يلوّحوا بهذه الورقة بوجه الإيرانيين حصرًا بل بوجه الأميركيين بصورة مباشرة في خضمّ تصاعد الخلاف بين الإدارة الأميركيّة وبنيامين نتانياهو، كما حصل في عمليّة القنيطرة إذا جازت المقاربة، فما كان من الإدارة الأميركيّة سوى التحذير من مغبّة هذا الجنون وعواقبه الوخيمة على الأمن العالميّ بأسره، إنطلاقًا من المنطقة، فيما الأميركيون موغلون بالتفاوض مع الإيرانيين.

بمعنى واضح فإن الإسرائيليين بهذه الرؤية جوّفوا من المعاني بالعمق الاستراتيجي في واقعيّة المواجهة وحقيقتها، جوّفوا بالمعنى الأميركيّ، وإن ظهر حرص على أمن إسرائيل، لكنّ الرؤية الأميركيّة لم تعد محصورة بتلك الاحاديّة الإسرائيليّة المطلقة، التي استهلكت عناوين المنطقة والعنوان الأساسيّ قيام دولتين بحسب الطرح الأميركيّ منذ المفاوضات الأخيرة في أوسلو ومدريد وواشنطن ووادي عربة… الحراك الإسرائيليّ بتبنّي الأوراق التكفيريّة، وتعزيزها على محور القنيطرة الجولان ودرعا، وبرفضه الاتفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، رافض لقيام دولة فلسطينيّة مجاورة له، ومتّجه إلى إعلان يهوديّة القدس، فتكون بذلك حسب قول نتانياهو عاصمة إسرائيل إلى الأبد.

البون شاسع بهذا المعنى بين إيران وإسرائيل، إيران لها خصوصيّتها الواضحة في هذا المدى، المتّسمة بالحفاظ على التوازن الدقيق، لأنّها أيقنت أنّ منطقة سايكس-بيكو على الرغم من الخضّات الكبيرة التي عانت منها حافظت على توازنها، بمعنى أنّ الحروب التي حصلت فيها وبخاصّة الحرب العربية-الإسرائيليّة منذ نشوء قضيّة فلسطين المستوية في الأدبيات الإيرانيّة بعمق كبير وصولاً إلى الحرب اللبنانيّة، لم تمسّ على الإطلاق الهيكل العظميّ والعمود الفقريّ لهذه البقعة، وهو المكوّن الطائفيّ لهذه المنطقة بهذه الشراسة المطلقة والتي تهددّها كيانيًّا ووجوديًّا. منطقة سايكس-بيكو تنهار بالمطلق بانهيار الجوهر المكوّن لها بتلك المكونات. والانهيار الواضح أمامنا يتمّ من دون بدائل تذكر، كما لحظنا في حقبة الانتقال من العصر العثمانيّ إلى الانتداب الفرنسيّ-الإنكليزيّ، من ثمّ إلى مرحلة استقلال المنطقة واختلاطه بتحوّل واضح في الأنظمة العربيّة من دون المساس بالهيكل التكوينيّ بصورة وجوديّة.

يتضّح في واقعيّة المشهد وفي التوصيف الواضح أمامنا، أنّ المواجهة التي تخوضها إيران مع المحور الإسرائيليّ-التكفيريّ، وجوديّة بامتياز، لا لبس فيها على الإطلاق، في ظلّ التدمير الشامل للحضارة المشرقيّة من سومرية وبابلية بكل ما للكلمة من معنى في بلاد الرافدين، في ظل نحر دمويّ عنيف ووحشيّ للمسيحيين والمسلمين، ليست المواجهة محصورة بالإطار السياسيّ والأمنيّ، بل لوجود عبثيّ بأخذ هذا المدى إلى ثقافة الموت.

في النهاية، إنّ انعكاس ذلك على لبنان واضح. المهمّ في هذا السياق أن يتحرر الفرقاء اللبنانيون من الحروف السياسيّة المغلقة الممتصّة للمصالح الضيقة والمستلذّة لها بترحاب كبير. ليس الأوان أوان مصالح عابرة، وهجوم على محور يدرك معظم الفرقاء أنّه ثابت في المعادلة الإقليمية والدوليّة، وله مشيئته الممدودة إلى آفاق بعيدة متداخلة في جيوبوليتيك المنطقة، بل اللحظة مفتوحة لكي يدركوا أنّ اللقاء مع هذا المحور له خياراته الاستراتيجية المنجيّة من الموت الداعشيّ العبثيّ في ظل مشهد الحرب على الإرهاب. والهمّ الداخليّ أن نعود إلى التوازن لأنه مصدر للحلول في الملفات العالقة.

جورج عبيد – النشرة

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى