إنتصار الزبداني وتداعياته الإقليمية والدولية: حزب الله يُرعب تل أبيب وورقةٌ استراتيجية جديدة لمحور المقاومة

الوقتلأن النتائج بحجم التضحيات، فإن إنتصار حزب الله الى جانب الجيش السوري في معركة الزبداني، سيكون له الكثير من التداعيات الإقليمية والدولية. فالمعركة المُعقدة من الناحية العسكرية، كانت أكبر من ميدانٍ عسكريٍ وحسب، لتتعدى ذلك الى حربٍ ستطال بنتائجها العسكرية، الأصعدة السياسية والأمنية. فكيف يمكن تحليل إنجاز حزب الله النوعي؟ وكيف ستنعكس نتيجة المعركة من الناحية السياسية إقليمياً ودولياً؟ ولماذا أرعب حزب الله الكيان الإسرائيلي؟

من ناحية التوقيت والنتائج، تُعتبر معركة الزبداني عنواناً لمرحلة جديدة في الحرب على سوريا منذ أن أصبح خيار الحسم العسكري الخيار الوحيد لتحرير هذه المنطقة، والتي تتمتع بأهمية استراتيجية. وهو الأمر الذي بدأ حزب الله به منذ فترة، بالتعاون مع الجيش السوري. وبعد تحقيق الإنتصار في معركة الزبداني لا بد من الوقوف عند النتائج على الصعد كافة وهنا نُشير للتالي:

من الناحية العسكرية الميدانية:
إن منطقة الزبداني تتمتع بموقعٍ إستراتيجي يجعلها تشكل أهمية عسكرية إستراتيجية ضمن خريطة العمليات السورية، باعتبارها مفتاحاً ميدانياً لسلسلة مناطق تمتد على طول الجغرافيا السورية، وبالتحديد العاصمة دمشق وريفها الشمالي والغربي وصولاً الى مناطق الجنوب السوري ومحافظة القنيطرة. كما أنها ومن الناحية الميدانية، تعتبر نقطة وصل تبدأ من الوسط السوري أي حمص وتمتد على طول شريط مناطق القلمون، وصولاً إلى الحدود اللبنانية غرباً. وتُشكل نقطة الربط بين المناطق الجغرافية السورية المتعلقة بالجولان وسلسلة جبال وتلال الحرمون ومناطق الحدود اللبنانية السورية من جهة القلمون الشمالي الغربي. وهنا نُشير الى أن المخطط من إحتلال الإرهاب التكفيري للزبداني كان يهدف لفصل الجغرافيا السورية عن اللبنانية، وهو ما يعني عسكرياً إقامة واقعٍ ميداني يحتضن الإرهاب ويساهم في تعزيز نقاط القوة لدى الكيان الإسرائيلي من جهة، والأطراف الداعمة للإرهابيين من دولٍ غربية وخليجية سعت الى تحقيق إنتصارٍ ميدانيٍ وعسكري على حزب الله اللبناني والجيش السوري من جهة أخرى.

من الناحية السياسية:
يعتبر تحقيق الإنتصار في الزبداني وتحريرها ورقةً جديدةً لمحور المقاومة، الأمر الذي سيُعزز نقاط القوة التي يملكها المحور وبالتحديد بوجه القوى الإقليمية والدولية التي ساهمت في تقوية الإرهاب ودعمه، لكسر محور المقاومة الذي يمتد من إيران وصولاً الى سوريا فالمقاومة الفلسطينية وحزب الله. وهنا نقول التالي:

– حاولت السعودية والدول الخليجية الأخرى الداعمة للإرهاب، تحقيق إنتصارٍ في الزبداني بعد سلسلة الهزائم التي مرَّت بها في القصير والقلمون ومناطق الجنوب السوري. فالزبداني كانت تعتبر آخر معاقل الإرهاب التكفيري في منطقة القلمون تحديداً والتي سعت الدول الخليجية الى تعزيز فرص إنتصار الإرهابيين فيها، وتحقيق إنتصارٍ على حزب الله والجيش السوري. وبعيداً عن الميدان السوري فإن غرق هذه الأطراف بالحرب على اليمن، دفعها لمحاولة تحصيلها نقاط قوةٍ في الميدان السوري وهو ما انتهى بمجرد تحقيق حزب الله إنتصاره في المعركة.

– بالنسبة لأمريكا، فهي على الرغم من أنها أبدت إمتعاضها من تفرُّد بعض الأطراف مرحلياً في التعاطي مع الأزمة السورية، وتحديداً تركيا وقطر والسعودية، إلا أنها كانت تسعى لدعم تحقيق إنتصار الإرهابيين في معركة الزبداني. فواشنطن التي قامت مؤخراً بمراجعة جدية لموقفها من الحرب على سوريا، وخصوصاً بعد فشل المجموعات المسلحة بكامل إنتماءاتها من الجنوب السوري إلى الشمال في تحقيق أهدافها، بقيت تراقب عن كثب تطورات الأحداث في الميدان السوري لا سيما معركة الزبداني، دون أن تحسم موقفها بشكل واضح من هذه التطورات. لكن اليوم وبعد تحقيق الإنتصار، بدأ الحديث في أروقة مجالس التخطيط الإستراتيجي الأمريكية، عن فشل الرؤية الأمريكية بخصوص الموقف من الحرب على سوريا، بعد الفشل في تحقيق أي انجازٍ فعلي ميداني. وهو ما ينطبق أيضاً على الغرب الذي ضجت وسائل إعلامه مؤخراً بتقارير تتحدث عن أن تحرير الزبداني من الإرهاب التكفيري سيؤدي الى إحداث تغيير جذري في الخارطة الميدانية من الناحية العسكرية لأطراف الصراع بإعتبارها آخر معقلٍ لما يُسمى بالقوات المعارضة للنظام في منطقة القلمون.

– أما الكيان الإسرائيلي فيمكن القول إنه أكثر المتضررين من إنتصار حزب الله في معركة الزبداني. وذلك لإرتباطه بالميدان من الناحية الجيوسياسية. وهو ما دفع قادة الكيان لإعلانهم مراراً عن استعدادهم للتدخل في أي وقت بمجريات المعركة لدعم التكفيريين الذين راهنت عليهم تل أبيب على أمل أن يُشكلوا حزاماً أمنياً (جدار طيب) يعزل الجولان العربي السوري المحتل عن عمقه الجغرافي السوري. لكن وبعد تحرير الزبداني وإنتصار حزب الله، تخاف القيادة الإسرائيلية اليوم من كابوسٍ جديد يتعلق بالقدرة العسكرية لحزب الله على القيام بأي عملية نوعية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وهو ما يشكل خطراً على السياسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. فقد نجح حزب الله في نقل المعركة الى أرض العدو، وهو ما يعتبر البند الأول في العقيدة العسكرية الاسرائيلية، والذي لم يعد حكراً على تل أبيب بعد أن أصبح من بنود العقيدة العسكرية لحزب الله، منذ أن قرر الإنتقال من سياسة الدفاع العسكرية الى سياسة الهجوم وإقامة مناطق ردعٍ وحماية.

وهو ما يُجبر الجيش الإسرائيلي بحسب المحللين العسكريين على إعداد العدة عسكرياً لمواجهة هذا التطور العسكري الخطير الذي لم يحصل منذ عام ١٩٤٨. مما دفع قيادة الکيان الإسرائيلي بحسب ما أعلنته صحيفة معاريف، الى إقرار خططٍ علنية لإخلاء المستوطنات الشمالية، إستباقاً لأي توغلٍ بري مُحتمل قد يقوم به حزب الله من الأراضي اللبنانية. والتي أشارت الى أن “التهديدات تغيّرت بشكل جوهري، فقد بات لدينا عدوّ من نوع آخر، وهذا يلزم الجيش الاسرائيلي بتأهيل مختلف للجنود على المستوى المهني والذهني”.

حقق الجيش السوري وحزب الله إنتصاراً كبيراً في معركة الزبداني قد لا تظهر آثاره اليوم لكنها واضحة وستُبينها الأيام المقبلة. فيما أصبح بيد محور المقاومة ورقة قوةٍ جديدة. وأدخل حزب الله تل أبيب من جديد، ضمن صراع الوجود المقلق.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى