” إعادة بناء الإنسان “

الإنسان ابن بيئته، يتأثر بها ويؤثر فيها، سواء كان متماهياً معها أو رافضاً لها، فكل الحوادث والأحداث، كل الأزمات والتحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ستترك بصماتها عليه ويترك بصماته عليها.

فعندما تسكت أصوات المدافع وتنفض الحرب غبارها، وينقشع الضباب عن المجتمع، تظهر الآثار والمخلفات النفسية والاجتماعية في عقل وتفكير ومستقبل الجيل الذي عايش الحرب، فعاثت به أزمات وإحباط ، فتتحول المعركة إلى فكرية وثقافية ومجتمعية ونفسية، معركة بلا سلاح ثقيل ومدافع ودبابات وبنادق، قبل وضع الخطط والاستراتيجيات لإعادة إعمار المباني والبنى التحتية، لابدّ من تقديم الدراسات والحلول لإعادة بناء الإنسان الذي تهدم من الداخل وعطبت نفسيته وأخلاقه وقيمه، وأي بناء نقوم به يحتم علينا أولاً إحداث تغييرات في بنية المجتمع الجوهرية، الشباب العربي يعاني حالة من الاغتراب ضمن مجتمعاتهم، بسبب العجز عن تحقيق طموحاته وأحلامه، نتيجة الأوضاع المتردية المحيطة به، والبيئة الاستفزازية التي يعيش فيها، والتي تعشش فيها كل مظاهر الحياة القاسية، وعدم الاستقرار والأمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فتؤدي بالإنسان إما إلى الانعزال والتقوقع، أو إلى التمرد ومخالفة القوانين والانسياق إلى التطرف والتناحر الطائفي وبالتالي تمزق النسيج الاجتماعي، أو تراه واقفاً على أبواب السفارات بانتظار “فيزا” تفتح له طريق الهجرة، فتفرغ البلاد من شبابها، الأمر الذي يبطئ حركة الإعمار ويزيد من تكلفتها.

ينجذب الإنسان إلى حيث توجد السعادة والاطمئنان ويبدي تجاوباَ معها، وهنا تكمن إحدى علاجات البيئة الحياتية للفرد، فالسلام والأمان يخلق جواً مناسباً للعمل والعطاء والإنجاز ما ينعكس على إعادة الإعمار المادية وبناء ما تهدم والنهوض بالاقتصاد، كما تلعب عدالة القوانين وتطبيقها درواً في تأمين فرص للعيش والاندماج في المجتمع الناهض من انفلات أمني وعسكري واجتماعي.

إننا أمام واحدة من أخطر الأزمات التي يمكن أن يعانيها مجتمع ما، ولكي نخلق إنساناً سوياً سليما ومعافى، يجب أن تقوم إعادة بناء الإنسان على الإيمان بحقه في الحرية والكرامة، والتعبير عن آراءه، وتحقيق العدالة والمساواة، وأي بناء يقوم على التهميش وسلب الحرية وتغييب العقل، هو بناء هش لن يؤدي إلا إلى تدمير الإنسان.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى