إسرائيل «الخائفة» تتحرش؟!

الغارة الإسرائيلية على البقاع، التعزيزات العسكرية المتزايدة جنوباً، الإطلالة «الإعلامية» لنتنياهو من على أسِرة جرحى المسلحين السوريين، القصف والاستهداف المباشر على الحدود مع الجولان المحتل، السماح لمجموعة بشن هجوم من المنطقة المحتلة باتجاه الأراضي السورية، وصولاً إلى «فيلم» شحنة الصواريخ المُبحرة باتجاه غزة المتزامن مع وجود نتنياهو في واشنطن، سلسلة أحداث لا يمكن فصلها عن بعضها، بل يمكن بسهولة ربط أجزائها للاستنتاج بأن اسرائيل تتحرش، عسكرياً، سياسياً، وإعلامياً، وتطلق العنان لماكينتها العالمية في إطار بروباغاندا «الصُراخ المُجدي»، لتقول للجميع المُنشغل بأزمات وتسويات تمتد على مساحة «الكوكب»، لكنها لا تضع كعادتها أولوية مصلحة «الكيان» في الحسبان «أنا أيضاً أستطيع أن أحدث تفجيرات تلفت انتباهكم للخطر الذي أشير (أشعر) إليه».

هذا «الإشتغال» الإسرائيلي على عدة محاور، إن دل على شيء فإنما يدل على «توتر» بدأ يهز مفاصل الكيان، لا خشية تخلي الغرب وأمريكا عنه في لحظات التفاوض مع ايران، ولكن لسبب واحد واضح وجلي، المعركة في سوريا لا تسير كما يشتهي «جنرالات» جيش الإحتلال على كافة الصعد، ولكي يزيد التوتر «خوفاً»، فإن «حزب الله» لم يخسر في سوريا، ولم تهتز منظومته الأمنية والعسكرية في لبنان، ولم يرتدع حتى في اللحظة التي كان بإمكانه فيها تجاهل «العدوان» عن إصدار تحذير شديد اللهجة متوعداً بالرد، الذي يبدو أنه حتى يتحقق سيكون قد كلف كيان الإحتلال، ملايين الدولارات على إجراءات وقائية، وحبوب أعصاب بدأت تفقد تأثيرها في تهدئة «الجبهة الداخلية»، خاصة عندما ترى تلك الجبهة أن جنودها على الحدود مع لبنان لا يستطيعون السير بدون مدرعاتهم المصفحة وأن مزارعيهم وسكان المستوطنات في أقصى درجات الحيطة والحذر والاستنفار.

بعيداً عن البروباغاندا التي تفيد موقفنا وجبهتنا في المواجهة مع العدو، وإذا حاولنا فقط قراءة المعطيات التي تبني عليها «إسرائيل» ابتساماتها، سنجد أن وهم سقوط «قوة الجيش السوري» قد تبدد، خاصة بعد الإنجازات المتلاحقة على مختلف الجبهات بما فيها الجهة الأقرب للمناظير الإسرائيلية سواء في درعا أو القنيطرة أو حتى على خط الحدود بين المناطق المحتلة في الجولان والمناطق المسيطر عليها من قبل الجيش السوري، والمجموعات المسلحة المنتشرة على طول الخط الحدودي مع الأردن وصولاً الى الجولان، لم تستطع لا الاستفادة من الدعم اللوجستي العسكري المتدفق من الأردن ولا من الدعم اللوجستي الطبي والاستخباري المقدم من قبل قوات الإحتلال، بل باتت تشكل عبئاً حقيقياً عليها، خاصة عندما تفر من أمام تقدم وحدات الجيش السوري، إلى داخل المنطقة المحتلة لتشكل قلقاً جدياً في كيفية التعامل معها وحصرها لإعادة ارسالها الى داخل الأراضي السورية من جديد.

وبالإضافة للإنجازات التي يحققها الجيش السوري، بات مؤكداً بالنسبة للعين الإسرائيلية المفتوحة على الجبهة السورية، أن سلاح الجو السوري لا يزال بحالة جيدة رغم الأضرار التي لحقت بمنظومة الإسناد الدفاعي الجوي التابعة له، كما أن سلاح الدبابات وباعتراف قادة عسكريين في جيش الإحتلال، قد راكم خبرات عسكرية ميدانية لم تكن لتتحقق له لولا خوضه للمواجهات المباشرة مع المسلحين وتوفر الفرص لوحداته لخوض مناورات حقيقية على كافة أنواع الأهداف، في السهل والجبل والمدن والأرياف.

أما لجهة المقاومة، التي كانت مشاركتها الى جانب الجيش السوري في القتال، سبباً في تعزيز آمال العدو باضعافها، وانهاكها، فقد أثبتت من جديد، ديناميكيتها ومرونتها، وقدراتها الفائقة في التأقلم السريع مع متطلبات الميدان، واستطاعت ضبط «المشاركة» بحسب مقتضيات المصلحة الأوسع، وبما لا يؤثر على الإطلاق على مقدرات وقوة المقاومة الفعلية في «الجهوزية الدائمة» للتصدي للعدو الإسرائيلي وإبقاء التوازن الردعي كما الهجومي في مستوياته العالية، مضافاً اليه وفع مستوى «القلق» الإسرائيلي حول إمكانية وقدرة المقاومة على «التحرك» باتجاه الجليل في إطار أي عملية رد قد تستدعي ذلك.

وقد تجلت قدرة المقاومة على الحفاظ على أداء عالٍ منظومة «القيادة والسيطرة» الموحدة والمنفصلة على عدة جبهات في آن واحد، من خلال قدرتها على الإستمرار في مساندة الجيش السوري من جهة، وضبطها للحدود اللبنانية السورية من جهة أخرى، وتعزيز حضورها الأمني وتأمين جبهتها الداخلية في نفس الوقت الذي تحافظ فيه على حضورها المعتاد على الجبهة الجنوبية بنفس الفعالية والجهوزية مع تعزيز متواصل للقدرات والإمكانيات العسكرية تسليحاً وتدريباً وخططاً ومناورات.

ولعل هذه القدرات «القيادية»، التي تتمتع بها منظومة إدارة الجبهات لدى المقاومة، هي إحدى أكبر أسباب القلق الإسرائيلية حالياً، فلا أحد يعلم بالتحديد عدد غرف العمليات التي تتابع كافة تفاصيل الجبهات من لبنان الى سوريا، والتي ورغم ما تسببت به التفجيرات الإرهابية التي استهدفت الضاحية والهرمل لم تصب بالإرباك الذي توقعه «المُنفذون» ومشغليهم، كما أنها استطاعت وفي فترة وجيزة تنشيط أمنها الوقائي في مواجهتها، والذي استطاع أيضاً وبالتعاون مع الأجهزة الأمنية اللبنانية تحقيق انجازات منظورة، وغير منظورة، وأدى الى إضعاف قدرة الإرهابيين على رسم البسمة على وجوه «الجنرالات»، وإضعاف قدرتهم على الاستهداف المؤثر والفاعل.

من جهة أخرى، تثبت الغارة التي نفذها طيران العدو على منطقة البقاع، أن الكثير مما تراكمه المقاومة من قدرات عسكرية يُشغل بال العدو، حتى تلك الموجودة على أبعد نقطة عن الحدود مع فلسطين، والتي يضطر العدو الى التعامل معها، لا من منطلق «العِلم والمعرفة»، بل لمجرد الاشتباه بكونها «سلاحاً كاسراً للتوازن»، في الوقت الذي تصرف فيه حكومة الإحتلال مليارات الدولارات على حماية استثماراتها النفطية، حتى قبل أن تبدأ بالإنتاج وتحقيق الأرباح.

يُضاف إلى ذلك كله، القلق المتنامي في صفوف «جيش العدو»، من الخبرات العسكرية القتالية التي يراكمها عناصر المقاومة ميدانياً، من خلال مشاركتهم في «مناورات قتالية» حقيقية على الأراضي السورية، ومن الإنجازات المنسوبة إليهم، سواء في عمليات الإقتحام والسيطرة بأعداد نخبوية قليلة على «حصون المسلحين»، أو بالكمائن التي باتت أشبه بعقدة عسكرية مُزمنة لقوات الإحتلال يذكرها كل واحد منها بأشد المشاهد ألماً بالنسبة لها، خصوصاً تلك المسجلة والمعروضة على الشاشات، كما الموزعة «يوتيوبياً» عن القدرات الصاروخية وسهولة استخدامها وأثرها الفعال في المعارك التي تحصل على مسافات قريبة، وأكثرها إثارة للقلق الصواريخ من طراز «بُركان»، القادرة على إحداث تدمير هائل في الهدف، مع القدرة على إطلاقها من أي منطقة قريبة للمستوطنات، باتجاه الخاصرة الأضعف للجبهة الداخلية للعدو.

إذا إسرائيل تلك، التي تتحرش هنا وهناك، ليست سوى «كيان خائف»، يشتد قلقه ويتعاظم اهتزاز «الرِكاب» في مكاتب «جنرالاته» الرمادية المُظلمة، لمُجرد مشاهدة الشاشات وقراءة الصُحف وسماع بيانات المقاومة، فكيف سيتصرف وماذا سيفعل هؤلاء، عندما تُنفذ المقاومة ما وعدت به، أو يخطأ أحد الجنرالات في إيصال الرسائل، ويكون الرد الموضوع سلفاً في أدراج القادة الميدانيين في حزب الله قد وُضع موضع التنفيذ!؟.

سلاب نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى